تواصل معنا

هل شعرت يوماً أن جوعك ليس نابعًا من معدتك، بل من الساعة المعلقة على الحائط؟ هل لاحظت كيف يتحرك قلبك مع إشعارات الهاتف كما لو كانت نبضك الحقيقي؟ هنا يظهر...

الجوري

الjo .هسيس بين يقظة وغيم. مسؤولة الأقسام الأدبية
مستشار الادارة
إنضم
23 فبراير 2023
المشاركات
72,068
مستوى التفاعل
27,131
الإقامة
فلسطين .القدس
مجموع اﻻوسمة
32
الديسبلين حقنة التدجين البشري ( مقالة)

IMG_3316.gif

هل شعرت يوماً أن جوعك ليس نابعًا من معدتك، بل من الساعة المعلقة على الحائط؟ هل لاحظت كيف يتحرك قلبك مع إشعارات الهاتف كما لو كانت نبضك الحقيقي؟ هنا يظهر التدجين، الخيمة التي نسكنها خوفًا من مطر قد لا يسقط، الحماية التي نخترعها لأننا نخشى مواجهة الفوضى.
الديسبلين ليس مجرد نظام، بل حقنة تُعطى للإنسان منذ أن بدأ يقيس الزمن ويحسب اللحظات. لم يُخلق كخطأ أخلاقي، بل كاستجابة عقلانية لعالم اتسع أكثر مما تحتمل الفوضى. حين انقسمت المجتمعات إلى طبقات إنتاج، لم يعد الإنسان يُرى كحكاية، بل كوحدة زمنية يمكن ضبطها، قياسها، وتحويلها إلى أداة قابلة للتوقع. لم يكن التدجين خطأً، بل ابتكارًا لتسييس الإنسان، أو لتدجينه على نحو أقسى: تحويل الإرادة البشرية إلى نمط يمكن قراءته، قبل أن تفكر أو تشعر.
في المصانع والمناجم، يبدأ النهار قبل أن يبدأ الوعي.
العمال يأتون في موعد محدد، يقفون في صفوف متشابهة، يدخلون في توقيت محسوب، ويغادرون حين يُطلق الإشارة. حتى الجوع أصبح حدثًا مجدولًا، وكأن الساعة تحدد متى يستحق الإنسان أن يشعر بحاجته. الحديث له طول محدد، الاستراحة محددة، وحتى النظر في عيون الآخرين يخضع لقواعد صامتة. كل شيء محسوب، وكل خروج عن النسق يُقرأ كخلل شخصي لا كفعل مقاومة.
مع الوقت، يتحول النظام إلى بروتوكول اجتماعي، إتيكيت حياة، علامة تهذيب. يصبح العالم كله خلية نحل دقيقة التنظيم: أدوار محددة، مسارات واضحة، وحركة جماعية لا تسمح بالتيه. ليس لأن أحدًا شرير، بل لأن النظام لا يعمل دون هذا الانضباط الكلي. المفارقة أن الجميع مشمول، ولا خط إنتاج جانبي، ولا زاوية تسمح للخطأ أن يكون تجربة، فالجميع محكوم بالقالب نفسه.
وهنا يظهر الغموض الأكثر رعبًا: هذه السيطرة لم تعد مجرد عادات أو نظم اجتماعية، بل أصبحت حقنة حقيقية تُعطى للبشر، تعدل جيناتهم، وتخلق نسخة من الإنسان أكثر انضباطًا واستجابة للنظام منذ الولادة. لا نعرف من اخترعها، لكن آثارها واضحة؛ حتى المواليد الجدد يولدون ضمن القفص نفسه، معتادين على النظام قبل أن يعرفوه، متبرمجين على الخضوع للإيقاع قبل أن يختبروا الحرية.
الديسبلين بهذا الشكل يصبح تدريبًا طويل الأمد، يشبه ما يفعله مدرب السيرك مع الحيوانات، لكن الفرق أن القفص هنا غير مرئي، والتحفيز يأتي في صورة رواتب، إشعارات، وطمأنينة زائفة.
الإنسان لا يُجبر دائمًا، بل يُقنع؛ يُقنع بأن الطاعة نضج، وأن الانضباط وعي، وأن الخروج عن النسق مخاطرة لا قيمة لها.
وحين يتعب من مقاومة الإيقاع، ينسحب داخليًا، ويبدأ بتبرير ما يحدث له بوصفه اختيارًا عقلانيًا.
وفي العصر الرقمي، أصبحت صافرة المصنع رنة الإشعار، وجسد الإنسان يتفاعل كما لو كان جيناته نفسها تترجم الإيقاع.
نحن نبتكر، نعمل، نلهث، ليس لأننا أحرار، بل لأن الخوارزمية تمنحنا وهم الانتماء مقابل كل حركة منضبطة. كل إشعار هو جرس بافلوف، يضبط نبضنا، وحين يغيب، يشعر الإنسان بضياع يفوق ضياع العامل في مصنعه القديم.
ومع ذلك، يظهر بين حين وآخر من يجرؤ على الخروج، شخصيات تكسر الإيقاع وتحطم القالب، أولئك الذين لم يروا في المطر تهديدًا بل أفقًا جديدًا.
لم يرفضوا النظام لأنهم فوضويون، بل لأنهم أدركوا أن الخيمة ليست قدراً، وأن "البلل" الذي نخشاه هو الثمن الزهيد لاستعادة الحكاية من قبضة الإيقاع.
الديسبلين، بهذا المعنى، لا يصنع الطغيان فجأة، بل يصنع بشرًا معتادين عليه، معتادين على القوالب، على الإيقاعات، وعلى الخوف من الفوضى. وحين لا يظهر نموذج يكسر النسق، يصبح السؤال نفسه غريبًا: هل كان يمكن للعالم أن يعمل بشكل آخر؟ أم أن التدجين، بكل قسوته الناعمة والجينية، كان الخديعة التي قبلها الإنسان مقابل أن يتوقف عن الشعور بالخوف من مطر قد لا يسقط أبدًا؟

الجوري .....
 
