-
- إنضم
- 18 ديسمبر 2021
-
- المشاركات
- 34,385
-
- مستوى التفاعل
- 14,526
-
- الإقامة
- المملكة العربية السعودية
- مجموع اﻻوسمة
- 23
تربية الطفل في فكر ابن خلدون
تربية الطفل في فكر ابن خلدون
لقد أدرك ابن خلدون أن التربية التي تقوم على القهر قد تصنع الخوف لكنها لا تصنع الإبداع (غيتي إيميجز)
ليس أصعب على الإنسان من أن يحمل آثار طفولته معه؛ فالكلمة التي يسمعها الطفل، والطريقة التي يُعامل بها، والنظرة التي يراه بها من حوله، قد تصبح جزءا من صوته الداخلي لسنوات طويلة. فالطفولة ليست مرحلة عابرة تنتهي بانتهاء العمر الصغير، بل هي المرحلة التي تتشكل فيها ملامح الشخصية، ويُبنى فيها شعور الإنسان بقيمته وقدرته على مواجهة الحياة.
لهذا لم تكن تربية الطفل يوما مجرد تعليم أو تهذيب للسلوك، بل كانت ولا تزال سؤالا عن الإنسان نفسه: كيف نربي شخصا واثقا دون غرور، مطيعا دون خوف، مسؤولا دون أن نفقده حريته وقدرته على المبادرة؟
قبل أكثر من ستة قرون، طرح ابن خلدون في المقدمة رؤية عميقة لطبيعة التربية وأثرها في تكوين الشخصية.
وبينما ينشغل العالم اليوم بأبحاث علم النفس حول الثقة بالنفس والأمان النفسي للطفل، نجد أن ابن خلدون قد التفت مبكرا إلى أن طريقة معاملة الطفل لا تصنع سلوكه فقط، بل تصنع نظرته إلى نفسه وإلى العالم من حوله. لم يكن ابن خلدون مؤرخا يرصد أحداث الماضي فحسب، بل كان قارئا دقيقا لطبيعة الإنسان والمجتمع. فقد حاول أن يفهم كيف تتكون شخصية الفرد، وكيف تؤثر البيئة والعادات وأساليب التربية في سلوكه.
ولهذا احتلت التربية مكانة مهمة في رؤيته؛ لأنها بالنسبة إليه ليست مجرد نقل للمعرفة، وإنما مشاركة في بناء الإنسان. في المقدمة، لم ينظر ابن خلدون إلى الطفل باعتباره عقلا صغيرا يحتاج إلى الحفظ والتلقين فقط، بل باعتباره شخصية في طور التشكل، تتأثر بما يحيط بها من أساليب المعاملة. وقد أدرك أن العلاقة بين الطفل والمربي ليست علاقة أوامر وتنفيذ فقط، وإنما علاقة تترك آثارا عميقة في النفس.
ومن أكثر نصوصه دلالة على ذلك حديثه عن أثر القهر والعنف في التربية، إذ يقول: "ومن كان مرباه بالعسف والقهر من المتعلمين أو المماليك أو الخدم سطا به القهر، وضيق على النفس في انبساطها، وذهب بنشاطها، ودعاه إلى الكسل، وحمله على الكذب والخبث…"، هذه الكلمات تكشف فهما مبكرا لما يمكن أن نسميه اليوم "الأمان النفسي". فقد رأى ابن خلدون أن الطفل الذي يعيش تحت ضغط الخوف قد يتعلم الانصياع، لكنه لا يتعلم بالضرورة الثقة بالنفس.
فالخوف قد يدفع الإنسان إلى إخفاء أخطائه، بينما البيئة الآمنة تشجعه على الاعتراف بها والتعلم منها. إن الطفل الذي يخشى الخطأ طوال الوقت قد يصبح أسيرا لمحاولة إرضاء الآخرين، أما الطفل الذي يجد من يستمع إليه ويصحح له دون تحقير، فإنه يتعلم أن الخطأ ليس دليلا على العجز، بل خطوة في طريق النمو.
ولذلك فإن الفرق كبير بين التربية التي تبني إنسانا واعيا، والتربية التي تنتج شخصا لا يتحرك إلا تحت الرقابة. فالمقصود من التربية ليس صناعة طفل لا يخطئ، وإنما بناء إنسان قادر على التفكير وتحمل المسؤولية. ومن الأفكار التي تتصل برؤية ابن خلدون قوله: "الإنسان ابن عوائده ومألوفه، لا ابن طبيعته ومزاجه". فهو يشير إلى أن الإنسان يتشكل بما يعيشه ويعتاده، وأن البيئة المحيطة به تترك أثرا بالغا في شخصيته.
