-
- إنضم
- 20 نوفمبر 2025
-
- المشاركات
- 7,140
-
- مستوى التفاعل
- 1,996
- مجموع اﻻوسمة
- 3
"ابن زيدون وولادة " حين التقيا في ليلٍ من حنين
قصة ابن زيدون وولادة بنت المستكفي هي من أشهر قصص الحب في تاريخ الأدب العربي،
جمعت بين شاعر أندلسي مرهف الحس ووزيرٍ فذ،
وبين أميرة أموية شاعرة، حرة الفكر، ساحرة البيان.
ابن زيدون: شاعر أندلسي من قرطبة، عاش في القرن الخامس الهجري،
جمع بين السياسة والشعر، وكان وزيرًا وأديبًا مرهفًا.
ولادة بنت المستكفي: أميرة أموية، شاعرة مثقفة،
أقامت مجلسًا أدبيًا في قرطبة، وقد عُرفت بتحررها وذكائها.
وقع ابن زيدون في حب ولادة حين حضر مجلسها، وكتبا لبعضهما قصائد غزل وعتاب،
لكن الحاسدين فرّقوا بينهما، وأبرزهم الوزير ابن عبدوس الذي دسّ المكائد،
حتى سُجن ابن زيدون، وانقطعت الصلة بينهما.
بعد فراقٍ طويل، لم تتزوج ولادة، وظلت تعيش في ظل الذكرى بعد أن هجرته هجرا مليا،
بينما توفي ابن زيدون في إشبيلية بعدما هاجر إليها ،
تاركًا قرطبة وخلفه قصائد خالدة، وذكرى حبٍ لا تُنسى.
في ليلةٍ أندلسيةٍ، لا يشهدها التاريخ إلا همسًا،
اجتمع الحرف بالحرف، والحنين بالحنين، في ركنٍ من ذاكرة الزهراء،
حيث لا يجرؤ الضوء على الدخول، جلس ابن زيدون، يكتب على صفحةٍ من صمت،
وحين رفع رأسه، وجدها أمامه... ولادة،
كما لو أن القصيدة تجسّدت، وخرجت من بين السطور.
قال لها بصوتٍ يشبه نايًا مكسورًا:
"أَضحى التَنائي بَديلاً مِن تَدانينا
وَنابَ عَن طيبِ لُقيانا تَجافينا
أَلّا وَقَد حانَ صُبحُ البَينِ صَبَّحَنا
حَينٌ فَقامَ بِنا لِلحَينِ ناعينا
مَن مُبلِغُ المُلبِسينا بِاِنتِزاحِهِمُ
حُزناً مَعَ الدَهرِ لا يَبلى وَيُبلينا
أَنَّ الزَمانَ الَّذي مازالَ يُضحِكُنا
أُنساً بِقُربِهِمُ قَد عادَ يُبكينا
غيظَ العِدا مِن تَساقينا الهَوى فَدَعَوا
بِأَن نَغَصَّ فَقالَ الدَهرُ آمينا
فَاِنحَلَّ ما كانَ مَعقوداً بِأَنفُسِنا
وَاِنبَتَّ ما كانَ مَوصولاً بِأَيدينا..."
فابتسمت، وفي عينيها شتاءٌ لا يُدفأ، وقالت:
"أَلا هَل لنا من بعد هذا التفرّق
سبيلٌ فيشكو كلّ صبّ بما لقي
وَقد كنت أوقات التزاورِ في الشتا
أبيتُ على جمرٍ من الشوق محرقِ
فَكيفَ وقد أمسيت في حال قطعة
لَقد عجّل المقدور ما كنت أتّقي
تمرُّ الليالي لا أرى البين ينقضي
وَلا الصبر من رقّ التشوّق معتقي
سَقى اللَه أرضاً قد غدت لك منزلاً
بكلّ سكوب هاطل الوبل مغدقِ..."
سكت الحرف، وارتجف الحنين، ثم قالت له وهي تنظر إلى القمر:
"لو كنتَ تنصفُ في الهوى ما بيننا
لم تهوَ جاريتي ولم تتخيّرِ..."
فأطرق رأسه، كأنّ الذنب يسيل من جبينه، وقال:
"إنّي ذكرتكِ بالزهراءِ مُشتاقًا
والأفقُ طلقٌ ووجهُ الأرضِ قد راقا..."
اقتربت منه، لا لتعاتب، بل لتغفر، ومدّت يدها نحو قصيدته،
وقالت: "دع الحرف يبوح، فما عاد في القلب متّسعٌ للمنفى،
اكتبني كما كنت، ولا تكتبني كما يريد التاريخ."
ثم غابت، كما تغيب القصيدة حين تُقرأ كاملة،
وبقي هو، يكتبها من جديد، لا كما كانت، بل كما أراد أن تبقى:
رمزًا للحب حين يكون الشعر وطنًا،
والبوح صلاةً لا تُقال إلا في ليلٍ من حنين.
بقلم العقاب
اسم الموضوع : "ابن زيدون وولادة " حين التقيا في ليلٍ من حنين
|
المصدر : منتدى الشعر الفصيح