التعديل الأخير بواسطة المشرف:

$&$&$&

(امير الحروف)
إنضم
12 ديسمبر 2022
المشاركات
5,520
مستوى التفاعل
6,852
الإقامة
جدة
مجموع اﻻوسمة
6
الديسبلين حقنة التدجين البشري ( مقالة)
مقال جميل وشيق وفي نفس الوقت خطير
في مقالك هذا للحظة ننسجم مع هذا النمط
وفي لحظة نشمئز من هكذا شعور
احيانا كثيرة ظاهر الشي حسن وباطنه خبث وعبث
بكل هذه الأفعال تلاعبوا بمنطقة الراحة
وزرعوا نزعة الانضباط مقابل التركيز على الهدف
ليس لأجلك وليس لانك تستحق
بل لأنهم اشتوا منك كل دقيقة منذ صافرة بداية
يوم دوامك حتى لحظة انصرافك
اعطوك دقائق معدودة تقتات فيها وتسد جوعك
وحرموك ان تهمس لمن حولك وزميلك
نصبوا آله ضخمة امام وطلبوا منك ان تتعايش معها
تخاطبها وتحزن عند سكونها وصمتها
حكموا عليك ان رزقك ومعاشك مرهون
في صمتك وخشوعك وخضوعك


مقال قيم ربما فيه من يقدس هذا النمط
وفيه من ينبذه حد التمرد عليه والسخط

طرحك لامس الواقع الجوري

تحياتي واحترامي لك ولفكرك وطرحك

باآري
 
Comment

ندى الورد

ســيـــدة الـقـــصــر
المدير العام
إنضم
17 مايو 2021
المشاركات
132,582
مستوى التفاعل
101,399
الإقامة
المدينة المنورة
مجموع اﻻوسمة
36
الديسبلين حقنة التدجين البشري ( مقالة)
مقاله رائعه جوري

وصفت أن الإنسان لم يعد يتحرك


بدافع الحاجة أو

الرغبة، بل بدافع الإيقاع

المفروض عليه. الوقت

صار أقوى من الإحساس،


والتنظيم تحوّل


من وسيلة للعيش إلى طريقة


لتشكيل الإنسان نفسه.


المشكلة ليست في النظام

بحد ذاته، بل في اعتيادنا عليه

لدرجة أننا توقفنا عن رؤيته،

وصار الخروج عنه يبدو خطأ

شخصيًا لا محاولة استعادة للذات.

هنا الخطر الحقيقي:

حين يصبح القفص مألوفًا

، ويُسمّى الخضوع نضجًا

، ويُنسى أن الفوضى

أحيانًا هي المساحة الوحيدة

التي نتذكر فيها أننا

احياء

كل الشكر لك جووريه
 
Comment

A.M.A.H

مشرف اقسام الشعر
الاشراف
إنضم
10 أغسطس 2021
المشاركات
10,280
مستوى التفاعل
1,624
مجموع اﻻوسمة
5
الديسبلين حقنة التدجين البشري ( مقالة)
يا جوري،

مقالك إنذارٌ فلسفيٌّ مكتوبٌ بحبرٍ من وعيٍ مؤلم. لم يكن مقالًا بقدر ما كان مرآةً مرفوعةً أمام زمنٍ يتقنُ تهذيبَ القيد حتى يبدو زينةً في المعصم.

لقد لامستِ جوهر العالم الحديث حين كشفتِ كيف تحوّل الإنسان من كائنٍ يشعر إلى كائنٍ يُضبط. لم تعودي تتحدثين عن النظام كترتيبٍ خارجي، بل كسلطةٍ ناعمةٍ تسكن الجسد قبل الفكرة، وتُعاد صياغتها تحت مسمياتٍ بريئة: البيت، الوظيفة، الوطن، الأمان، الاستقرار. كلُّها كلماتٌ تُلبَسُ للروح كما تُلبَسُ الأساور للأطفال كي لا يبتعدوا.

مقالكِ يفضح أخطر أشكال السيطرة: حين يُقنَع الفرد أن الطاعة اختيار، وأن القالب هو الشكل الطبيعي للحياة. لم يعد السجّان شخصًا، بل منظومة؛ ولم يعد القفص جدارًا، بل إيقاعًا. وهذا الإدراك الذي زرعتهِ بين السطور مرعبٌ بقدر ما هو نقيّ: نحن لا نعيش داخل العالم، بل داخل نسخةٍ مُهذَّبةٍ منه صُنعت كي تُدار لا كي تُحَب.

أما استعارتكِ عن “الحقنة الجينية” فكانت ضربةً فكرية مذهلة؛ صورةٌ مكثفة عن توريث الخضوع عبر الأجيال، لا بالدم وحده بل بالعادات، بالمدرسة، بالوظيفة، بالمنزل الذي يُقدَّم كغاية بينما هو في كثيرٍ من الأحيان أداة ترويض اجتماعي تجعل الإنسان يعمل ليحمي قفصه بيديه.

لقد كتبتِ عن المصنع القديم والخوارزمية الحديثة كأنكِ تربطين قرنين بسلسلةٍ واحدة: صافرةٌ هناك، إشعارٌ هنا، والانصياع هو نفسه وإن اختلف الصوت. هذا الوعي العميق هو ما يجعل النص ليس نقدًا للنظام فقط، بل كشفًا لطبيعته الكامنة في كل ما يُسمّى حضارة.

الأجمل أنكِ لم تجعلي الخروج بطولةً صاخبة، بل فعلَ استردادٍ هادئ للحكاية. كأنكِ تقولين إن الحرية ليست هدم العالم، بل التجرؤ على البلل خارج الخيمة.

ليس ثورة كلمات، بل ثورة إدراك.
وهذا هو الأدب الحقيقي حين يقترب من الفلسفة.

الجوري أتمنى أني وفقت في قراءة المقال والرد المتواضع بالنسبة للمقال الذي يضج بالمعرفة.


وكل الشكر لكونك هنا
 
Comment

تراتيل حرف

مشرفة الخواطر والاصدقاء كافيه
الاشراف
إنضم
5 يونيو 2022
المشاركات
14,739
مستوى التفاعل
22,682
مجموع اﻻوسمة
9
الديسبلين حقنة التدجين البشري ( مقالة)
مقالتك لا تُقرأ بوصفها طرحًا فكريًا فحسب،
بل كمرآة تُجبر القارئ
على إعادة فحص إيقاعه اليومي،
وعلاقته الخفية بالوقت،
وبالطاعة التي يتقن تبريرها.
ما يميّز هذا النص هو قدرته على تفكيك
"الديسبلين"
من مفهومٍ مألوف ومُطمئن
إلى بنية خفيّة تُعيد تشكيل الإنسان
على مهل، دون صخب أو عنف ظاهر،
بل عبر اعتيادٍ ذكيّ ومدروس.
شدّتني استعاراتك الدقيقة:
الساعة، الإشعار، الخيمة، والحقنة؛
إذ لم تكن زينة لغوية،
بل أدوات تحليل كشفت
كيف ينتقل الانضباط من كونه نظامًا خارجيًا
إلى برمجة داخلية،
نفسية وجسدية،
تُقنع الإنسان بأن ما يخضع له
هو اختيار واعٍ لا قفص ناعم.
هذا الربط بين المصنع القديم
والخوارزمية الحديثة جاء محكمًا،
ونجح في إظهار الاستمرارية التاريخية
للسيطرة، لا بوصفها مؤامرة،
بل بوصفها منطقًا
يعمل لأن الجميع يشارك فيه.
الأجمل في النص أنه لا يسقط
في ثنائية التمجيد أو الإدانة السطحية؛
بل يترك السؤال مفتوحًا، مربكًا،
ومزعجًا بالقدر الكافي ليبقى مع القارئ
بعد انتهاء القراءة.
الشخصيات التي " تكسر الإيقاع "
لم تُقدَّم كأبطال رومانسيين،
بل كاحتمال إنساني هشّ،
يدفع ثمن خروجه،
لكنه يستعيد الحكاية.
مقالة ذكية، جريئة،
ومشحونة بوعي فلسفي
واجتماعي واضح،
تكتب الخوف بلغة هادئة،
وتفكك الطمأنينة بدل أن تبيعها.
نصّ يستحق التوقف عنده طويلًا،
لأنه لا يمنح إجابات جاهزة،
بل يعيد إلينا السؤال الأهم:
متى أصبح الإيقاع بديلاً عن الحرية؟