فالطفل الذي يسمع باستمرار عبارات تقلل من شأنه قد يحمل صورة سلبية عن نفسه، بينما الطفل الذي يجد التشجيع والاحترام يتعلم أن قدراته قابلة للنمو والتطور. وهنا تتقاطع رؤية ابن خلدون مع كثير من أفكار التربية الحديثة؛ فالثقة بالنفس لا تُزرع بكلمات المديح وحدها، وإنما تُبنى من خلال التجربة.
يحتاج الطفل إلى فرصة ليحاول، وأن يخطئ، وأن يعيد المحاولة، مع وجود من يوجهه ويحميه من الشعور بالعجز. كما أن ابن خلدون أكد أهمية التدرج في التعليم، لأن اكتساب المعرفة والمهارات لا يحدث دفعة واحدة.
فالضغط الزائد على الطفل، أو مطالبته بما يتجاوز قدرته، قد يحوله من محب للتعلم إلى شخص ينظر إليه باعتباره عبئا ومصدرا للخوف. وفي عصر أصبحت فيه المقارنات بين الأطفال أكثر حضورا، تبدو هذه الرؤية أكثر أهمية.
فالطفل ليس نسخة من غيره، ولا يمكن بناء ثقته من خلال مقارنته بإخوته أو زملائه، بل من خلال مساعدته على اكتشاف قدراته الخاصة. إن تعزيز الثقة بالنفس لا يعني أن نربي طفلا يرى نفسه أفضل من الآخرين، بل أن نربيه وهو يعرف أن له قيمة، وأن بإمكانه التعلم والتطور.
فالثقة الحقيقية لا تأتي من الإحساس بالكمال، بل من الإيمان بالقدرة على التحسن. لقد أدرك ابن خلدون أن التربية التي تقوم على القهر قد تصنع الخوف، لكنها لا تصنع الإبداع، وأن احترام الإنسان في بداياته هو الطريق إلى بناء شخصية متوازنة. وهذه الفكرة، رغم مرور قرون عليها، لا تزال تحمل رسالة مهمة للآباء والمربين: الطريقة التي نعامل بها الطفل اليوم قد تحدد الطريقة التي سيرى بها نفسه غدا.
إن العودة إلى ابن خلدون ليست بحثا عن إجابات جاهزة في كتاب قديم، بل هي محاولة لاستعادة سؤال إنساني دائم: كيف نبني إنسانا يثق بنفسه ويحترم غيره؟ وربما تكمن الإجابة في تلك الرؤية التي تركها لنا ابن خلدون: أن الإنسان لا يتشكل بما نقوله له فقط، بل بما نجعله يشعر به تجاه نفسه.
لقد أدرك ابن خلدون أن التربية التي تقوم على القهر قد تصنع الخوف لكنها لا تصنع الإبداع (غيتي إيميجز)
ليس أصعب على الإنسان من أن يحمل آثار طفولته معه؛ فالكلمة التي يسمعها الطفل، والطريقة التي يُعامل بها، والنظرة التي يراه بها من حوله، قد تصبح جزءا من صوته الداخلي لسنوات طويلة. فالطفولة ليست مرحلة عابرة تنتهي بانتهاء العمر الصغير، بل هي المرحلة التي تتشكل فيها ملامح الشخصية، ويُبنى فيها شعور الإنسان بقيمته وقدرته على مواجهة الحياة.
لهذا لم تكن تربية الطفل يوما مجرد تعليم أو تهذيب للسلوك، بل كانت ولا تزال سؤالا عن الإنسان نفسه: كيف نربي شخصا واثقا دون غرور، مطيعا دون خوف، مسؤولا دون أن نفقده حريته وقدرته على المبادرة؟
قبل أكثر من ستة قرون، طرح ابن خلدون في المقدمة رؤية عميقة لطبيعة التربية وأثرها في تكوين الشخصية.
وبينما ينشغل العالم اليوم بأبحاث علم النفس حول الثقة بالنفس والأمان النفسي للطفل، نجد أن ابن خلدون قد التفت مبكرا إلى أن طريقة معاملة الطفل لا تصنع سلوكه فقط، بل تصنع نظرته إلى نفسه وإلى العالم من حوله. لم يكن ابن خلدون مؤرخا يرصد أحداث الماضي فحسب، بل كان قارئا دقيقا لطبيعة الإنسان والمجتمع. فقد حاول أن يفهم كيف تتكون شخصية الفرد، وكيف تؤثر البيئة والعادات وأساليب التربية في سلوكه.
ولهذا احتلت التربية مكانة مهمة في رؤيته؛ لأنها بالنسبة إليه ليست مجرد نقل للمعرفة، وإنما مشاركة في بناء الإنسان. في المقدمة، لم ينظر ابن خلدون إلى الطفل باعتباره عقلا صغيرا يحتاج إلى الحفظ والتلقين فقط، بل باعتباره شخصية في طور التشكل، تتأثر بما يحيط بها من أساليب المعاملة. وقد أدرك أن العلاقة بين الطفل والمربي ليست علاقة أوامر وتنفيذ فقط، وإنما علاقة تترك آثارا عميقة في النفس.
