تواصل معنا

حين كتبت عن الديسبلين بوصفه شكلًا من أشكال التدجين الناعم، كنتُ أفكر في الجسد وهو يتعلم الطاعة دون أن يُكسَر، وفي العادة وهي تتحول إلى طبيعة، وفي الإيقاع...

الجوري

الjo .هسيس بين يقظة وغيم. مسؤولة الأقسام الأدبية
مستشار الادارة
إنضم
23 فبراير 2023
المشاركات
72,068
مستوى التفاعل
27,131
الإقامة
فلسطين .القدس
مجموع اﻻوسمة
32
عن ذكاء الإلتفاف وخوف الإنتماء .مقالة...

Picsart_26-01-25_12-26-30-374.jpg


حين كتبت عن الديسبلين بوصفه شكلًا من أشكال التدجين الناعم، كنتُ أفكر في الجسد وهو يتعلم الطاعة دون أن يُكسَر، وفي العادة وهي تتحول إلى طبيعة، وفي الإيقاع وهو يستبدل القسر بالإقناع. لكن شيئًا ما ظلّ ناقصًا في هذا التأمل. فكل نظام، مهما بلغ من إحكام، لا يعيش بالبُنى وحدها، بل بالبشر الذين يجيدون العيش داخله دون ضجيج.
لهذا أعود اليوم، لا لأفتح موضوعًا جديدًا، بل لأكمل اعترافًا مؤجَّلًا: لا يكتمل التدجين دون الكمبرادور. لا بوصفه طبقة محددة أو مهنة أو تاريخًا قديمًا، بل بوصفه سلوكًا إنسانيًا يتكرر كلما أصبح العالم أكثر تعقيدًا، وكلما صارت السلامة أندر من المعنى.
قبل أن أكتب عنهم، أجدني — كشخصية لا تدّعي البراءة — مضطرة لأن أتوقف عند نفسي. لأن تأمل الآخرين دون شكّ في ذواتنا لا ينتج معرفة، بل راحة أخلاقية زائفة. وما سأقوله هنا ليس إدانة، بل محاولة فهم: كيف نتحول، خطوة خطوة، من ذوات تفكر، إلى ذوات تكيّف.
تعلمت من التجربة أن الإنسان لا يُكشف في لحظات القوة، بل في لحظات التردد. هناك، بين ما نؤمن به وما نفعله، تتكوّن حياة كاملة من التسويات الصغيرة. في تلك المساحة الرمادية، لا يكون الشر صاخبًا، ولا الخير واضحًا، بل يظهر الكمبرادور: ذلك الذي لا يسقط ولا يصعد، بل يتعلّم كيف يبقى معلقًا.
الكمبرادور لا يقف في الواجهة، ولا يرفع راية. هو الهمس الناعم بين الخارج والداخل. الوسيط الذي يروّج لما يأتي من الخارج لا لأنه أفضل، بل لأنه أقوى. لا يعادي المحلي، لكنه يشكك في كفايته. لا يحتقر الوطن، لكنه يراه مشروعًا غير مكتمل، يحتاج دائمًا إلى تصديق من الخارج.
أراه اليوم في الاقتصاد، حين تصبح “الماركة العالمية” حجة كافية لإلغاء السؤال. حقيبة، ثوب، أسلوب حياة، تُستهلك لا لأنها أجود، بل لأنها “من هناك”. وكأن الجودة لا تُقاس إلا بمسافة السفر. في هذه اللحظة بالذات، يعمل الكمبرادور دون أن يُسمّى، ودون أن يُدان، لأنه لا يفرض شيئًا، بل يقنعك أن الاختيار بديهي.