عزبزتي الجوري
شكرًا لكِ على هذا النص الذي لا يكتفي بالتحليل،
بل يوقظ الحسّ النقدي
ويحرّك الأسئلة النائمة في وعينا اليومي. كتابتكِ تملك شجاعة التفكيك دون ادّعاء، وهدوء الطرح دون مساومة،
وهذا ما يمنح المقالة قيمتها الحقيقية. الامتنان لكِ لأنكِ لم تكتبي لتطمئني القارئ،
بل لتمنحيه فرصة أصدق
لمراجعة نفسه وإيقاعه.🌹🌹
 
Comment

نص عقل

شهب الغابة المضيئ 💎
عضو مميز
إنضم
31 ديسمبر 2024
المشاركات
22,156
مستوى التفاعل
6,662
مجموع اﻻوسمة
8
الديسبلين حقنة التدجين البشري ( مقالة)
الانضباط في كل شيء أمر مطلوب
الخروج عن المألوف إذا كان مميز ولايصادم
أعراف متفق عليها مطلوب
نص يحمل بين طياته حرية ولكن مقننة
جوري أنتي من طينة الكبار
تحيتي وتقديري لسموك الكريم.
 
Comment

الجوري

الjo .هسيس بين يقظة وغيم. مسؤولة الأقسام الأدبية
مستشار الادارة
إنضم
23 فبراير 2023
المشاركات
72,068
مستوى التفاعل
27,131
الإقامة
فلسطين .القدس
مجموع اﻻوسمة
32
الديسبلين حقنة التدجين البشري ( مقالة)
مقال جميل وشيق وفي نفس الوقت خطير
في مقالك هذا للحظة ننسجم مع هذا النمط
وفي لحظة نشمئز من هكذا شعور
احيانا كثيرة ظاهر الشي حسن وباطنه خبث وعبث
بكل هذه الأفعال تلاعبوا بمنطقة الراحة
وزرعوا نزعة الانضباط مقابل التركيز على الهدف
ليس لأجلك وليس لانك تستحق
بل لأنهم اشتوا منك كل دقيقة منذ صافرة بداية
يوم دوامك حتى لحظة انصرافك
اعطوك دقائق معدودة تقتات فيها وتسد جوعك
وحرموك ان تهمس لمن حولك وزميلك
نصبوا آله ضخمة امام وطلبوا منك ان تتعايش معها
تخاطبها وتحزن عند سكونها وصمتها
حكموا عليك ان رزقك ومعاشك مرهون
في صمتك وخشوعك وخضوعك


مقال قيم ربما فيه من يقدس هذا النمط
وفيه من ينبذه حد التمرد عليه والسخط

طرحك لامس الواقع الجوري

تحياتي واحترامي لك ولفكرك وطرحك

باآري
أهلاً بهذا الرد الذي وضعنا مباشرةً أمام 'الآلة الصامتة' التي نُقدّسها رغماً عنّا.
Bary
لقد وصفتَ بدقة مرعبة تلك الخديعة الكبرى؛ كيف تمّ التلاعب بـ 'منطقة الراحة' لتصبح سجناً اختيارياً. أخطر ما في طرحك هو الإشارة إلى أنهم لم يشتروا مجهودنا فحسب، بل 'اشتروا دقائقنا'؛ أي أنهم استملكوا حياتنا بالتقسيط الممل، من صافرة البداية حتى لحظة الانصراف، وما بينهما ليس سوى 'فتات زمن' لسدّ الرمق.
مشهد 'الخشوع والخضوع' أمام الآلة الذي رسمتَه هو قمة التدجين؛ حيث لا يُطلب منك الإبداع، بل يُطلب منك 'التعايش مع الصمت'. هنا لا يصبح الانضباط فضيلة، بل يصبح 'ضريبة بقاء'.
نعم، هناك من يقدس هذا النمط لأنه يمنحه الأمان الزائف، لكن صوتك هنا يمثل الفريق الآخر؛ أولئك الذين يشعرون بـ 'الاشمئزاز' الصحي الذي ذكرتَه. هذا الاشمئزاز هو أولى خطوات استعادة 'السيادة' على النفس، وهو الدليل على أن جيناتنا لا تزال تقاوم 'الحقنة' ولم تستسلم تماماً للآلة.
ممتنة لهذا المرور الذي منح النص 'نبضاً واقعياً' وجسّد لنا شكل القفص الذي نعيش فيه.
 
Comment

الجوري

الjo .هسيس بين يقظة وغيم. مسؤولة الأقسام الأدبية
مستشار الادارة
إنضم
23 فبراير 2023
المشاركات
72,068
مستوى التفاعل
27,131
الإقامة
فلسطين .القدس
مجموع اﻻوسمة
32
الديسبلين حقنة التدجين البشري ( مقالة)
مقاله رائعه جوري

وصفت أن الإنسان لم يعد يتحرك


بدافع الحاجة أو

الرغبة، بل بدافع الإيقاع

المفروض عليه. الوقت

صار أقوى من الإحساس،


والتنظيم تحوّل


من وسيلة للعيش إلى طريقة


لتشكيل الإنسان نفسه.


المشكلة ليست في النظام

بحد ذاته، بل في اعتيادنا عليه

لدرجة أننا توقفنا عن رؤيته،

وصار الخروج عنه يبدو خطأ

شخصيًا لا محاولة استعادة للذات.

