-
- إنضم
- 4 مايو 2025
-
- المشاركات
- 16,934
-
- مستوى التفاعل
- 1,759
- مجموع اﻻوسمة
- 6
حين يموت الضمير...
كان الضباب يملأ أرجاء المكان، كأنه جدارٌ وُضع أمام العيون.
كنتُ أمشي ولا أرى ما أمامي، فتعثّرت خطاي في صخرة ووقعتُ أرضًا، فأخذت رجلي تؤلمني.
لم يكن موجودًا هنا أحدٌ غيري، وعرفتُ وقتها أن لا مسعف لي سواي.
وقفتُ وواصلتُ المسير رغم ألم رجلي.
توقفتُ عند منزلٍ عتيق، جلستُ واتكأتُ على جداره، فأخذ الغبار يتطاير منه.
لم أتوقّع أنه هشٌّ إلى هذه الدرجة.
شيئًا فشيئًا بدأ الضباب يقلّ.
رأيتُ من بعيد امرأةً واقفة، تحمل صندوقًا بيدها، يبدو أنها تنتظر أحدًا ما.
وبعد مدة قليلة جاء رجلٌ كان يسير نحوها، وحين وصل إليها قال:
الأسعار مرتفعة هذه الأيام، ولن يكون الحصول على منحة علاجية بهذه السهولة
مدّت المرأة الصندوق إليه، وقالت:
هنا وضعتُ كل ما أملك. بعتُ كل شيء لأجل هذه المنحة، حتى منزلي.
ضحك الرجل بسخرية، ثم قال بطريقة مستفزّة، وهو يأخذ الصندوق منها:
ليس مبلغًا سيئًا، أستطيع أن أشتري به شقة مطلّة على البحر.
نظرت إليه المرأة بصدمة، وقالت:
ما الذي تهذي به؟ هذا المال من أجل المنحة العلاجية، وليس لشيء آخر.
قال ببرود:
قطعًا لا، هذا المال أصبح لي من الآن. فهمتِ؟
وحين همّ بالذهاب، أمسكت المرأة بيده، وقالت:
انتظر، كيف تفعل بي هذا ؟ أيُّ قلبٍ تملك انت ؟
دفع يدها قائلًا:
لا تجعلني افجر غضبي عليك صدقيني لم ترى وجه ثاني بعد
صُدمتُ، واجتاحني حزنٌ شديد.
كنتُ أودّ الذهاب إليهما، تقدّمتُ بخطواتي، لكن شيئًا ما منعني من مواصلة المسير.
نظرتُ فإذا بسلاسل تقيّد قدميّ.
من الذي كبّلني؟ ومتى؟
لا أملك تفسيرًا.
حينها عرفتُ أن الشيء الوحيد الذي أستطيع فعله هو البكاء.
قال الرجل للمرأة وهو يبتعد:
ابتعدي عن طريقي، ولا أريد أن أرى وجهك مرة أخرى.
تركها في حالة صدمة، لم يكن هناك ما يحكي وجعها غير الدموع.
تعثّر فجأة أحدهم بقدميّ ووقع أرضًا، وسقطت معه الأغراض التي كان يحملها.
كان شابًا يبدو في الثلاثينيات من عمره.
نظر إليّ، فصرختُ بحزن، والدموع تملأ وجنتيّ:
أترى تلك المرأة؟ سرق رجل أموالها التي كانت تريدها للعلاج.
قال:
أنا لا أرى جيدًا، الصورة عندي مشوّشة، لأن نظارتي سقطت مني توًّا حين وقعت.
جمع أغراضه، وكانت بطاقته بجانبي.
أخذتها وقرأتُها بصوتٍ مسموع:
ناشط في حزب…
قال مرتبكًا:
وجدتها، هذه بطاقتي. هل يمكنك أن تناوليها لي؟
ناولته البطاقة، ورحل.
نظرتُ بجانبي، فإذا بنظّارته ملقاة على الأرض.
وضعتها على عينيّ، فكانت الصدمة: لم تكن نظارة طبية، بل للزينة فقط.
ابتسمتُ بعدها بحزن.
بعد برهة لاحظتُ ضوءًا يأتي من بعيد، كان خافتًا، ويزداد اقترابه شيئًا فشيئًا.
كان وهجه يجذبني، فبدأتُ أتجه نحوه دون أن أشعر.
كلما اقتربتُ، ازداد قوّة.
بدأ يتشكّل أمامي خيالٌ من بعيد، حتى وصلتُ إليه وأُصبتُ بصدمة.
قال لي:
— ماذا؟ لم تتوقّعي أن يصدر هذا الضوء من عجوزٍ مثلي؟
هززتُ رأسي نافية.
سألته :
ولماذا اعتقدت بي ذلك؟
توقفت عن الكلام واخذت انظر إلى يده المليئة بالتجاعيد، وإبهامه المعقوف من كثرة ما أمسك بالقلم.
كان يجلس إلى طاولة ويكتب في كتابٍ عتيق، كثيرة صفحاته.
قلتُ متسائلة:
عن ماذا تكتب؟
أجابني:
عن الضباب الذي طغى في المكان، وصراخ المدمّى للآذان، وعلى انهيار البلدان ، وعن الشعوب التي تُسلب دماؤهم بطغيان … أكتب عن قضية الإنسان.
ثم قال:
ألم تلاحظي أنك وصلتِ إلى هنا رغم القيد الذي يحاصر قدميك؟
نظرتُ إلى القيود بصدمة، وقلت:
كيف وصلتُ وأنا عاجزة عن السير؟
ابتسم وقال:
أُصبتِ بالعجز حين ظننتِ أن القيود تسجنك. وحين تغيّرت نظرتك للحياة، تجاوب الجسد معك.
وأشار إلى الكرسي:
اجلسي هنا، ابنتي.
أعطاني ورقةً بيضاء وقال:
الناس يرونها ورقة، لكن الكاتب يراها مرآة للحياة. ماذا ترين فيها؟
قلت:
أرى وطني المنهار، شعبي البائس المحتار، وأمة تُسلب والضمائر نائمة.
ابتسم وقال:
رائع. هذه مرآة ذهن الكاتب.
خذي من يدي، فقد سلب الكبَر قواي. أريد أن أرتاح قليلًا، فقد قضيتُ عمري كله وأنا أكتب، حتى انحنى الزمان على ظهري."
،
ثم مدّ إليّ القلم
كنت أود أخذ القلم منه، لكنه أرجعه إليه ثانية وقسمه نصفين.
وضَع نصف القلم في كف الميزان فنزل، قال: هذا لك، ثم وضع النصف الآخر في الكف الثانية فارتفعت كفي، قال: وهذا للوطن وللناس كافة.
نظرت له بصدمه
فقال:
هذا ليس اي ميزان هذا ميزان الحياة.
ووضع أمامي صندوقًا مليئًا بالأقلام والمحابر، وقال:
هذا ما بقي من الأدباء.
كان يهم بالرحيل فأوقفه سؤالي
حين قلت: ولكن مهاراتي الكتابيه متواضعه
اجابها دون يلتفت:
ليس عيبًا أن تستضيف لاجئًا في خيمة مهترئة، بل العيب على من يملك قصرًا ولا يفعل.
..... عاشقة الكتابة
التعديل الأخير بواسطة المشرف:
اسم الموضوع : حين يموت الضمير...
|
المصدر : قصص من ابداع الاعضاء
