عن ذكاء الإلتفاف وخوف الإنتماء .مقالة...

حين كتبت عن الديسبلين بوصفه شكلًا من أشكال التدجين الناعم، كنتُ أفكر في الجسد وهو يتعلم الطاعة دون أن يُكسَر، وفي العادة وهي تتحول إلى طبيعة، وفي الإيقاع وهو يستبدل القسر بالإقناع. لكن شيئًا ما ظلّ ناقصًا في هذا التأمل. فكل نظام، مهما بلغ من إحكام، لا يعيش بالبُنى وحدها، بل بالبشر الذين يجيدون العيش داخله دون ضجيج.
لهذا أعود اليوم، لا لأفتح موضوعًا جديدًا، بل لأكمل اعترافًا مؤجَّلًا: لا يكتمل التدجين دون الكمبرادور. لا بوصفه طبقة محددة أو مهنة أو تاريخًا قديمًا، بل بوصفه سلوكًا إنسانيًا يتكرر كلما أصبح العالم أكثر تعقيدًا، وكلما صارت السلامة أندر من المعنى.
قبل أن أكتب عنهم، أجدني — كشخصية لا تدّعي البراءة — مضطرة لأن أتوقف عند نفسي. لأن تأمل الآخرين دون شكّ في ذواتنا لا ينتج معرفة، بل راحة أخلاقية زائفة. وما سأقوله هنا ليس إدانة، بل محاولة فهم: كيف نتحول، خطوة خطوة، من ذوات تفكر، إلى ذوات تكيّف.
تعلمت من التجربة أن الإنسان لا يُكشف في لحظات القوة، بل في لحظات التردد. هناك، بين ما نؤمن به وما نفعله، تتكوّن حياة كاملة من التسويات الصغيرة. في تلك المساحة الرمادية، لا يكون الشر صاخبًا، ولا الخير واضحًا، بل يظهر الكمبرادور: ذلك الذي لا يسقط ولا يصعد، بل يتعلّم كيف يبقى معلقًا.
الكمبرادور لا يقف في الواجهة، ولا يرفع راية. هو الهمس الناعم بين الخارج والداخل. الوسيط الذي يروّج لما يأتي من الخارج لا لأنه أفضل، بل لأنه أقوى. لا يعادي المحلي، لكنه يشكك في كفايته. لا يحتقر الوطن، لكنه يراه مشروعًا غير مكتمل، يحتاج دائمًا إلى تصديق من الخارج.
أراه اليوم في الاقتصاد، حين تصبح “الماركة العالمية” حجة كافية لإلغاء السؤال. حقيبة، ثوب، أسلوب حياة، تُستهلك لا لأنها أجود، بل لأنها “من هناك”. وكأن الجودة لا تُقاس إلا بمسافة السفر. في هذه اللحظة بالذات، يعمل الكمبرادور دون أن يُسمّى، ودون أن يُدان، لأنه لا يفرض شيئًا، بل يقنعك أن الاختيار بديهي.
وحين جاءت لحظة المقاطعة، لم تُحاصر هذه الطبقة بقرار سياسي فقط، بل بانكشاف داخلي. فجأة وجدت نفسها بلا لغة مريحة، بلا منتجات جاهزة تبرّر وجودها. ففعلت ما تجيده دائمًا: تحوصَلَت. غيّرت خطابها، لا موقعها. أعادت صياغة الولاء بلغة جديدة، أقل مباشرة، أكثر نعومة.
لكن أخطر ما في الكمبرادور، في رأيي، ليس الاقتصادي، بل الثقافي. هنا يصبح التدجين أعمق، لأنه لا يمر عبر الجيب، بل عبر الوعي. أراقب، كامرأة تقرأ وتستمع، كيف تنسل بعض المسلسلات المعربة — التركية مثلًا — إلى عقولنا. لا كحكايات فقط، بل كنموذج حياة، كتصوّر للعلاقات، للمرأة، للسلطة، للحب، وللنجاة.
لا أحد يجبرنا على المشاهدة. وهذا ما يجعل الأمر مقلقًا. فهي لا تفرض معتقدًا، لكنها تجعله مألوفًا. لا تقول: هذا هو الصواب، بل تكرره حتى يبدو طبيعيًا. كأفعى بجلد ناعم، لا تلدغ، بل تلتف. وهنا أسأل نفسي بصدق: أليس هذا شكلًا من أشكال الكمبرادورية الثقافية؟ ترويج لمنتج خارجي، حتى يصبح هو المرجع، بينما يُترك فكرنا المحلي — بكل كتّابه وأسئلته — في الهامش.
الأمر لا يتعلق برفض الآخر، بل بسؤال الثقة. لماذا يبدو فكرنا دائمًا “غير مضمون”؟ لماذا نحتاج وسيطًا خارجيًا ليمنح أفكارنا شرعية؟ هل لأن ما نملكه لا يتوافق مع الديسبلين السائد؟ أم لأن التدجين علّمنا أن الشك في الذات فضيلة؟
ومن هنا نصل إلى أخطر مستويات الكمبرادور: الكمبرادور اللغوي. ذاك الذي لا يروّج لمنتج فقط، بل لوعي كامل. ألاحظ كيف تُقحم الكلمات الأجنبية في الحديث لا لأنها أدق، بل لأنها أرفع منزلة. كيف تتحول اللغة إلى زينة، لا أداة تفكير.
وكأن الفكرة لا تصبح محترمة إلا إذا نُطقت بلهجة أخرى.
أنا لا أخاف على اللغة بوصفها مفردات، بل أخاف على علاقتنا بها. حين لا نثق بلغتنا، نفقد الثقة بأفكارنا.
وحين نخلط اللغات بدافع التموضع لا بدافع المعنى، نكون قد دخلنا منطقة التبعية دون أن نشعر. هنا، يعمل الكمبرادور اللغوي: لا يمنعك من الكلام، لكنه يحدّد لك ما يبدو “مقبولًا”.
وهكذا، يلتقي الديسبلين بالكمبرادور. الأول يدرّب الجسد على الإيقاع، والثاني يدرّب الوعي على الالتفاف. الأول يصنع الطاعة، والثاني يصنع التبرير. وكلاهما لا يحتاج إلى عنف، لأن العقل نفسه يتولى المهمة.
ما يثير قلقي ليس وجودهم، بل قدرتهم على التسرّب. فهم لا يعيشون خارجنا، بل في خياراتنا الصغيرة، في تفضيلاتنا اليومية، في اللغة التي نختارها دون أن نفكر. وحين أسأل نفسي بصدق، أجد أن السؤال الحقيقي ليس..
لماذا ظهر الكمبرادور؟ بل: كم مرة اخترنا نحن السلامة بدل الصدق، والانسجام بدل الموقف؟
أكتب هذا لا لأدين، بل لأتذكر. لأن أخطر ما في هذا النمط الإنساني أنه لا يبدو شريرًا، بل يبدو ذكيًا. ومع ذلك، أعرف — من تجربتي كشخصية تحاول أن تفهم قبل أن تحكم — أن الذكاء الذي لا يسنده معنى، ينتهي دائمًا إلى فراغ أنيق.
وهنا، أترك السؤال مفتوحًا، لا كخاتمة، بل كاختبار شخصي: هل ما نفعله اليوم اختيار حر؟
أم أننا تعلّمنا التدجين جيدًا… حتى ونحن نعتقد أننا نفكر؟
بقلم الجوري ....
اسم الموضوع : عن ذكاء الإلتفاف وخوف الإنتماء .مقالة...
|
المصدر : المواضيع المميزة