هنا الخطر الحقيقي:

حين يصبح القفص مألوفًا

، ويُسمّى الخضوع نضجًا

، ويُنسى أن الفوضى

أحيانًا هي المساحة الوحيدة

التي نتذكر فيها أننا

احياء

كل الشكر لك جووريه
أهلاً بهذا المرور العذب والعميق..
ندى الورد
لقد لمستِ جوهر المأساة؛ فالعالم لم يروضنا بالقوة، بل بـ 'التعوّد'. أخطر ما في هذا التدجين هو أنه جعلنا نرى الفطرة (الفوضى الجميلة) خطأً، ونرى القيود (النظام الخانق) حكمة ونضجاً.
حين قلتي أن 'الفوضى هي المساحة الوحيدة التي نتذكر فيها أننا أحياء'، فقد أصبتِ كبد الحقيقة. نحن نحتاج أن نضيع قليلاً لنجد أنفسنا، ونحتاج أن نكسر الإيقاع لنسمع نبضنا الحقيقي بعيداً عن ضجيج الساعات والإشعارات.
شكراً لأنكِ كنتِ هنا، وشكراً لأنكِ انتبهتِ لتلك المساحة الصغيرة من 'الحياة' التي نحاول حمايتها من التنميط. حضوركِ هو 'بلل' آخر يغسل جفاف هذا العالم المنضبط.
كل الود لكِ ولروحكِ اليقظة
 
Comment

الجوري

الjo .هسيس بين يقظة وغيم. مسؤولة الأقسام الأدبية
مستشار الادارة
إنضم
23 فبراير 2023
المشاركات
72,068
مستوى التفاعل
27,131
الإقامة
فلسطين .القدس
مجموع اﻻوسمة
32
الديسبلين حقنة التدجين البشري ( مقالة)
يا جوري،

مقالك إنذارٌ فلسفيٌّ مكتوبٌ بحبرٍ من وعيٍ مؤلم. لم يكن مقالًا بقدر ما كان مرآةً مرفوعةً أمام زمنٍ يتقنُ تهذيبَ القيد حتى يبدو زينةً في المعصم.

لقد لامستِ جوهر العالم الحديث حين كشفتِ كيف تحوّل الإنسان من كائنٍ يشعر إلى كائنٍ يُضبط. لم تعودي تتحدثين عن النظام كترتيبٍ خارجي، بل كسلطةٍ ناعمةٍ تسكن الجسد قبل الفكرة، وتُعاد صياغتها تحت مسمياتٍ بريئة: البيت، الوظيفة، الوطن، الأمان، الاستقرار. كلُّها كلماتٌ تُلبَسُ للروح كما تُلبَسُ الأساور للأطفال كي لا يبتعدوا.

مقالكِ يفضح أخطر أشكال السيطرة: حين يُقنَع الفرد أن الطاعة اختيار، وأن القالب هو الشكل الطبيعي للحياة. لم يعد السجّان شخصًا، بل منظومة؛ ولم يعد القفص جدارًا، بل إيقاعًا. وهذا الإدراك الذي زرعتهِ بين السطور مرعبٌ بقدر ما هو نقيّ: نحن لا نعيش داخل العالم، بل داخل نسخةٍ مُهذَّبةٍ منه صُنعت كي تُدار لا كي تُحَب.

أما استعارتكِ عن “الحقنة الجينية” فكانت ضربةً فكرية مذهلة؛ صورةٌ مكثفة عن توريث الخضوع عبر الأجيال، لا بالدم وحده بل بالعادات، بالمدرسة، بالوظيفة، بالمنزل الذي يُقدَّم كغاية بينما هو في كثيرٍ من الأحيان أداة ترويض اجتماعي تجعل الإنسان يعمل ليحمي قفصه بيديه.

لقد كتبتِ عن المصنع القديم والخوارزمية الحديثة كأنكِ تربطين قرنين بسلسلةٍ واحدة: صافرةٌ هناك، إشعارٌ هنا، والانصياع هو نفسه وإن اختلف الصوت. هذا الوعي العميق هو ما يجعل النص ليس نقدًا للنظام فقط، بل كشفًا لطبيعته الكامنة في كل ما يُسمّى حضارة.

الأجمل أنكِ لم تجعلي الخروج بطولةً صاخبة، بل فعلَ استردادٍ هادئ للحكاية. كأنكِ تقولين إن الحرية ليست هدم العالم، بل التجرؤ على البلل خارج الخيمة.

ليس ثورة كلمات، بل ثورة إدراك.
وهذا هو الأدب الحقيقي حين يقترب من الفلسفة.

الجوري أتمنى أني وفقت في قراءة المقال والرد المتواضع بالنسبة للمقال الذي يضج بالمعرفة.


وكل الشكر لكونك هنا
حين يرتدُّ إليّ النصُّ بهذا البهاء، أدركُ أن 'صافرة الإنذار' لم تذهب سدىً، بل وجدت صدىً في روحٍ ترفضُ أن تُساق داخل القوالب الجاهزة.
A.M.A.H
أدهشتني قراءتك التي لم تكتفِ بملامسة السطح، بل غاصت في 'نخاع' الفكرة. لقد أصبتَ كبد الحقيقة حين وصفتَ العالم الحديث بأنه 'نسخة مهذبة صُنعت كي تُدار لا كي تُحب'؛ فهذه هي ذروة المأساة، أننا نستهلك حياةً مسبقة الصنع، ونظنّها حياتنا الخاصة.
إشارتك إلى أن 'المنزل' قد يكون أداة ترويض تجعل الإنسان يحمي قفصه بيديه، هي إضافة فكرية في غاية العمق والصدمة؛ ففي سعينا للأمان، ننسى أننا أحياناً نشتري جدراناً تمنع عنا رؤية الأفق. لقد ربطتَ بين 'القرنين' بسلسلة واحدة، وأثبتَّ أن الانصياع هو ذاته، سواء كان بصوت صافرة نحاسية أو بنغمة إشعار رقمي.
أشكرك لأنك جعلت من ردّك 'مرآةً للوعي المؤلم'، ولأنك أدركتَ أن الحرية ليست ضجيجاً، بل هي ذاك 'الاسترداد الهادئ للحكاية'. لقد غسلتَ النصَّ ببلل قراءتك الصادقة، وأكدتَ لي أن 'ثورة الإدراك' هي الثورة الوحيدة التي لا يمكن تدجينها.
ممتنة لهذا المرور الذي لا يشبه إلا نفسه، وللعمق الذي يضجُّ بالمعرفة والجمال."
 
Comment

الجوري

الjo .هسيس بين يقظة وغيم. مسؤولة الأقسام الأدبية
مستشار الادارة
إنضم
23 فبراير 2023
المشاركات
72,068
مستوى التفاعل
27,131
الإقامة
فلسطين .القدس
مجموع اﻻوسمة
32
الديسبلين حقنة التدجين البشري ( مقالة)
مقالتك لا تُقرأ بوصفها طرحًا فكريًا فحسب،
بل كمرآة تُجبر القارئ
على إعادة فحص إيقاعه اليومي،
وعلاقته الخفية بالوقت،
وبالطاعة التي يتقن تبريرها.
ما يميّز هذا النص هو قدرته على تفكيك
"الديسبلين"
من مفهومٍ مألوف ومُطمئن
إلى بنية خفيّة تُعيد تشكيل الإنسان
على مهل، دون صخب أو عنف ظاهر،
بل عبر اعتيادٍ ذكيّ ومدروس.
شدّتني استعاراتك الدقيقة:
الساعة، الإشعار، الخيمة، والحقنة؛
إذ لم تكن زينة لغوية،
بل أدوات تحليل كشفت
كيف ينتقل الانضباط من كونه نظامًا خارجيًا
إلى برمجة داخلية،
نفسية وجسدية،
تُقنع الإنسان بأن ما يخضع له
هو اختيار واعٍ لا قفص ناعم.
هذا الربط بين المصنع القديم
والخوارزمية الحديثة جاء محكمًا،
ونجح في إظهار الاستمرارية التاريخية
للسيطرة، لا بوصفها مؤامرة،
بل بوصفها منطقًا
يعمل لأن الجميع يشارك فيه.
الأجمل في النص أنه لا يسقط
في ثنائية التمجيد أو الإدانة السطحية؛
بل يترك السؤال مفتوحًا، مربكًا،
ومزعجًا بالقدر الكافي ليبقى مع القارئ
بعد انتهاء القراءة.
الشخصيات التي " تكسر الإيقاع "
لم تُقدَّم كأبطال رومانسيين،
بل كاحتمال إنساني هشّ،
يدفع ثمن خروجه،
لكنه يستعيد الحكاية.
مقالة ذكية، جريئة،
ومشحونة بوعي فلسفي
واجتماعي واضح،
تكتب الخوف بلغة هادئة،
وتفكك الطمأنينة بدل أن تبيعها.
نصّ يستحق التوقف عنده طويلًا،
لأنه لا يمنح إجابات جاهزة،
بل يعيد إلينا السؤال الأهم:
متى أصبح الإيقاع بديلاً عن الحرية؟

