في يوم من الأيام، دخل النبي ﷺ على أم المؤمنين زينب بنت جحش رضي الله عنها دخولًا لم تعهده من قبل. لم يكن وجهه مطمئنًا كما اعتادت، بل بدا عليه أثر انزعاج...
في يوم من الأيام، دخل النبي ﷺ على أم المؤمنين زينب بنت جحش رضي الله عنها دخولًا لم تعهده من قبل. لم يكن وجهه مطمئنًا كما اعتادت، بل بدا عليه أثر انزعاج عظيم، وكأن أمرًا جسيمًا أطلّ على الأفق. جلس وهو يردد كلمات تقطر إنذارًا: «لا إله إلا الله، ويلٌ للعرب من شرٍّ قد اقترب». ثم أشار بيده إشارة دقيقة، يضم إصبعيه ليبيّن صغر الفتحة، وقال إن حاجزًا عظيمًا قد فُتح منه قدر يسير.
ارتجف قلب زينب رضي الله عنها، وسألته بقلق الصادقين: أيمكن أن يصيبنا الهلاك وفي الناس أهل صلاح؟ فجاء الجواب الذي صار قاعدة من قواعد الاجتماع البشري وسنن التاريخ: «نعم، إذا كثُر الخبث». لم يكن الحديث عن لحظة عابرة، بل عن مبدأ ممتد عبر العصور: إذا استشرى الفساد وتغلغل في البنية الأخلاقية للأمة، فإن وجود الصالحين وحده لا يكفي لرفع البلاء العام ما لم يتحول صلاحهم إلى قوة إصلاح.
كان هذا التحذير متصلًا بقضية ذكرها القرآن في سورة الكهف، حيث وردت قصة أمتين عظيمتين في العدد عُرفتا باسم يأجوج ومأجوج. وقد تناول شأنهما كبار المفسرين مثل ابن كثير والطبري والقرطبي، وأكدوا أنهم بشر من ذرية آدم، لا كما يتخيل بعض الناس من صور أسطورية أو أوصاف لا سند لها. حقيقتهم أنهم أمم عظيمة العدد، موصوفة بالإفساد حين يُمكَّنون، لا يُعرف عنهم في النصوص الصحيحة إلا كثرتهم وشدة بطشهم إذا خرجوا.
أما أصل حكايتهم فيعود إلى رحلة الملك الصالح ذو القرنين، الذي بلغ منطقة بين جبلين، فوجد قومًا يشتكون من اعتداءات يأجوج ومأجوج، وطلبوا منه إقامة حاجز يحول دون تسلطهم. لم يسعَ ذو القرنين إلى مغنم أو جزاء دنيوي، بل اعتبر ما أُعطيه من تمكين نعمة من الله، وطلب تعاون القوم بالقوة والعمل. شُيّد السد بقطع الحديد الضخمة، أُضرمت عليها النار حتى صارت كالجمر، ثم أُفرغ عليها النحاس المذاب فصار بناءً محكمًا، لا يُرتقى ولا يُثقب. ولما أتمّه قال: هذا رحمة من ربي، مقرًّا بأن الحفظ والمنع بيد الله لا بيد البشر.
بقي السد قائمًا قرونًا طويلة، إلى أن أُوحي إلى النبي ﷺ أن فيه فتحة يسيرة قد حدثت. الفتحة في ذاتها صغيرة، لكن دلالتها عميقة: لا شيء في الدنيا دائم، وما أُقيم بقدرة الله يبقى بأمره، فإذا شاء جعله يضعف تمهيدًا لمرحلة أخرى من التاريخ.
وقد بيّن النبي ﷺ أن خروج يأجوج ومأجوج لا يقع إلا في سياق أحداث جسام في آخر الزمان؛ بعد فتنة المسيح الدجال، وبعد نزول عيسى بن مريم عليه السلام وقتله للدجال. عندها يُخبر الله عيسى أن عبادًا سيخرجون لا طاقة لأحد بقتالهم، فيعتصم المؤمنون بالجبال، ويُتركون هم في الأرض يعيثون فيها فسادًا.
تصف الأحاديث خروجهم كالسيل المنهمر، ينتشرون انتشارًا هائلًا، حتى تمر طلائعهم ببحيرة فيشربون ماءها، فإذا وصل آخرهم لم يجدوا فيها شيئًا. صورة ترمز إلى الكثرة الطاغية والقوة الجارفة التي لا تُدفع بوسائل البشر المعتادة. يضيق الأمر بالمؤمنين، ويشتد البلاء، فلا ملجأ إلا الدعاء والرجوع إلى الله. وعند اكتمال المشهد، يهلكهم الله بآفة صغيرة لا تُرى بالعين المجردة، فيموتون دفعة واحدة، ليعلم الناس أن الجبروت مهما عظم فإن نهايته بأمر الله، لا بقوة بشرية.