وحين جاءت لحظة المقاطعة، لم تُحاصر هذه الطبقة بقرار سياسي فقط، بل بانكشاف داخلي. فجأة وجدت نفسها بلا لغة مريحة، بلا منتجات جاهزة تبرّر وجودها. ففعلت ما تجيده دائمًا: تحوصَلَت. غيّرت خطابها، لا موقعها. أعادت صياغة الولاء بلغة جديدة، أقل مباشرة، أكثر نعومة.
لكن أخطر ما في الكمبرادور، في رأيي، ليس الاقتصادي، بل الثقافي. هنا يصبح التدجين أعمق، لأنه لا يمر عبر الجيب، بل عبر الوعي. أراقب، كامرأة تقرأ وتستمع، كيف تنسل بعض المسلسلات المعربة — التركية مثلًا — إلى عقولنا. لا كحكايات فقط، بل كنموذج حياة، كتصوّر للعلاقات، للمرأة، للسلطة، للحب، وللنجاة.
لا أحد يجبرنا على المشاهدة. وهذا ما يجعل الأمر مقلقًا. فهي لا تفرض معتقدًا، لكنها تجعله مألوفًا. لا تقول: هذا هو الصواب، بل تكرره حتى يبدو طبيعيًا. كأفعى بجلد ناعم، لا تلدغ، بل تلتف. وهنا أسأل نفسي بصدق: أليس هذا شكلًا من أشكال الكمبرادورية الثقافية؟ ترويج لمنتج خارجي، حتى يصبح هو المرجع، بينما يُترك فكرنا المحلي — بكل كتّابه وأسئلته — في الهامش.
الأمر لا يتعلق برفض الآخر، بل بسؤال الثقة. لماذا يبدو فكرنا دائمًا “غير مضمون”؟ لماذا نحتاج وسيطًا خارجيًا ليمنح أفكارنا شرعية؟ هل لأن ما نملكه لا يتوافق مع الديسبلين السائد؟ أم لأن التدجين علّمنا أن الشك في الذات فضيلة؟
ومن هنا نصل إلى أخطر مستويات الكمبرادور: الكمبرادور اللغوي. ذاك الذي لا يروّج لمنتج فقط، بل لوعي كامل. ألاحظ كيف تُقحم الكلمات الأجنبية في الحديث لا لأنها أدق، بل لأنها أرفع منزلة. كيف تتحول اللغة إلى زينة، لا أداة تفكير.
وكأن الفكرة لا تصبح محترمة إلا إذا نُطقت بلهجة أخرى.
أنا لا أخاف على اللغة بوصفها مفردات، بل أخاف على علاقتنا بها. حين لا نثق بلغتنا، نفقد الثقة بأفكارنا.
وحين نخلط اللغات بدافع التموضع لا بدافع المعنى، نكون قد دخلنا منطقة التبعية دون أن نشعر. هنا، يعمل الكمبرادور اللغوي: لا يمنعك من الكلام، لكنه يحدّد لك ما يبدو “مقبولًا”.
وهكذا، يلتقي الديسبلين بالكمبرادور. الأول يدرّب الجسد على الإيقاع، والثاني يدرّب الوعي على الالتفاف. الأول يصنع الطاعة، والثاني يصنع التبرير. وكلاهما لا يحتاج إلى عنف، لأن العقل نفسه يتولى المهمة.