عزبزتي الجوري
شكرًا لكِ على هذا النص الذي لا يكتفي بالتحليل،
بل يوقظ الحسّ النقدي
ويحرّك الأسئلة النائمة في وعينا اليومي. كتابتكِ تملك شجاعة التفكيك دون ادّعاء، وهدوء الطرح دون مساومة،
وهذا ما يمنح المقالة قيمتها الحقيقية. الامتنان لكِ لأنكِ لم تكتبي لتطمئني القارئ،
بل لتمنحيه فرصة أصدق
لمراجعة نفسه وإيقاعه.🌹🌹
أهلاً بهذا الوعي الذي لا يكتفي بالمرور، بل يمارس 'فحص الإيقاع' بكل أمانة.

تراتيل حرف
لقد وضعتِ يدكِ على المحرك الأساسي للنص؛ وهو أن النظام لا يعمل كمؤامرة خارجية، بل كـ 'منطق' نشارك فيه جميعاً باعتيادنا اليومي. أكثر ما أسعدني في قراءتكِ هو انتباهكِ لـ 'هشاشة' أولئك الذين يكسرون الإيقاع؛ فهم ليسوا أبطالاً خارقين، بل بشر مثلنا، قرروا فقط أن ثمن 'البلل' أقل قسوة من جفاف الزنزانة الناعمة.


أشكركِ لأنكِ لم تبحثي في النص عن 'طمأنينة' أبيعها لكِ، بل قبلتِ بالدعوة إلى 'القلق المثمر'. وحين تساءلتِ: 'متى أصبح الإيقاع بديلاً عن الحرية؟'، فقد أعدتِ النص إلى نقطة الصفر التي انطلق منها، وهي اللحظة التي تنازل فيها الإنسان عن 'دهشته' مقابل 'أمان الساعة'.


ممتنة جداً لهذه القراءة التي لمست الوعي الفلسفي والاجتماعي خلف الكلمات، ولأنكِ جعلتِ من تعقيبكِ حواراً يوقظ الأسئلة النائمة. حضوركِ هو 'الاسترداد الحقيقي للحكاية'.


كل التقدير والامتنان لروحكِ النقدية اليقظة
 
Comment

الجوري

الjo .هسيس بين يقظة وغيم. مسؤولة الأقسام الأدبية
مستشار الادارة
إنضم
23 فبراير 2023
المشاركات
72,068
مستوى التفاعل
27,131
الإقامة
فلسطين .القدس
مجموع اﻻوسمة
32
الديسبلين حقنة التدجين البشري ( مقالة)
الانضباط في كل شيء أمر مطلوب
الخروج عن المألوف إذا كان مميز ولايصادم
أعراف متفق عليها مطلوب
نص يحمل بين طياته حرية ولكن مقننة
جوري أنتي من طينة الكبار
تحيتي وتقديري لسموك الكريم.
"أهلاً بهذا الحضور الراقي والكلمات التي تحمل طابع الحكمة والاتزان.
نص عقل
أتفق معك تماماً في أن 'الانضباط' كقيمة إنسانية هو سرّ البناء والتعمير، ولا يمكن للحياة أن تستقيم بدونه. لكن النصّ هنا كان يحاول تسليط الضوء على تلك الشعرة الفاصلة بين 'الانضباط الذي يختاره الإنسان ليرتقي'، وبين 'التدجين الذي يُفرض عليه ليمحي هويته'.
ما أقصده بكسر الإيقاع ليس الفوضى المصادمة للأعراف الجميلة، بل هو استعادة 'وعي الإنسان' بفعله؛ لكي لا يتحرك كآلة صماء، بل ككائن يدرك لماذا يلتزم ولماذا ينضبط. الحرية التي أنشدها هنا هي حرية 'الروح اليقظة' التي لا ترضى بأن تكون مجرد وحدة زمنية في رسم بياني.
شكراً لثنائك الكريم الذي أعتز به، ولرؤيتك التي تذكرنا دائماً بضرورة التوازن بين التحليق في أفق الحرية والتمسك بجذور القيم والأعراف المتفق عليها.
تحيتي وتقديري الكبير لمرورك النبيل
 
Comment

ندى الورد

ســيـــدة الـقـــصــر
المدير العام
إنضم
17 مايو 2021
المشاركات
132,582
مستوى التفاعل
101,399
الإقامة
المدينة المنورة
مجموع اﻻوسمة
36
الديسبلين حقنة التدجين البشري ( مقالة)
ينقل للقسم المميز
ويثبت
 
1 Comment
الجوري
الجوري commented
عظيم امتناني وشكري ❤️
 

ضد الرصاص

نجوم المنتدي
إنضم
23 مايو 2021
المشاركات
166
مستوى التفاعل
115
الديسبلين حقنة التدجين البشري ( مقالة)

السلام .. والتحية الطيبة

الاخت الكريمة،
حسبي، عبر التاريخ، الحضارة السائدة تفرض ايقاع الحياة .. ونمطها
فاين يكوني المرء من تلك الحضارة، كـ تابع .. او متبع
ستجدي نفسك - كما تفضلتي - اما "مقتنعة عن نضج" واما "مدجنة"

اسلاميا، ..
كما قالها عليه الصلاة والسلام .. نبوأة ً ..
"لَتَتَّبِعُنَّ سَنَنَ مَن قَبْلَكُمْ شِبْرًا بشِبْرٍ، وَذِرَاعًا بذِرَاعٍ، حتَّى لو سَلَكُوا جُحْرَ ضَبٍّ لَسَلَكْتُمُوهُ،
قُلْنَا: يا رَسُولَ اللَّهِ، اليَهُودَ وَالنَّصَارَى؟ قالَ: فَمَنْ؟"

