بنت فلسطين
نجوم المنتدي
الهروب من موسكو: عملية "بيمليكو
كان صيف عام 1985، وشمس موسكو الحارقة تلقي بظلالها الطويلة على شوارع المدينة الواسعة، لكن الظلال الحقيقية كانت تتربص في أروقة الكرملين وداخل مبنى لوبيانكا، مقر الـ "كي جي بي" المرعب. أوليغ غوردييفسكي، ضابط المخابرات السوفيتية برتبة عقيد، كان يعيش كابوسًا مفتوح العينين. لقد كان لسنوات طويلة "مصدرًا" لا يقدر بثمن للمخابرات البريطانية MI6، يمدها بمعلومات استخباراتية حيوية من قلب الجهاز السوفيتي. لكن الآن، كانت الشبكة تضيق حوله.
بذور الشك والتمرد
لم يكن غوردييفسكي جاسوسًا تقليديًا يبيع وطنه للمال أو الشهرة. لقد كانت بدايته مع الـ "كي جي بي" مدفوعة بالإيمان بالمثل السوفيتية، لكن خدمته في الدنمارك خلال الستينيات، ثم غزو تشيكوسلوفاكيا عام 1968، هزت قناعاته بعمق. رأى عن كثب كيف كانت الدعاية السوفيتية تختلف تمامًا عن الواقع، وكيف كان النظام يمارس القمع باسم الشيوعية. بدأت بذور الشك تنمو في داخله، لتتحول ببطء إلى رغبة في التغيير، ولو من خلال الخيانة العظمى في نظر رفاقه.
في عام 1974، وبينما كان يعمل في كوبنهاغن، اتصل به عملاء من MI6. لم يكن اللقاء الأول سهلاً، فقد كان غوردييفسكي حذرًا، لكنهم أدركوا سريعًا أنهم أمام كنز استخباراتي. لم يطلب مالاً، بل كان دافعه الأيديولوجي واضحًا: أراد مساعدة الغرب في فهم نوايا الاتحاد السوفيتي، ومنع حرب نووية محتملة كان يخشى أن تندلع بسبب سوء الفهم المتبادل. وهكذا، وُلد "جاسوس بيكس"، الاسم الرمزي الذي أطلقه عليه البريطانيون.
داخل آلة التجسس السوفيتية
على مدى عقد من الزمان، ارتقى غوردييفسكي في صفوف الـ "كي جي بي". عاد إلى موسكو، ثم أُرسل إلى لندن كـ "مقيم" (رئيس محطة) للـ "كي جي بي" في السفارة السوفيتية. كان هذا منصبًا حساسًا ومهمًا للغاية، يمنحه وصولاً مباشرًا إلى أسرار الكرملين وخطط الـ "كي جي بي" في أوروبا. كل معلومة كان يمررها إلى MI6 كانت بمثابة ضربة موجعة للاتحاد السوفيتي، تكشف عن أسماء عملاء، عمليات سرية، وحتى نوايا الحرب الباردة. كان البريطانيون يطلقون عليه لقب "أهم مصدر بشري" لديهم.
كانت حياته في لندن عبارة عن لعبة مزدوجة دائمة. في النهار، كان يقود عمليات الـ "كي جي بي" ضد بريطانيا، وفي المساء، كان يلتقي في الخفاء بعملاء MI6 في أماكن سرية، يمرر لهم ميكروفيلمات ووثائق حساسة، ويشرح لهم تعقيدات العقلية السوفيتية. كانت المخاطرة هائلة، فمجرد اكتشاف صغير كان يعني الإعدام في موسكو.
العودة إلى موسكو: الفخ يضيق
في مايو 1985، تلقى غوردييفسكي أمرًا مفاجئًا بالعودة إلى موسكو "لترقية". كان هذا الأمر مثيرًا للريبة، حيث لم يكن قد أكمل فترة خدمته في لندن. أدرك هو وعملاؤه في MI6 أن شيئًا ما خطأ. هل تم كشفه؟ هل كان هذا فخًا؟ كانت المعلومات التي سربها عميل الـ CIA المزدوج، ألدريش أميس، عن وجود جاسوس رفيع المستوى داخل الـ "كي جي بي" يعمل لصالح الغرب، قد بدأت تلقي بظلالها على الجميع. كان غوردييفسكي أحد المشتبه بهم الرئيسيين.