ما يثير قلقي ليس وجودهم، بل قدرتهم على التسرّب. فهم لا يعيشون خارجنا، بل في خياراتنا الصغيرة، في تفضيلاتنا اليومية، في اللغة التي نختارها دون أن نفكر. وحين أسأل نفسي بصدق، أجد أن السؤال الحقيقي ليس..
لماذا ظهر الكمبرادور؟ بل: كم مرة اخترنا نحن السلامة بدل الصدق، والانسجام بدل الموقف؟
أكتب هذا لا لأدين، بل لأتذكر. لأن أخطر ما في هذا النمط الإنساني أنه لا يبدو شريرًا، بل يبدو ذكيًا. ومع ذلك، أعرف — من تجربتي كشخصية تحاول أن تفهم قبل أن تحكم — أن الذكاء الذي لا يسنده معنى، ينتهي دائمًا إلى فراغ أنيق.
وهنا، أترك السؤال مفتوحًا، لا كخاتمة، بل كاختبار شخصي: هل ما نفعله اليوم اختيار حر؟
أم أننا تعلّمنا التدجين جيدًا… حتى ونحن نعتقد أننا نفكر؟


بقلم الجوري ....
 

تراتيل حرف

مشرفة الخواطر والاصدقاء كافيه
الاشراف
إنضم
5 يونيو 2022
المشاركات
14,739
مستوى التفاعل
22,682
مجموع اﻻوسمة
9
عن ذكاء الإلتفاف وخوف الإنتماء .مقالة...
قرأت مقالك بتمعن،
ووجدت بين سطورك ما يُعيد النظر
في علاقتنا بالاختيار والوعي،
وبما نسميه “حرية”
في زمن التدجين الناعم.
لقد كان جمال نصك في أنَّه لا يكتفي بملاحظة الآخرين،
بل يبدأ دائمًا بالنظر إلى الداخل،
إلى مساحة التردد بين ما نؤمن به وما نفعل. هناك، حيث تتشكل التسويات الصغيرة،
يظهر الكمبرادور فينا قبل أن يظهر خارجنا،
ليس بوصفه عدوًّا،
بل بوصفه انعكاسًا لطبيعة بشرية
تتعلّم البقاء في الإيقاع دون ضجيج،
التكيّف دون مواجهة،
والانسجام دون موقف.
ما يثير الإعجاب كذلك هو وعيك بأن التدجين والكمبرادورية
لا يحتاجان للعنف المباشر،
بل للذكاء الذي يستثمر اختيارنا للسلامة بدل الصدق،
للراحة بدل الحزم،
وللطاعة المريحة بدل الشك في الذات.
هنا تتكشف الأخطر:
القدرة على التسلل إلى خياراتنا اليومية،
إلى اللغة التي نختارها،
إلى الصور التي نستهلكها،
إلى الأفكار التي نتصادق عليها بصمت،
وكأن العقل نفسه يُقنعنا بأن كل هذا طبيعي، بل بديهي.
قراءتك للكمبرادور الثقافي واللغوي
تفتح أفقًا مهمًا:
ليس المهم فقط ما نستهلك من الخارج،
بل كيف يجعلنا هذا الاستهلاك
نشك في قدراتنا الداخلية،
ونعيد تصديق شرعية ما يأتي من الخارج
على حساب ما نملكه من معرفة ووعي محلي. وهنا يصبح التدجين أعمق
لأنه يمر عبر وعينا،
وليس جيوبنا فقط،
ويصبح اختبارنا الحقيقي ليس في مقاومة الغش أو الظلم المباشر،
بل في قدرتنا على التمييز بين ما نختاره عن اقتناع،
وما يُقنعنا به العالم أننا نختاره.
أجد في نصك مرآة صادقة لكل منا:
هل ما نفعله اليوم اختيار حر؟ أم أننا،
بحذر وذكاء،
تعلمنا التكيف مع ما يفرضه الخارج،
حتى ونحن نظن أننا نفكر؟
قراءة صادقة كهذه تجعل القارئ يتوقف
عند نفسه،
ويعيد النظر في كل خطوة صغيرة يظن أنها عفوية،
ويذكره بأن أصعب وأهم مقاومة ليست
في مواجهة الآخرين،
بل في مواجهة الذات والوعي الصادق.

عزيزتي الجوري
شكرًا لك على هذه القراءة العميقة والصادقة، وعلى مشاركتك لنا هذا التأمل الناضج،
الذي يحثنا على النظر داخل أنفسنا
قبل النظر حولنا،
ويجعلنا نعيد تقييم اختياراتنا اليومية
بنفَس أعمق وأكثر وعيًا.🌹

كل سطر من مقالك حكمة،
وفي كل فكرة دعوة للتأمل،
نص يليق بالوقوف عنده طويلاً.
ختم جلالة نبض
 
Comment

هدوء

💎مستشار اداري
نائب المدير العام
إنضم
24 مارس 2022
المشاركات
53,400
مستوى التفاعل
37,957
مجموع اﻻوسمة
22
عن ذكاء الإلتفاف وخوف الإنتماء .مقالة...
؛
حروف ومقال وكلمات رسمتيها
بالأوان المطر
كلما انحنى قوس الاشتهاء
حد الإرتواء ..
ليصعد لبارق السماء ..
تنتفض الأشياء من حولنا
تدب فيها الحياة ..
لاتصل لشيء .. /
لا تقول شيء ../
لا تفعل شيء../
نهرب من القدر ونتعثر بالأقدار .


مقال في غاية الجمال ..
 
Comment

ندى الورد

ســيـــدة الـقـــصــر
المدير العام
إنضم
17 مايو 2021
المشاركات
132,582
مستوى التفاعل
101,399
الإقامة
المدينة المنورة
مجموع اﻻوسمة
36
عن ذكاء الإلتفاف وخوف الإنتماء .مقالة...
قبل قرراءتي للمقالة تنقل للمميز
ونقرراء لكاتبنا الجميلة
 
Comment

العقاب

مشرف الأقسام الأدبية
الاشراف
إنضم
20 نوفمبر 2025
المشاركات
10,436
مستوى التفاعل
2,604
مجموع اﻻوسمة
4
عن ذكاء الإلتفاف وخوف الإنتماء .مقالة...
..