.. وفيما معنى الحديث،
كما ضلوا وانحرفوا هم عن رسالة الله سبحانه وتعالى التي ارسلت اليهم،
انتم - من خلال اجيالكم، كذلك ستضلوا وتنحرفوا عما جـِئتُ به لكم

.. واليوم نحن - كمسلمين، مع الاسف - اتبعنا وسلكنا جحر ضب اليهود والنصارى
ولماذا ؟ ..
لان فتنتنا الدنيا كما فتنتهم
وسقطنا، ورسبنا في هذه الفتنة .. وغرتنا الدنيا بزخرفها وماديتها

نعم، نصلي ونصوم .. وقائمين باركان ديننا
كما هم متمسكين وممارسين، ظناً واعتقادا، لرسالات رسلهم
لكن قلوبنا واهوائنا معلقة بالدنبا
.. والدين يدعوك لان تعيشي لاخرتك
وان تكوني في الدنيا كعابرة سبيل .. خفيفة الحمل والزاد
جاء في حديثه، عليه الصلاة والسلام ..
"
مَن أصبحَ منكم آمنًا في سربِهِ ، مُعافًى في جسدِهِ عندَهُ قوتُ يومِهِ ، فَكَأنَّما حيزت لَهُ الدُّنيا"
.. لكننا، بطباعنا البشرية، وغواية اهوائنا، طمعون
ولا ننسى، ان الغرض من الحياة الدنيا .. الابتلاء والاختبار


عودة للحضارة
.. ولـ"التدجين"،
وان تكون حضارة اسلامية .. كحل، .. وكـ"مدخنة" لمن خلافها
فـ .. قد كانت، وهي مثبتة، في فترة من التاريخ
ولا يمنع، بمشيئة الله وتوفيقه، ان تتكرر وتعود

اخيرا ..
براي المتواضع،
ان العنصر الاهم في الحضارة الدنيوية،
وقبل الانجازات المادية الدنيوية،
هو ..
افشاء العدل والمساوة .. ورفع الظلم والجور
وهو جزء اساسي من الرسالة السماوية،
.. وهي المعادلة التي قامت بها حضارات او انهارت بها حضارات
وهي، كما يتناول موضوعك، ..
العنصر "المدجن" الجاذب والمُتأمَل للبشر .. ولاستلام تبعيتهم وانتمائهم

هناك موضوع جديد في قسم النقاش
قريب في مضمونه من موضوعك
وهو للاخت/ عاشقة الكتابة .. ويتناول موضوع الهوية العربية
وفيه مشاركات قيمة، اقترح اطلاعك عليه ..
سيثري شغف وعيك للحقيقة المرة التي يتناولها موضوعك هنا

انا مضطر للخروج الان
ان اذن المولى، قد اعود لمزيد من المشاركة

موضوع وطرح قيم، اهنيئك واشكرك عليه
تقبلي .. دعواتي






 
Comment

ضد الرصاص

نجوم المنتدي
إنضم
23 مايو 2021
المشاركات
166
مستوى التفاعل
115
الديسبلين حقنة التدجين البشري ( مقالة)

السلام .. والتحية مجددا
عدنا، وان شاء الله العود احمد

قد يبدو في مشاركتي السابقة وكاني خرجت عن مضمون موضوعك
ولكن راي، وفي ظل قراتي لموضوعك، ان مرد ما تتحدثين عنه هو ..
ان فيه نوع من الثورة على الحضارة المعاصرة .. الغربية

حيث مصطلح "الديسبلن" من اللغة الانجليزية (ويقابله بالعربية "الانضباط")
هو من صميم الثقافة المعاصرة للحضارة الغربية ومفهومها

وان كان حقيقة، في كل الحضارات الانسانية تاريخيا
والتي ارتقت بالافراد والمجتمعات للتقدمية والتطور والسيادة
واخرجتهم من التخلف والرجعية والبدائية
كان "الانضباط" صفة وسمة اساسية في الحياة ونمطها ..
انعكس على ممارسة الفرد والمجتمع

فـ"الانضباط" يعكس وعي ثقافي تقدمي وحضاري في المجتمعات
وبذلك هو امر حميد ومطلوب للرقي ونضهة الشعوب

كوننا ننظر لانضباط الناس في المجتمعات المتحضرة على انه نوع من "الترويض" ..
(وحيث استخدمتي انت مصلطح "تدجين")
شخصيا، ارى فيه نوع من الاحتجاج والثورة على الانضباط وعلى النظام المحمودين

علما، ..
ان ذلك امر ليس بجديد في سيرة البشر .. وتاريخهم

فقبلك بعقود من الزمن
ظهر مصطلح "البوهيمية" في اواسط القرن الماضي في اوروبا
(ومرجعه اساسا يعود لوصف غجر شرق اوروبا - الاشبه بالبدو الرحل البدائيين)
حيث ثقافيا اطلق المصطلح على من خرج فكره وعمله عن قيود العرف والتقاليد

كما ظهر في ستينيات القرن الماضي بين فئة الشباب في الغرب
ظاهرة "الهبيز" الثائرين على نمط ومظاهر الحياة الحضرية والحضارية
ويرون العيش كيفا اتفقت الامور مع، وفي الطبيعة، و"كل يوم بيومه" دون قيود التحضر والتمدن
.. ، شيء كان اشبه بحياة الوحوش والبهائم في الطبيعة


بغض النظر عن التوجه الذي ذهب اليه طرحك للـ"انضباط"
وما يمليه من تنميط الفرد وحياته "الترويض/ التدجين"
لا اعتقد انك تقصدين ان تكوني ضد التحضر والرقي والتمدن
وهي صفات وسمات الحضارات الانسانية .. وجزء من منظومتها ومتطلباتها
الامر الذي في ظله، لا يمكن ان ننتقدها على انها امر ذميم وغير حميد
.. رغم ما قد تفرضه من نمطية ورتابة لانتاجية الفراد في "ساعات عمله المحددة"
اذ لا يمكن ان نتغاضى، وننكر، ..
انها تترك له في باقي ساعات يومه، ووقته الخاص به، حرية التصرف كيف شاء
.. وان يعيشها - دون ان يؤثر على غيره - حتى لو في فوضى عارمة


لذلك، ..
انا اربط طرحك، بنوع من التافف – ان جاز التعبير،
من واقع الحياة المعاصرة الحضرية والحضارية للثقافة الغربية .. وللنمطية فيها
وهو الامر الذي داعني لطرح نقاشي في مشاركة الاولى والسابقة ..
حول تاثير الحضارة الغربية المعاصرة علينا كشعوب مسلمة وعربية
.. والمترتب على ذلك من اوجه التعارض والتضاد

