تواصل معنا

كانت الثلوج تتساقط بلا هوادة، كأن السماء تبكي رمادًا أبيض لا نهاية له. سيارة "لادا نيفا" القديمة، التي بدت وكأنها قطعة أثرية من زمن غابر، تشق طريقها بصعوبة...

يعرب

نجوم المنتدي
إنضم
18 يونيو 2022
المشاركات
131
مستوى التفاعل
33
الإقامة
Syria
العنوان: أنفاس باردة في أورال
كانت الثلوج تتساقط بلا هوادة، كأن السماء تبكي رمادًا أبيض لا نهاية له. سيارة "لادا نيفا" القديمة، التي بدت وكأنها قطعة أثرية من زمن غابر، تشق طريقها بصعوبة بالغة عبر المساحات الشاسعة والغابات الصنوبرية الكثيفة التي تلف جبال الأورال. خلف مقودها، كان دميتري يمسك به بقوة، عيناه مثبتتان على الطريق المتجمد بالكاد المرئي، بينما كانت أنفاسه البخارية تملأ المقصورة الضيقة. بجانبه، لينا، الخبيرة التقنية للمجموعة، كانت تحدق في شاشة حاسوبها المحمول، والذي كان يعرض خرائط قديمة ومبهمة، خطوطها باهتة كذاكرة محتضرة. في المقعد الخلفي، كان سيرجي، رجل العضلات والصمت، يمسح عدسة كاميرته الفوتوغرافية، جاهزًا لتصوير أي شيء قد يجدونه.

كانت وجهتهم قرية "كولودنيي ديهانييه" (الأنفاس الباردة)، مستوطنة سوفيتية مهجورة، ينسج حولها السكان المحليون قصصًا وهمسات عن اختفاءات غريبة وصمت لا يكسره سوى الريح العواء. كانت وثائق قديمة عثر عليها دميتري في أرشيفات موسكو تشير إلى أن القرية كانت موقعًا لتجربة سرية في حقبة الحرب الباردة، قبل أن يتم إخلاؤها بشكل مفاجئ وغامض في شتاء عام 1967. لم يتم ذكر السبب قط.

توقف دميتري فجأة. الطريق انتهى، أو بالأحرى، ابتلعته الثلوج المتراكمة. أمامهم، كانت تلوح في الأفق ظلال مبانٍ متداعية، هياكل خشبية وهياكل خرسانية مغطاة بطبقة سميكة من الجليد والثلوج. صمت مطبق خيم على المكان، صمت ثقيل يبتلع الأصوات، ويترك أثرًا من الرهبة في الهواء البارد.

الوطأة الأولى للصمت

"وصلنا"، قال دميتري بصوت خفيض، كأنه يخشى أن يكسر شيئًا هشًا في هذا المكان.
ترجلوا من السيارة. كان الهواء يلسع الوجوه كآلاف الإبر. كانت الأشجار المحيطة بالقرية مهيبة، أغصانها العارية تحمل ثقلاً من الثلج، تبدو كأذرع عملاقة متشابكة تحاول أن تخنق الأفق. لم يكن هناك أثر لأي حيوان، ولا حتى طائر. فقط الصمت ورياح خفيفة تحمل معها رائحة تراب مجمد وخشب متعفن.

بدأوا السير نحو أول مجموعة من الأكواخ. كانت النوافذ محطمة، الأبواب مخلوعة أو معلقة بمفصلات صدئة. دخلوا أحدها. كان كل شيء كما تركوه: طاولة خشبية عليها أطباق صدئة، سرير عليه فراش ممزق، لعبة أطفال مكسورة ملقاة في الزاوية. لكن كان هناك شيء غريب. على الجدران، وتحت طبقة رقيقة من الغبار، كانت هناك رسومات فحم غريبة، خطوط متعرجة، دوائر، وأشكال بشرية مشوهة تبدو وكأنها تصرخ.