..

عادةً ما نأتي لـ "الجوري" لـ نستنشق "العطر" .. و نمتع الناظرين

..

لكننا اليوم .. أمام "وردة" مختلفة

..

وردة لا تكتفي بـ "الجمال" .. بل تملك من "الوعي" ما يدمي أصابع الغفلة

..

..

لقد أخذتِنا في نزهة "عقلية" شاقة .. و مرعبة

..

فـ مصطلح "الكمبرادور" الذي كان حبيس الاقتصاد

..

جعلتِ منه "مرآة" نرى فيها تشوهاتنا اليومية

..

نعم يا صديقتي ..

..

نحن نمارس "الخيانة" الناعمة لـ ذواتنا ..


في كل مرة نفضل فيها "المستورد" لـ نشعر بـ القيمة

..

وفي كل مرة .. نحشر كلمة "أعجمية" في حلوقنا .. لـ نبدو أكثر تحضراً

..

لقد وصفتِ الحالة بـ دقة "السم" الذي يسري في العسل

..

إنه ليس ذكاءً .. بل هو "جبن"



أنيق .. و هروب ماكر من مواجهةِ الذات

..

..

عزيزتي "جوري" ..

..

نصكِ هذا .. يشبه "عطركِ" تماماً

..

نفاذ .. قوي .. و يبقى في الذاكرة طويلاً بعد المغادرة

..

فـ شكراً لـ أنكِ لم تمارسي علينا "التدجين" بـ الكلماتِ المنمقة

..

بل أيقظتِ فينا "الشك" .. بـ وخزةٍ من شوكِ الحقيقة

..

فـ ما أجمل الوعي .. حين يفوح من بين بتلاتِ "الورد"

..

سلمت يمينكِ ..


وسلم "فكركِ" الذي لا يهادن

..

..


🌹
 
Comment

A.M.A.H

مشرف اقسام الشعر
الاشراف
إنضم
10 أغسطس 2021
المشاركات
10,280
مستوى التفاعل
1,624
مجموع اﻻوسمة
5
عن ذكاء الإلتفاف وخوف الإنتماء .مقالة...
ما تصفينه ليس خيانة، بل تحوّل في معنى البقاء.
في الأزمنة القديمة، كان الإنسان يبقى بالقوة أو بالإيمان.
أما اليوم، فيبقى بـ القدرة على التكيّف مع ما لا يؤمن به.


وهنا يولد الكمبرادور الجديد:
ليس من يبيع الوطن،
بل من يعلّم نفسه كيف يعيش دون أن يسأل:


لماذا هذا العالم هو العالم الممكن الوحيد؟

الكمبرادور في طرحكِ ليس شخصية، بل وضعية وجودية: أن تكون بين شيئين:


  • لا تصدّق الداخل بما يكفي لتدافع عنه
  • ولا تنتمي للخارج بما يكفي لتكونه
    فتختار المنطقة الرمادية بوصفها وطنًا مؤقتًا.

وهذا أخطر من الانحياز، لأن الانحياز موقف،
أما الرماديّة فهي تعليق للضمير باسم العقلانية.



حين ربطتِ بين الديسبلين والكمبرادور، أصبتِ نقطة فلسفية دقيقة جدًا:
الديسبلين يخلق جسدًا مطيعًا،
والكمبرادور يخلق عقلًا مبرِّرًا.


أي أن الطاعة لم تعد تُفرض من فوق،
بل تُصنَع من الداخل عبر ثلاث طبقات:


العادة: حين يصبح غير المفكَّر فيه هو الطبيعي
الذوق: حين يصبح الخارجي هو الجميل تلقائيًا
اللغة: حين يصبح الآخر هو المعبّر الأفضل عن ذاتك

وهنا نصل إلى لبّ سؤالكِ:
هل ما نفعله اختيار حر؟


فلسفيًا:
الاختيار لا يكون حرًا إذا:


كانت معاييره مستوردة
وخياراته محدودة سلفًا
ومخاطره غير متكافئة

نحن لا نختار بين أفكار،
نختار بين أنماط نجاة.


وهذا ما يجعل الكمبرادور ذكيًا لا شريرًا: هو لا يقول: هذا صحيح
بل يقول: هذا أأمن


ولا يقول: هذا أجمل
بل يقول: هذا معترف به


ولا يقول: هذا أعمق
بل يقول: هذا ناجح عالميًا


والإنسان، حين يُرهَق وجوديًا،
يستبدل سؤال المعنى بسؤال السلامة.