بعد وصوله إلى موسكو، تم استدعاؤه إلى اجتماع في "منزل ريفي" للكي جي بي خارج المدينة. هناك، تم تخديره واستجوابه لساعات طويلة حول اتصالاته بالغرب. على الرغم من أنه لم يعترف بأي شيء، إلا أن نظرات رفاقه تغيرت، وأصبح تحت المراقبة اللصيقة. لقد كان أسيرًا في وطنه، ينتظر مصيره المحتوم. كان يعلم أن الوقت ينفد، وأن الإعدام وشيك.
"بيمليكو": خطة الهروب المستحيلة
لم تنتظر MI6 كثيرًا. لقد أدركوا أن عليهم إخراج غوردييفسكي من موسكو بأي ثمن. كانت العملية تُعرف بالاسم الرمزي "بيمليكو" (PIMLICO)، وكانت واحدة من أكثر خطط الإخلاء جرأة وتعقيدًا في تاريخ المخابرات. تم وضع خطة محكمة تعتمد على حافلة دبلوماسية بريطانية كانت ستعبر الحدود الفنلندية.
كانت التفاصيل دقيقة بشكل مرعب. في يوم 19 يوليو 1985، كان على غوردييفسكي أن يتبع مسارًا محددًا في موسكو، يتغير كل يوم، ليُظهر للمراقبين أنه يقوم بنزهة عادية. في يوم الإخلاء، كان عليه أن يرتدي قبعة معينة، ويحمل حقيبة من نوع خاص، ويقف عند نقطة محددة في شارع ضيق عند الساعة 2:30 ظهرًا. كانت هذه إشارات مرئية لعملاء MI6 المتخفين في سيارة دبلوماسية.
في اللحظة الحاسمة، كانت الحافلة الدبلوماسية ستتوقف بالقرب منه. كان السائقون عملاء لـ MI6، مدربين تدريباً عالياً. كانت الخطة تتضمن تفاصيل مثل تشغيل موسيقى معينة على راديو الحافلة، وتناول قطعة شوكولاتة معينة، كإشارات إضافية للتأكد من أنهم يتعاملون مع الشخص الصحيح. لكن الخطة لم تكن بهذا القدر من السهولة.
نصف ساعة من الجحيم
في يوم الإخلاء، 19 يوليو، كان غوردييفسكي يسير في الشارع المحدد، يرتدي قبعته ويحمل حقيبته. كانت أعصابه مشدودة إلى أقصى حد. شعر وكأن كل عابر سبيل هو عميل للـ "كي جي بي" يراقبه. وصلت السيارة الدبلوماسية البريطانية، وهي من نوع "فولكسفاغن باسات" ذات لون أخضر فاتح. كان بداخلها السفير البريطاني في فنلندا آنذاك، والسفير الثاني، وزوجتاهما، في رحلة "عادية" إلى الحدود.
توقفت السيارة. كان غوردييفسكي يرى الإشارات: السائق يأكل قطعة شوكولاتة "كيت كات"، والموسيقى الكلاسيكية الأيرلندية تصدح من الراديو. لكنه لم يستطع الاقتراب. كانت هناك سيارة مراقبة للـ "كي جي بي" متوقفة بالقرب منه، وعميلان يراقبان كل حركة. كان الوقت ينفد.
لحظات من الرعب المطلق. كان غوردييفسكي يعلم أن هذه قد تكون فرصته الوحيدة. فجأة، تحركت السيارة الدبلوماسية ببطء، وتوقفت مرة أخرى على بعد بضعة أمتار. في هذه اللحظة، اتخذ غوردييفسكي قراره. ركض بسرعة نحو السيارة، وفتح باب صندوق الأمتعة الخلفي، وقفز إلى الداخل. قام السفير الثاني بإغلاق الصندوق بسرعة. كل هذا حدث في أقل من 30 ثانية.
الرحلة إلى الحرية
كان غوردييفسكي محشورًا في صندوق السيارة، بالكاد يتنفس، مغطى ببطانية. كانت الرحلة طويلة ومضنية نحو الحدود الفنلندية. كانت هناك ثلاث نقاط تفتيش سوفيتية على الطريق، حيث كانت الكلاب البوليسية المدربة على كشف البشر والروائح تتفحص السيارات العابرة. في كل نقطة تفتيش، كان قلب غوردييفسكي يكاد يتوقف. لكن لحسن الحظ، وبفضل الحصانة الدبلوماسية، لم يتم تفتيش السيارة بدقة.
