-
- إنضم
- 7 يوليو 2025
-
- المشاركات
- 1,756
-
- مستوى التفاعل
- 625
- مجموع اﻻوسمة
- 5
ابتسم ... فأنت الكوميديا الحقيقية .


أنا ورئيس الجمهورية في طابور واحد ، نقف أمام فرن الخبز ،
نتبادل القفشات والنوادر حول ليالي الظلم ،
يأتي على الفور مصور الحى لأخذ لقطة تذكارية ،
وأنا أبتسم ممسكاً برغيف ....
تبًا للمساواة !..
وفي لحظة صمتِ مهيبة يسألني الرئيس : دورنا بعد مين ؟
أجيبه : بعد الصبر يا سيدي ، ودور الصبر لم يأتِ بعد ، ونضحك مُرغمين ..
التفت خلفي ، فأرى أطفالًا يولدون في آخر الصف ، ويكبرون وهم يحفظون ترتيبهم ،
قبل أن يحفظوا أسمائهم ، يتعلمون العد لا بالأرقام بل بالانتظار ،
الرئيس يلوح بيده ليس لهم ، بل لمن خلفه خشية أن يُتهم بتعدي الدور .
أضع يدي على كتفه كأني اعتدت مرافقته هامسًا له : الطابور يا سيدي لا يحتاج حراسًا ولا قانون ،
نحن نحرسه ونمنع الفوضى فيه ، ليس حبًا في النظام ، بل خوفًا أن نضيع إن خرجنا عن الخط المستقيم ،
فيه نتعلم أن العدل مسافة ، والعدالة تحب أن تؤجل قليلًا كي لا تعتاد الحضور ،
وأن القريب من الشُباك أكثر وطنية ، ممن يقف في آخر الحلم .
فجأة يسقط الرغيف فينحني الجميع لالتقاطه ، لحظة ديموقراطية خالصة ،
تتساوى فيها الجباه على إسفلت الحاجة !..
ينادون اسمه أولًا بحكم العادة لا الجوع ، فبنظر إليّ مُعتذرًا ،
أقول له : تفضل ، فالانتظار صار دستورًا .
يكتب المُحتالون عن الصبر ، لكن الصبر حقيقة ، يقف حافيًا في الطابور ،
يحمل رقمًا باهتًا ، تكتشف أنه مجرد خطوة أخرى إلى الأمام !..
في الطابور نحلم بأن نجلس ، لكن كراسيه قصيرة ،
فالانتظار لا يحب الأوضاع المُريحة ، يفضل الظهور منتصبًا
كي لا ننساه .
نخرج من الطابور معًا ،
هو تحيطه الحراسة ، وأنا يُحيطني ظلي الطويل من التعب .
يسألني مبتسمًا : كيف وجدت التجربة ؟
أجبته : صالحه للتعميم ، لكنها غير قابلة للهضم ، فالطابور يا سيدي
هو الجمهورية الوحيدة التي لا تسقط ، جمهورية لا تدار بالخطب بل بالوقوف ،
يسقط فيها الاسم واللقب وتتساوى الكتوف ..
فيه نتعلم الانحناء ، لا كفضيلة أخلاقية ، بل كضرورة فيزيائية ،
كي لا نصطدم بسقف الأمل المنخفض ..!
الطابور لا يُربي المواطنين ، بل يدرب أجسادًا على احتمال المُعاناة ،
هكذا تبقى جمهوريته واقفة على أقدام متعبة ،
حين نُغادره ونبتعد ، يبقى واقفًا في ظهورنا ، كظل عنيد تعلم شكل أجسادنا ،
لا نرفع له علمًا ، لأن الألوان لا تُجدي حين يكون الجوع بلا لون ،
الطابور لا ينتهي ، هو فقط يبدل مكانه : مرةً أمام فرن ، مرةً أمام نافذة ،
ومراتٍ أمام وطن .
يركب موكبه ، وأركب أنا فكرة قديمة عن العدالة ، تتعطل كلما اقتربت من السلطة ..!
يلوح لي من خلف الزجاج المُصفح ، ويمضي إلى قصره ،
وألوح له بالرغيف وأمضي إلى جوعي .
في المساء سيحدث الشعب عن قربه من المواطن ، وسيعرض وجهي خلف
الصورة كإثبات حيّ : أن العدسة تشبع أسرع من الأفواه ..
لـ أدرك أخيرًا أننا لم نكن في طابور واحد ، كنت أنا في طابور الخبز ،
وكان هو في طابور الصورة !..
لأكتشف أن الرغيف ليس دائريًا كالمُعتاد ، له وجهان :
واحد للكاميرا ، وآخر للأسنان !..
وفي المساء أطعه على المائدة كمن يضع مرآة ، أنظر فيه فأرى
بلدًا كاملًا يُحاول أن يتذكر : متى صار الخبز والجوع وجهة نظر ؟!..
أُطفىء الضوء وأترك الرغيف نصف مأكول ، ليس زُهدًا ،
بل احترامًا للتوازن العام .
وتبقى الصورة مُثبتة على جدار الحي ،
مؤطرة بعناية ،
كي لا يهرب منها الفقر .
.
.
.
الكاميرا لا تفهم ما خلف الجبين ،
هناك حيث لا يصل الفلاش ، وتفضح الحقيقة .
لا أحد يلوح للعدسة وهو واثق أن الحياة ستبقى فيها لحظة ثابتة ،
وحين يُكتب تحتها أوقات جميلة ، أضحك ...
فما زلت تشبه إنسانًا وليس إعلانًا ، السعادة تُباع فيه على هيئة صورة .
.
.
ابتسم ...
فأنت الكوميديا الحقيقية .
التعديل الأخير بواسطة المشرف:
اسم الموضوع : ابتسم ... فأنت الكوميديا الحقيقية .
|
المصدر : المواضيع المميزة