ومن أكثر نصوصه دلالة على ذلك حديثه عن أثر القهر والعنف في التربية، إذ يقول: "ومن كان مرباه بالعسف والقهر من المتعلمين أو المماليك أو الخدم سطا به القهر، وضيق على النفس في انبساطها، وذهب بنشاطها، ودعاه إلى الكسل، وحمله على الكذب والخبث…"، هذه الكلمات تكشف فهما مبكرا لما يمكن أن نسميه اليوم "الأمان النفسي". فقد رأى ابن خلدون أن الطفل الذي يعيش تحت ضغط الخوف قد يتعلم الانصياع، لكنه لا يتعلم بالضرورة الثقة بالنفس.
فالخوف قد يدفع الإنسان إلى إخفاء أخطائه، بينما البيئة الآمنة تشجعه على الاعتراف بها والتعلم منها. إن الطفل الذي يخشى الخطأ طوال الوقت قد يصبح أسيرا لمحاولة إرضاء الآخرين، أما الطفل الذي يجد من يستمع إليه ويصحح له دون تحقير، فإنه يتعلم أن الخطأ ليس دليلا على العجز، بل خطوة في طريق النمو.
ولذلك فإن الفرق كبير بين التربية التي تبني إنسانا واعيا، والتربية التي تنتج شخصا لا يتحرك إلا تحت الرقابة. فالمقصود من التربية ليس صناعة طفل لا يخطئ، وإنما بناء إنسان قادر على التفكير وتحمل المسؤولية. ومن الأفكار التي تتصل برؤية ابن خلدون قوله: "الإنسان ابن عوائده ومألوفه، لا ابن طبيعته ومزاجه". فهو يشير إلى أن الإنسان يتشكل بما يعيشه ويعتاده، وأن البيئة المحيطة به تترك أثرا بالغا في شخصيته.
فالطفل الذي يسمع باستمرار عبارات تقلل من شأنه قد يحمل صورة سلبية عن نفسه، بينما الطفل الذي يجد التشجيع والاحترام يتعلم أن قدراته قابلة للنمو والتطور. وهنا تتقاطع رؤية ابن خلدون مع كثير من أفكار التربية الحديثة؛ فالثقة بالنفس لا تُزرع بكلمات المديح وحدها، وإنما تُبنى من خلال التجربة.
يحتاج الطفل إلى فرصة ليحاول، وأن يخطئ، وأن يعيد المحاولة، مع وجود من يوجهه ويحميه من الشعور بالعجز. كما أن ابن خلدون أكد أهمية التدرج في التعليم، لأن اكتساب المعرفة والمهارات لا يحدث دفعة واحدة.
فالضغط الزائد على الطفل، أو مطالبته بما يتجاوز قدرته، قد يحوله من محب للتعلم إلى شخص ينظر إليه باعتباره عبئا ومصدرا للخوف. وفي عصر أصبحت فيه المقارنات بين الأطفال أكثر حضورا، تبدو هذه الرؤية أكثر أهمية.
فالطفل ليس نسخة من غيره، ولا يمكن بناء ثقته من خلال مقارنته بإخوته أو زملائه، بل من خلال مساعدته على اكتشاف قدراته الخاصة. إن تعزيز الثقة بالنفس لا يعني أن نربي طفلا يرى نفسه أفضل من الآخرين، بل أن نربيه وهو يعرف أن له قيمة، وأن بإمكانه التعلم والتطور.
فالثقة الحقيقية لا تأتي من الإحساس بالكمال، بل من الإيمان بالقدرة على التحسن. لقد أدرك ابن خلدون أن التربية التي تقوم على القهر قد تصنع الخوف، لكنها لا تصنع الإبداع، وأن احترام الإنسان في بداياته هو الطريق إلى بناء شخصية متوازنة. وهذه الفكرة، رغم مرور قرون عليها، لا تزال تحمل رسالة مهمة للآباء والمربين: الطريقة التي نعامل بها الطفل اليوم قد تحدد الطريقة التي سيرى بها نفسه غدا.
إن العودة إلى ابن خلدون ليست بحثا عن إجابات جاهزة في كتاب قديم، بل هي محاولة لاستعادة سؤال إنساني دائم: كيف نبني إنسانا يثق بنفسه ويحترم غيره؟ وربما تكمن الإجابة في تلك الرؤية التي تركها لنا ابن خلدون: أن الإنسان لا يتشكل بما نقوله له فقط، بل بما نجعله يشعر به تجاه نفسه.
اسم الموضوع : تربية الطفل في فكر ابن خلدون
|
المصدر : الامومة و العناية بالطفل