ختاما، ..
ارجو ان يكون قد اتضح الراي .. وان وصلت الصورة
.. ، تحيات .. ودعوات


 
Comment

الجوري

الjo .هسيس بين يقظة وغيم. مسؤولة الأقسام الأدبية
مستشار الادارة
إنضم
23 فبراير 2023
المشاركات
72,068
مستوى التفاعل
27,131
الإقامة
فلسطين .القدس
مجموع اﻻوسمة
32
الديسبلين حقنة التدجين البشري ( مقالة)

السلام .. والتحية مجددا
عدنا، وان شاء الله العود احمد

قد يبدو في مشاركتي السابقة وكاني خرجت عن مضمون موضوعك
ولكن راي، وفي ظل قراتي لموضوعك، ان مرد ما تتحدثين عنه هو ..
ان فيه نوع من الثورة على الحضارة المعاصرة .. الغربية

حيث مصطلح "الديسبلن" من اللغة الانجليزية (ويقابله بالعربية "الانضباط")
هو من صميم الثقافة المعاصرة للحضارة الغربية ومفهومها

وان كان حقيقة، في كل الحضارات الانسانية تاريخيا
والتي ارتقت بالافراد والمجتمعات للتقدمية والتطور والسيادة
واخرجتهم من التخلف والرجعية والبدائية
كان "الانضباط" صفة وسمة اساسية في الحياة ونمطها ..
انعكس على ممارسة الفرد والمجتمع

فـ"الانضباط" يعكس وعي ثقافي تقدمي وحضاري في المجتمعات
وبذلك هو امر حميد ومطلوب للرقي ونضهة الشعوب

كوننا ننظر لانضباط الناس في المجتمعات المتحضرة على انه نوع من "الترويض" ..
(وحيث استخدمتي انت مصلطح "تدجين")
شخصيا، ارى فيه نوع من الاحتجاج والثورة على الانضباط وعلى النظام المحمودين

علما، ..
ان ذلك امر ليس بجديد في سيرة البشر .. وتاريخهم

فقبلك بعقود من الزمن
ظهر مصطلح "البوهيمية" في اواسط القرن الماضي في اوروبا
(ومرجعه اساسا يعود لوصف غجر شرق اوروبا - الاشبه بالبدو الرحل البدائيين)
حيث ثقافيا اطلق المصطلح على من خرج فكره وعمله عن قيود العرف والتقاليد

كما ظهر في ستينيات القرن الماضي بين فئة الشباب في الغرب
ظاهرة "الهبيز" الثائرين على نمط ومظاهر الحياة الحضرية والحضارية
ويرون العيش كيفا اتفقت الامور مع، وفي الطبيعة، و"كل يوم بيومه" دون قيود التحضر والتمدن
.. ، شيء كان اشبه بحياة الوحوش والبهائم في الطبيعة


بغض النظر عن التوجه الذي ذهب اليه طرحك للـ"انضباط"
وما يمليه من تنميط الفرد وحياته "الترويض/ التدجين"
لا اعتقد انك تقصدين ان تكوني ضد التحضر والرقي والتمدن
وهي صفات وسمات الحضارات الانسانية .. وجزء من منظومتها ومتطلباتها
الامر الذي في ظله، لا يمكن ان ننتقدها على انها امر ذميم وغير حميد
.. رغم ما قد تفرضه من نمطية ورتابة لانتاجية الفراد في "ساعات عمله المحددة"
اذ لا يمكن ان نتغاضى، وننكر، ..
انها تترك له في باقي ساعات يومه، ووقته الخاص به، حرية التصرف كيف شاء
.. وان يعيشها - دون ان يؤثر على غيره - حتى لو في فوضى عارمة


لذلك، ..
انا اربط طرحك، بنوع من التافف – ان جاز التعبير،
من واقع الحياة المعاصرة الحضرية والحضارية للثقافة الغربية .. وللنمطية فيها
وهو الامر الذي داعني لطرح نقاشي في مشاركة الاولى والسابقة ..
حول تاثير الحضارة الغربية المعاصرة علينا كشعوب مسلمة وعربية
.. والمترتب على ذلك من اوجه التعارض والتضاد

ختاما، ..
ارجو ان يكون قد اتضح الراي .. وان وصلت الصورة
.. ، تحيات .. ودعوات



وعليكم السلام والتحية والإكرام.. وأهلاً بك هذا السجال الذي يزداد ثراءً بمرور الوقت. العودُ أحمدُ فعلاً، لأنك وضعت الإصبع على "سوء الفهم" الأكثر جوهرية الذي قد يحيق بأي نقد للفكر المعاصر.


اسمح لي أن أفكك معك هذا الالتباس، ليس من باب الدفاع عن النص، بل من باب تعميق الرؤية:


أولاً: "الديسبلين" بين النظام الحضاري والتدجين


أنت محق تماماً؛ "الانضباط" هو وقود الحضارات. لا يمكن بناء ناطحة سحاب أو نظام صحي أو جيش يحمي الأوطان دون انضباط. لكن، ما كنتُ أعنيه بمصطلح "الديسبلين" (كما طرحه الفلاسفة المعاصرون وعلى رأسهم فوكو) ليس "النظام" في مقابلة "الفوضى"، بل هو "تنميط الروح" في مقابلة "الفطرة".

الانضباط المحمود: هو أن تحترم موعد العمل لتكون منتجة.
التدجين (الديسبلين) الذي انتقدته: هو أن يتحول الإنسان إلى "ترس" في ماكينة، لا يسأل عن لماذا بل يهتم بـكيف ، حيث تُلغى فرديته لصالح نموذج استهلاكي واحد. أنا لا أدعو للبوهيمية، بل أدعو لأن يظل "العقل" هو القائد، لا "العادة" التي فرضها نظام خارجي يهدف لتحويلنا إلى مستهلكين مطيعين.

ثانياً: لستُ بوهيمية.. بل أبحث عن "الأصالة"


لقد استحضرت نماذج تاريخية ذكية (الهيبيز والبوهيميين)، وهم فعلاً ثاروا على "النظام" هرباً نحو الفوضى أو البدائية. لكن طرحي يختلف جذرياً:


أنا لا أدعو للعودة إلى حياة "الوحوش والبهائم" [حاشا لله]بل أدعو للتحضر الذي ينبع من الداخل، لا التحضر الذي يُفرض كقالب مستورد.


مشكلتنا ليست في "التمدن"، بل في "الكمبرادورية" التي شرحتُها بمقال ثاني؛ وهي أننا نتبنى مظاهر التمدن الغربي (اللغة، الماركات، القيم الدرامية) كقشرة خارجية، دون أن نملك روح الحضارة وقوتها العلمية والتقنية. نحن نتدجن في "الاستهلاك" لا في "الإنتاج".


ثالثاً: التذمر من النمطية الغربية.. هل هو ثورة؟​


نعم، هو "تأفف" واعٍ، ليس من التطور العلمي أو التقني الغربي (فهذا مما يُطلب ويُقتبس)، بل من "الأحادية الثقافية" التي تفرضها العولمة.