عند نقطة التفتيش الأخيرة، حدث ما لم يكن في الحسبان. بينما كانت السيارة تنتظر العبور، بدأت إحدى الكلاب البوليسية تنبح بجنون بالقرب من صندوق الأمتعة. كان عملاء الـ "كي جي بي" يقتربون. في تلك اللحظة، قامت زوجة السفير، التي كانت قد أُبلغت بخطة الطوارئ، بفتح علبة من رقائق البطاطس (البطاطا المقلية) ورميها بعيدًا عن السيارة. انشغل الكلب بالرقائق، ومرت السيارة. كانت تلك اللحظة الفاصلة بين الحياة والموت، بين الحرية والسجن المؤبد.
ما بعد الهروب
بعد عبور الحدود إلى فنلندا، تم نقل غوردييفسكي إلى النرويج، ومنها إلى طائرة عسكرية بريطانية نقلته إلى بريطانيا. لقد نجا. كانت عملية "بيمليكو" نجاحًا استخباراتيًا باهرًا لـ MI6.
في بريطانيا، عاش غوردييفسكي تحت حماية مشددة. كشف عن معلومات لا تقدر بثمن حول الـ "كي جي بي" وعملياته، مما أدى إلى طرد العديد من الجواسيس السوفيت من الدول الغربية. كما كشف عن أسماء عملاء مزدوجين آخرين، أبرزهم ألدريش أميس في الـ CIA، الذي كان وراء سقوطه هو نفسه.
تلقى الاتحاد السوفيتي خبر هروبه بصدمة وغضب عارم. أصدروا حكمًا غيابيًا بالإعدام عليه بتهمة الخيانة العظمى. أُجبرت زوجته وابنتاه على البقاء في موسكو، ولم يتمكن من رؤيتهن لعقود، في ثمن باهظ دفعه من أجل قناعاته. لم يُسمح لهن بالانضمام إليه في الغرب إلا بعد سنوات طويلة من المفاوضات والضغوط الدولية، وبعد انهيار الاتحاد السوفيتي.
تُعد قصة أوليغ غوردييفسكي وعملية "بيمليكو" واحدة من أروع قصص التجسس في الحرب الباردة، فهي لا تسلط الضوء فقط على براعة المخابرات البريطانية، بل تكشف أيضًا عن التضحيات الشخصية الهائلة التي يدفعها الأفراد في عالم الظلال، حيث تتداخل الولاءات وتُختبر المبادئ على حافة الهاوية. لقد تغيرت حياته إلى الأبد، لكنه كان يعتقد أنه ساعد في تغيير مسار التاريخ.
بذور الشك والتمرد
لم يكن غوردييفسكي جاسوسًا تقليديًا يبيع وطنه للمال أو الشهرة. لقد كانت بدايته مع الـ "كي جي بي" مدفوعة بالإيمان بالمثل السوفيتية، لكن خدمته في الدنمارك خلال الستينيات، ثم غزو تشيكوسلوفاكيا عام 1968، هزت قناعاته بعمق. رأى عن كثب كيف كانت الدعاية السوفيتية تختلف تمامًا عن الواقع، وكيف كان النظام يمارس القمع باسم الشيوعية. بدأت بذور الشك تنمو في داخله، لتتحول ببطء إلى رغبة في التغيير، ولو من خلال الخيانة العظمى في نظر رفاقه.
في عام 1974، وبينما كان يعمل في كوبنهاغن، اتصل به عملاء من MI6. لم يكن اللقاء الأول سهلاً، فقد كان غوردييفسكي حذرًا، لكنهم أدركوا سريعًا أنهم أمام كنز استخباراتي. لم يطلب مالاً، بل كان دافعه الأيديولوجي واضحًا: أراد مساعدة الغرب في فهم نوايا الاتحاد السوفيتي، ومنع حرب نووية محتملة كان يخشى أن تندلع بسبب سوء الفهم المتبادل. وهكذا، وُلد "جاسوس بيكس"، الاسم الرمزي الذي أطلقه عليه البريطانيون.
داخل آلة التجسس السوفيتية
على مدى عقد من الزمان، ارتقى غوردييفسكي في صفوف الـ "كي جي بي". عاد إلى موسكو، ثم أُرسل إلى لندن كـ "مقيم" (رئيس محطة) للـ "كي جي بي" في السفارة السوفيتية. كان هذا منصبًا حساسًا ومهمًا للغاية، يمنحه وصولاً مباشرًا إلى أسرار الكرملين وخطط الـ "كي جي بي" في أوروبا. كل معلومة كان يمررها إلى MI6 كانت بمثابة ضربة موجعة للاتحاد السوفيتي، تكشف عن أسماء عملاء، عمليات سرية، وحتى نوايا الحرب الباردة. كان البريطانيون يطلقون عليه لقب "أهم مصدر بشري" لديهم.