"ما هذا؟" سألت لينا، صوتها يرتجف قليلاً.
"لا أعرف. تبدو كرموز بدائية، أو ربما مجرد خربشات شخص فقد عقله"، أجاب دميتري، وهو يلتقط دفترًا ممزقًا من على الأرض. كانت صفحاته فارغة تقريبًا، باستثناء بضع كلمات مكتوبة بخط مضطرب: "الصمت... يرى... الصمت... يسمع".

همسات الريح الباردة

مع حلول الليل، وجدوا ملجأً في مبنى أكبر، يبدو أنه كان مدرسة أو مركزًا مجتمعيًا. أشعلوا نارًا صغيرة في موقد متهدم، لكنها بالكاد كانت تكسر صقيع المكان. الثلوج كانت تتساقط بكثافة أكبر الآن، محاصرة إياهم داخل جدران المبنى المهجور.

"أجهزتنا لا تعمل جيدًا هنا"، قالت لينا، وهي تضرب جهاز الراديو الخاص بها. "لا إشارة، والبطاريات تستنزف بسرعة غريبة. وكأن هناك شيئًا يمتص الطاقة من كل شيء."
"ربما البرد الشديد"، حاول سيرجي أن يطمئنها، لكن صوته كان يفتقر إلى الاقتناع.
في تلك اللحظة، سمعوا صوتًا. كان أشبه بهسيس، أو أنفاس خافتة، قادمة من مكان ما في الطوابق العليا.
"هل سمعتم ذلك؟" سأل سيرجي، عيناه تتسع في الظلام.
"ربما الريح"، قال دميتري، لكنه كان يمسك بفأس صغير جلبه معه للدفاع عن النفس.
تكرر الصوت، هذه المرة أقرب، وكأنه ينساب عبر الجدران. لم يكن صوت رياح. كان أقرب إلى همسات غير مفهومة، وكأن أحدهم يتحدث بلغة قديمة، أو يهمس بأسرار لا يجب أن تُعرف.

أصوات من الماضي

قضوا ليلة مضطربة. في الصباح، كانت الثلوج قد غطت كل شيء، محولة القرية إلى عالم أبيض صامت. قرروا استكشاف المبنى الرئيسي، الذي كان يبدو كأنه مبنى إداري أو مختبر. كانت أبوابه الضخمة مفتوحة جزئيًا، تكشف عن دهاليز مظلمة.
كلما توغلوا في المبنى، زادت برودة الجو، وزادت الرطوبة. كانت هناك غرف مليئة بأجهزة صدئة، ومختبرات مهجورة، ومكاتب عليها أوراق متناثرة. في إحدى الغرف، عثروا على سجلات. كانت سجلات لموظفين وباحثين، لكنها كانت تنتهي بشكل مفاجئ في ديسمبر 1967.
"كانوا يعملون على شيء ما هنا"، قال دميتري، وهو يقلب الصفحات. "شيء يتعلق بالاستشعار عن بعد، وعلم النفس البشري. يبدو أنهم كانوا يحاولون استغلال الطاقة الكامنة في العقل البشري، أو شيء من هذا القبيل."

فجأة، انقطع تيار الهواء البارد الذي كان يتدفق من فتحة تهوية. تبع ذلك صوت نقر خفيف، كأن أحدهم يطرق على معدن.
"ما هذا؟" سألت لينا، وهي تشير إلى أحد الجدران. كان هناك باب فولاذي، مخفي خلف رفوف صدئة.
بعد جهد كبير، تمكنوا من فتح الباب. كشف عن درج حلزوني ينزل إلى ظلام دامس.
"هذا هو المكان الذي كانوا يخفون فيه كل شيء"، همس دميتري.