الغرب الحديث قدّم لنا "ساعات العمل المنضبطة"، وهذا جيد. لكنه أيضاً قدّم لنا "الكمبرادور" الذي يقنعنا بأننا لا نكون متحضرين إلا إذا تكلمنا لغته واستهلكنا بضائعه.


ما أخشاه ليس "الانضباط" الذي يبني المجتمعات، بل "الانسحاق" الذي يجعل الإنسان يشعر بالدونية إذا لم يتبع النمط الغربي السائد.


رابعاً: الفوضى الخاصة.. هل هي كافية؟​


قلت إن النظام يترك لنا ساعاتنا الخاصة لنعيشها كما نشاء. وهنا مربط الفرس في مقالي؛ الكمبرادورية والتدجين الناعم وصلا حتى إلى "ساعاتنا الخاصة". نحن في بيوتنا، وفي أوقات فراغنا، نشاهد مسلسلاتهم (التعريب)، ونستخدم لغتهم، ونطمح لنمط حياتهم. إذن، التدجين لم يترك لنا "وقتنا الخاص"، بل أعاد صياغة "رغباتنا" في ذلك الوقت.


الخلاصة:


أنا لستُ ضد "الحضارة"، أنا ضد "التبعية المقنّعة بالحضارة". أنا أبحث عن انضباط يجعلنا أسياداً لقرارنا، لا انضباطاً يجعلنا مجرد نسخ مكررة من "موديل" عالمي موحد.


أشكرك لأنك دفعتني لتوضيح هذه النقطة

لك كل التقدير لهذا النقد الرصين الذي يضع النقاط على الحروف.
 
2 Comments
ضد الرصاص
ضد الرصاص commented
.. احيك، واحي تجاوبك الكريم مع مشاركاتنا تفاعلا مع مقالتك
ولعل "الجوري" الثائرة المنتظرة .. التى نحتاجها لتخرجنا من العجز والتبعية الى الريادة والرقي
امضي قدما، نحن معك .. وعلى اثرك نتبعك👍 🙂
 
الجوري
الجوري commented
أول الثورة التفكير،لذا أنت من رواد الثورة
ممتنة للطفك ومرورك الكريم
 

هدوء

💎مستشار اداري
نائب المدير العام
إنضم
24 مارس 2022
المشاركات
53,400
مستوى التفاعل
37,957
مجموع اﻻوسمة
22
الديسبلين حقنة التدجين البشري ( مقالة)
؛
نمط حياة كتب هنا على ورق احمر ..
ينذر بأن هناك شئ ما في الحياة
يحتاج لتطهير ربما يكون في وقت من
داخل القلب ..
وربما يكون نمط من الحياة يحاتج لاعادة
النظر ..
فحين أصبحت عبارتناا مبتورة
وتضاائل حجم فضولناا
بـ تفاصيل اللحظاات التي لم نتشاركها
ولم تعد هناگ علاماات استفهاام نتداولهاا
قررنا أن يكون جاتب من نمط حياتنا هكذا ..؟




الجوري
مقال جميل فأوراقنا كذلك قابلة للنشر
والفرح ./ والحزن ..
ولكن من نوع آخر .. مختلف ربما حتى في
الصدور .
 
Comment

منتصر عبد الله

الهمس المهمل
عضو مميز
إنضم
7 يوليو 2025
المشاركات
1,769
مستوى التفاعل
669
مجموع اﻻوسمة
5
الديسبلين حقنة التدجين البشري ( مقالة)

هل شعرت يوماً أن جوعك ليس نابعًا من معدتك، بل من الساعة المعلقة على الحائط؟ هل لاحظت كيف يتحرك قلبك مع إشعارات الهاتف كما لو كانت نبضك الحقيقي؟
هذا ليس جوع للطعام بل جوع للمعنى ..
الساعة على الحائط لا تقيس الوقت ، إنها تقيس ما لم أعشه بعد .
كل دقيقة تمر أمامي ، تهمسني مازلت لم تصل ، فـ أجوع .
واشعارات الهاتف ليست أصواتًا ، إنها جُرعات صغيرة من الاعتراف
المؤقت بوجودي ، طنين يخبرني بأنني حاضر في مكان ما ،
حتى صار قلبي يربط بوميض الشاشة ، فصار الانتظار عادة ،
والترقب إدمانًا ، والهدوء شيء يُخيف .
لذا حين يهدأ الهاتف ، وحين تسكت الاشعارات ، وتبقى الساعة
وحدها تلوك الدقائق ، نشعر بشيءٍ يشبه الجوع .
مع الوقت، يتحول النظام إلى بروتوكول اجتماعي، إتيكيت حياة، علامة تهذيب. يصبح العالم كله خلية نحل دقيقة التنظيم: أدوار محددة، مسارات واضحة، وحركة جماعية لا تسمح بالتيه.

أنا لا أحبذ كلمة الانضباط ، ليس لأنني فوضوي ، بل لأن حياة الروتين لا تُناسبني ، تتموسد كقاعدة جامدة ،
الوقت فيه سلعة تُباع ، وأنا أريد أن أعيش دون أن أُدار ، أن أزيح ذلك القفص الذي يسجن لحظتي
المسمى بـ ( الالتزام ) ، أرفض تدجين روحي ، أن أكون جائعًا للحياة ، على أن أكون ممتلىء بالروتين وفارغ من المعنى .
الانضباط الذي أؤمن به يشبه نهرًا يعرف طريقه إلى البحر ، لا لأنه مجبر ، بل لأنه يفهم انحداره ،
يشبه شجرة تنمو مستقيمة ، لا لأن أحدًا قيدها ، بل لأن الضوء كان واضحًا أمامها ،
لذا أنا أريد حياة فسيحة ، قد تبدو غير مرتبة ، لكنها حية ، فالطاعة مجرد فقدان للذات ، وأنا لست آلة .
أنا لا أريد أن أكون دقيقًا لدرجة أن أفقد دهشتي ، ولا ملتزماً لدرجة أني أفقد اختياري ، ولا منظماً لدرجة
أني أفقد فوضاي الجميلة .
أحب أن أكون على سجيتي ، أن أضحك دون حساب ، أحزن دون مبرر ، وأختار دون خوف من التعليق ،
لكن الحرية كلمة تقال ولا تُعاش ، كُنت أُريد وخابت ارادتي ، وخاب ظني مرات .
نحن أبناء الروتين ، كل شيء فينا مُحدد ، مُنسق ، حتى شعورنا أصبح على شكل مربع صغير ،
يمكن وضعه في خانة قياسه ، مراقبته ، وحين يخرج عن الخط ... نرتبك .
نحن أبناء التدجين نسينا كيف يكون الصباح بلا موعد ، ونمشي كما يتوقع ، ونفكر كما يُطلب .
نحن سُجناء أقفاص من عادات ، من تقاليد ، برتوكولات .
نحن لا نُريد بل الواقع هو الذي يُريد ماذا نكون .

orig-(1).gif
 
Comment
أعلى