كانت حياته في لندن عبارة عن لعبة مزدوجة دائمة. في النهار، كان يقود عمليات الـ "كي جي بي" ضد بريطانيا، وفي المساء، كان يلتقي في الخفاء بعملاء MI6 في أماكن سرية، يمرر لهم ميكروفيلمات ووثائق حساسة، ويشرح لهم تعقيدات العقلية السوفيتية. كانت المخاطرة هائلة، فمجرد اكتشاف صغير كان يعني الإعدام في موسكو.
العودة إلى موسكو: الفخ يضيق
في مايو 1985، تلقى غوردييفسكي أمرًا مفاجئًا بالعودة إلى موسكو "لترقية". كان هذا الأمر مثيرًا للريبة، حيث لم يكن قد أكمل فترة خدمته في لندن. أدرك هو وعملاؤه في MI6 أن شيئًا ما خطأ. هل تم كشفه؟ هل كان هذا فخًا؟ كانت المعلومات التي سربها عميل الـ CIA المزدوج، ألدريش أميس، عن وجود جاسوس رفيع المستوى داخل الـ "كي جي بي" يعمل لصالح الغرب، قد بدأت تلقي بظلالها على الجميع. كان غوردييفسكي أحد المشتبه بهم الرئيسيين.
بعد وصوله إلى موسكو، تم استدعاؤه إلى اجتماع في "منزل ريفي" للكي جي بي خارج المدينة. هناك، تم تخديره واستجوابه لساعات طويلة حول اتصالاته بالغرب. على الرغم من أنه لم يعترف بأي شيء، إلا أن نظرات رفاقه تغيرت، وأصبح تحت المراقبة اللصيقة. لقد كان أسيرًا في وطنه، ينتظر مصيره المحتوم. كان يعلم أن الوقت ينفد، وأن الإعدام وشيك.
"بيمليكو": خطة الهروب المستحيلة
لم تنتظر MI6 كثيرًا. لقد أدركوا أن عليهم إخراج غوردييفسكي من موسكو بأي ثمن. كانت العملية تُعرف بالاسم الرمزي "بيمليكو" (PIMLICO)، وكانت واحدة من أكثر خطط الإخلاء جرأة وتعقيدًا في تاريخ المخابرات. تم وضع خطة محكمة تعتمد على حافلة دبلوماسية بريطانية كانت ستعبر الحدود الفنلندية.
كانت التفاصيل دقيقة بشكل مرعب. في يوم 19 يوليو 1985، كان على غوردييفسكي أن يتبع مسارًا محددًا في موسكو، يتغير كل يوم، ليُظهر للمراقبين أنه يقوم بنزهة عادية. في يوم الإخلاء، كان عليه أن يرتدي قبعة معينة، ويحمل حقيبة من نوع خاص، ويقف عند نقطة محددة في شارع ضيق عند الساعة 2:30 ظهرًا. كانت هذه إشارات مرئية لعملاء MI6 المتخفين في سيارة دبلوماسية.
في اللحظة الحاسمة، كانت الحافلة الدبلوماسية ستتوقف بالقرب منه. كان السائقون عملاء لـ MI6، مدربين تدريباً عالياً. كانت الخطة تتضمن تفاصيل مثل تشغيل موسيقى معينة على راديو الحافلة، وتناول قطعة شوكولاتة معينة، كإشارات إضافية للتأكد من أنهم يتعاملون مع الشخص الصحيح. لكن الخطة لم تكن بهذا القدر من السهولة.
نصف ساعة من الجحيم
في يوم الإخلاء، 19 يوليو، كان غوردييفسكي يسير في الشارع المحدد، يرتدي قبعته ويحمل حقيبته. كانت أعصابه مشدودة إلى أقصى حد. شعر وكأن كل عابر سبيل هو عميل للـ "كي جي بي" يراقبه. وصلت السيارة الدبلوماسية البريطانية، وهي من نوع "فولكسفاغن باسات" ذات لون أخضر فاتح. كان بداخلها السفير البريطاني في فنلندا آنذاك، والسفير الثاني، وزوجتاهما، في رحلة "عادية" إلى الحدود.