النزول إلى العمق

نزلوا الدرج بحذر، أضواء كشافاتهم ترقص على الجدران المبتلة. الرطوبة والبرودة كانتا خانقتين. في الأسفل، كانت هناك سلسلة من الأنفاق الضيقة التي تؤدي إلى غرف تحت الأرض.
كانت إحدى الغرف كبيرة، دائرية الشكل، وفي منتصفها منصة معدنية ضخمة. كانت الأسلاك تتدلى من السقف، وصناديق التحكم محطمة. لكن ما لفت انتباههم، كان الجدران. كانت مغطاة بالكامل بكتابات ورموز. لم تكن رسومات فحم هذه المرة، بل كانت محفورة بعمق في الحجر، وكأنها كتبت ببراثن يائسة. كانت هناك كلمات روسية، ولكنها كانت ممزوجة بلغة قديمة غريبة، لم يتعرف عليها دميتري.
"أيها الصامت... استمع... أيها الصامت... انصت..." قرأ دميتري بصوت خفيض.
"ما هذا؟" همست لينا، وهي تشعر ببرودة غريبة تتسرب إلى عظامها.
"تبدو كطقوس... أو مناشدات لشيء ما"، أجاب دميتري، وهو يشعر بقشعريرة تسري في عموده الفقري.

فجأة، انطفأت أضواء كشافاتهم. ظلام دامس ابتلعهم.
"ماذا حدث؟" صرخ سيرجي، صوته يرتد في الغرفة المظلمة.
"البطاريات!" صرخت لينا، وهي تحاول تشغيل كشافها الاحتياطي دون جدوى.
في الظلام، سمعوا الصوت مرة أخرى. هذه المرة، لم يكن همسًا. كان صوتًا عميقًا، كأنه قادم من أعماق الأرض، أو من داخل رؤوسهم. كان أشبه بتنهد طويل، أو زفير عملاق، يحمل معه برودة لا تطاق، ورائحة تراب وموت.
"إنها الأنفاس الباردة"، قال سيرجي بصوت مرعوب، وكأنه تذكر أسطورة قديمة.

الكيان الصامت

بدأ الجو يزداد برودة بشكل غير طبيعي. شعروا وكأن شيئًا غير مرئي يمر بجانبهم.
"أشعر بشيء... يلمسني"، همست لينا، صوتها يختنق بالرعب.
فجأة، سمعوا صرخة سيرجي. صرخة مكتومة، ثم صوت ارتطام قوي. ثم صمت.
"سيرجي!" صرخ دميتري، وهو يمد يده في الظلام. لكنه لم يجد شيئًا.
كانت لينا تبكي بصمت بجانبه.
"لقد أخذه!" قالت لينا، وهي ترتجف بشكل لا يمكن السيطرة عليه. "الكيان الصامت... إنه يرى ويسمع في الظلام."
حاول دميتري أن يجمع شتاته. أخرج ولاعة قديمة من جيبه، وأشعلها بصعوبة. الضوء الخافت كشف عن الغرفة الدائرية، لكن سيرجي لم يكن هناك. بقيت فقط بقعة داكنة على الأرض حيث سقط.

تسلل شعور باليأس إلى دميتري. كانوا محاصرين في هذا المكان، في الظلام، مع كيان غير مرئي يتغذى على الصمت والخوف. كانت الأنفاس الباردة تملأ الغرفة، كأنها تحاول أن تسحب أرواحهم.
بدأت لينا في الانهيار. كانت تتحدث بهذيان، تكرر كلمات غير مفهومة، عيناها تحدقان في الفراغ.
"إنه يريدنا أن نصمت... أن ن
 

فتنة العصر

أنثى تختصر النساء
مستشار الادارة
إنضم
6 يونيو 2025
المشاركات
174,059
مستوى التفاعل
11,004
العنوان: أنفاس باردة في أورال
عاشت الأيادي المبدعه
 
Comment

تدكر قول الله تعالى: { مَا يَلْفِظُ مِن قَوْلٍ إلا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ }

  • :)
  • ;)
  • :(
  • :mad:
  • :confused:
  • :cool:
  • :p
  • :D
  • :eek:
  • :oops:
  • :rolleyes:
  • o_O
  • :cautious:
  • :censored:
  • :cry:
  • :love:
  • :LOL:
  • :ROFLMAO:
  • :sick:
  • :sleep:
  • :sneaky:
  • (y)
  • (n)
  • :unsure:
  • :whistle:
  • :coffee:
  • :giggle:
  • :alien:
  • :devilish:
  • :geek:
  • :poop:
أعلى