أما تحليلك للدراما المعربة، فهو شديد العمق: أنتِ لم تنتقدي المحتوى، بل آلية التطبيع الوجداني.


الفكرة لا تُزرع كفكرة،
بل كـ:


قصة
علاقة
صورة حياة
نمط حب
شكل نجاة

وهكذا لا نقول: هذا صحيح
بل نقول: هذا مألوف


والفلسفة تعرف أن:


أخطر الأفكار ليست التي تُقنعك،
بل التي لا تحتاج أن تُقنعك.

حين يصبح المرجع خارجيًا،
لا لأننا نرفض ذواتنا،
بل لأننا لم نتعلّم كيف نثق بها.


وهذا يقودنا لسؤالكِ الأعمق: لماذا يبدو فكرنا غير مضمون؟


لأن الديسبلين الثقافي علّمنا أن:


الإنتاج = الغرب
التنظيم = الخارج
النجاح = الاعتراف الدولي

فصرنا نعيش في مفارقة وجودية: نعيش بلغتنا
لكن نفكّر بمعايير غيرنا
ونقيس أنفسنا بمرايا لا تعكسنا


وهنا يولد الكمبرادور اللغوي: ليس من يتكلم لغة أخرى،
بل من يُهين لغته حين يفكّر.


حين تصبح اللغة زينة،
تفقد وظيفتها الوجودية: أن تكون بيت الفكرة.


وإذا هُدم البيت،
سكنت الفكرة في فندق مؤقت.


أعمق ما في نصكِ أنكِ لم تقولي: هم يفعلون
بل قلتِ: نحن نفعل


وهنا يتحوّل النقد من خطاب سياسي إلى قلق أخلاقي: كم مرة اخترنا الانسجام بدل الصدق؟


هذا سؤال وجودي لا اجتماعي.


سارتر يقول:
الإنسان محكوم عليه بالحرية
لكننا نضيف اليوم: ومدرَّب على الهروب منها


الهروب لا يكون بالصمت،
بل بالتكيّف الذكي.


والكمبرادور هو: الإنسان الذي لا يريد أن يكون ضحية
ولا يريد أن يكون مقاومًا
فيختار أن يكون وسيطًا بين نفسه ونظام لا يؤمن به.



نصكِ لا ينتهي بسؤال،
بل يكشف مأزقًا:


نحن لا نُدجَّن بالقوة
بل بالراحة
ولا نُستعمَر بالجنود
بل بالمعايير
ولا نُقمع بالأوامر
بل بالذوق


ولهذا سؤالكِ الأخير ليس بلاغيًا:


هل نفكر؟ أم نتقن التدجين؟

والجواب الفلسفي المؤلم: نحن نفكر… داخل حدود التدجين.


مثل سمكة تفكر في شكل البحر
لا في معنى البحر.


نصكِ ليس إدانة،
بل مرآة قاسية ناعمة في آن.


وأخطر ما فيه أنه لا يترك للقارئ:


عدوًا واضحًا
ولا خلاصًا جاهزًا

بل يتركه مع نفسه: مع خياراته الصغيرة
ومشترياته
وكلماته
وتفضيلاته
ومسلسلاته
ومخارج لغته


وهذا هو الفعل الفلسفي الحقيقي: أن تُربك الطمأنينة
لا أن تصنع موقفًا


أن تزعزع الطبيعي
لا أن ترفع شعارًا


أن تسأل: هل ما أفعله لأنني أريده؟ أم لأن هذا هو الشكل المقبول للنجاة؟


ردّي عليكِ ليس خاتمة، بل امتداد لسؤالكِ:


ربما الحرية اليوم
لم تعد أن تختار ضد النظام
بل أن تنتبه أنك اخترت معه


وربما المقاومة
لم تعد في الرفض
بل في استعادة حق الشك


وربما أخطر كمبرادور
ليس من يروّج للآخر
بل من يقنع نفسه أن لا بديل عن هذا العالم
إلا بقدر ما يسمح به هذا العالم.


نصكِ جريء لأنه لا يمنح القارئ عزاءً
بل يمنحه مسؤولية.


وهذا، فلسفيًا،
أعلى درجات الكتابة.
 
Comment

المواضيع المتشابهة

أعلى