توقفت السيارة. كان غوردييفسكي يرى الإشارات: السائق يأكل قطعة شوكولاتة "كيت كات"، والموسيقى الكلاسيكية الأيرلندية تصدح من الراديو. لكنه لم يستطع الاقتراب. كانت هناك سيارة مراقبة للـ "كي جي بي" متوقفة بالقرب منه، وعميلان يراقبان كل حركة. كان الوقت ينفد.
لحظات من الرعب المطلق. كان غوردييفسكي يعلم أن هذه قد تكون فرصته الوحيدة. فجأة، تحركت السيارة الدبلوماسية ببطء، وتوقفت مرة أخرى على بعد بضعة أمتار. في هذه اللحظة، اتخذ غوردييفسكي قراره. ركض بسرعة نحو السيارة، وفتح باب صندوق الأمتعة الخلفي، وقفز إلى الداخل. قام السفير الثاني بإغلاق الصندوق بسرعة. كل هذا حدث في أقل من 30 ثانية.
الرحلة إلى الحرية
كان غوردييفسكي محشورًا في صندوق السيارة، بالكاد يتنفس، مغطى ببطانية. كانت الرحلة طويلة ومضنية نحو الحدود الفنلندية. كانت هناك ثلاث نقاط تفتيش سوفيتية على الطريق، حيث كانت الكلاب البوليسية المدربة على كشف البشر والروائح تتفحص السيارات العابرة. في كل نقطة تفتيش، كان قلب غوردييفسكي يكاد يتوقف. لكن لحسن الحظ، وبفضل الحصانة الدبلوماسية، لم يتم تفتيش السيارة بدقة.
عند نقطة التفتيش الأخيرة، حدث ما لم يكن في الحسبان. بينما كانت السيارة تنتظر العبور، بدأت إحدى الكلاب البوليسية تنبح بجنون بالقرب من صندوق الأمتعة. كان عملاء الـ "كي جي بي" يقتربون. في تلك اللحظة، قامت زوجة السفير، التي كانت قد أُبلغت بخطة الطوارئ، بفتح علبة من رقائق البطاطس (البطاطا المقلية) ورميها بعيدًا عن السيارة. انشغل الكلب بالرقائق، ومرت السيارة. كانت تلك اللحظة الفاصلة بين الحياة والموت، بين الحرية والسجن المؤبد.
ما بعد الهروب
بعد عبور الحدود إلى فنلندا، تم نقل غوردييفسكي إلى النرويج، ومنها إلى طائرة عسكرية بريطانية نقلته إلى بريطانيا. لقد نجا. كانت عملية "بيمليكو" نجاحًا استخباراتيًا باهرًا لـ MI6.
في بريطانيا، عاش غوردييفسكي تحت حماية مشددة. كشف عن معلومات لا تقدر بثمن حول الـ "كي جي بي" وعملياته، مما أدى إلى طرد العديد من الجواسيس السوفيت من الدول الغربية. كما كشف عن أسماء عملاء مزدوجين آخرين، أبرزهم ألدريش أميس في الـ CIA، الذي كان وراء سقوطه هو نفسه.
تلقى الاتحاد السوفيتي خبر هروبه بصدمة وغضب عارم. أصدروا حكمًا غيابيًا بالإعدام عليه بتهمة الخيانة العظمى. أُجبرت زوجته وابنتاه على البقاء في موسكو، ولم يتمكن من رؤيتهن لعقود، في ثمن باهظ دفعه من أجل قناعاته. لم يُسمح لهن بالانضمام إليه في الغرب إلا بعد سنوات طويلة من المفاوضات والضغوط الدولية، وبعد انهيار الاتحاد السوفيتي.
تُعد قصة أوليغ غوردييفسكي وعملية "بيمليكو" واحدة من أروع قصص التجسس في الحرب الباردة، فهي لا تسلط الضوء فقط على براعة المخابرات البريطانية، بل تكشف أيضًا عن التضحيات الشخصية الهائلة التي يدفعها الأفراد في عالم الظلال، حيث تتداخل الولاءات وتُختبر المبادئ على حافة الهاوية. لقد تغيرت حياته إلى الأبد، لكنه كان يعتقد أنه ساعد في تغيير مسار التاريخ.
اسم الموضوع : الهروب من موسكو: عملية "بيمليكو
|
المصدر : عالم الجاسوسيه و المخابرات