غير أن جوهر الحديث لا يقف عند تفاصيل الغيب، بل يتجاوزها إلى رسالة أخلاقية واجتماعية واضحة. قول النبي ﷺ: «إذا كثر الخبث» ليس وصفًا لمستقبل بعيد فحسب، بل تحذيرًا دائمًا من تراكم الفساد في النفوس والأنظمة والعلاقات. الخبث ليس حدثًا مفاجئًا؛ إنه يبدأ صغيرًا ثم يتكاثر إذا سكت الناس عنه، حتى يصير ظاهرة عامة تجلب آثارها على الجميع.
من هنا نفهم أن التحذير «ويلٌ للعرب من شرٍّ قد اقترب» ليس خطاب خوف، بل خطاب يقظة. إن السنن الإلهية لا تحابي أمةً دون أمة، ولا تعصم مجتمعًا لمجرد وجود أفراد صالحين فيه. النجاة مرتبطة بقدرة المجتمع على مقاومة الانحراف، وإقامة العدل، وكبح الظلم، ومنع الفساد من التحول إلى ثقافة سائدة.
إن هذه القصة ليست مادة للجدل النظري، بل دعوة عملية: أصلح نفسك، وكن عنصر بناء لا هدم، ولا تستهِن بخطيئة صغيرة إذا كانت تسهم في موجة عامة من الانحراف. فالتاريخ يعلمنا أن الانهيارات الكبرى تبدأ بتنازلات صغيرة متكررة.
روى الصحابي الجليل أبو هريرة رضي الله عنه أن النبي ﷺ قال:
«ما بين النفختين أربعون».
فسأله الناس: أربعون يوماً؟ قال: أبيتُ.
قالوا: أربعون شهراً؟ قال: أبيتُ.
قالوا: أربعون سنة؟ قال: أبيتُ.
ثم بيَّن ﷺ ما يكون بعد ذلك فقال: «ثم ينزل الله من السماء ماءً فينبتون كما ينبت البقل، ليس من الإنسان شيء إلا يبلى إلا عظماً واحداً وهو عجب الذنب، ومنه يُركَّب الخلق يوم القيامة».
والحديث مروي في صحيح البخاري وصحيح مسلم.
هذه الكلمات القليلة تفتح أمام القلب باباً على مشهد لا يشبه أي مشهد عرفته البشرية. إنها ليست قصة رمزية، ولا تصويراً أدبياً، بل خبر صادق عن المرحلة الفاصلة بين نهاية الدنيا وبداية الآخرة.
النفخة الأولى… نفخة الصعق.
عندها ينتهي كل شيء كما نعرفه. تتوقف القلوب، تسقط الأجساد، يخفت الضوء، وتدخل الخليقة في صمت مطبق لم تعرفه من قبل. الأرض التي كانت تضج بالحياة، بالمدن الصاخبة، بالمطارات والأسواق والطرقات، تتحول إلى صفحة ساكنة. لا حركة، لا همس، لا أنين. كأن الكون أُطفئ دفعة واحدة.
الإنسان الذي كان قبل لحظات يناقش ويجادل ويخطط ويبني، يصبح جسداً هامداً. يتحلل البدن تدريجياً، وتعود عناصره إلى التراب. العضلات، الجلد، الشعر، الملامح التي تميز كل شخص عن غيره… كلها تذوب في دورة الفناء.
لكن في عمق هذا الفناء، يبقى شيء واحد.
عظم صغير للغاية، في أسفل العمود الفقري، سماه النبي ﷺ “عجب الذنب”. عظم لا يكاد يُذكر في حسابات البشر، لكنه محفوظ بأمر الله. منه كان الابتداء، ومنه سيكون الإعادة. في ذلك إشارة عميقة: الذي أوجد أول مرة من العدم، لا يعجزه أن يعيد من بقايا دقيقة محفوظة بعلمه.
تمضي “الأربعون”.
لا نعرف حقيقتها. لم يُحدد النبي ﷺ أهي أيام أم شهور أم سنون. وكأن الغموض مقصود ليبقى الزمن هنا خارج مقاييسنا. تمر مدة يعلمها الله وحده، والكون في سكون كامل.
ثم يصدر الأمر الإلهي.
ينزل ماء من السماء. ليس مطراً عادياً كأمطار الدنيا، بل ماء يحمل سر الإحياء. يتسرب في الأرض كما يتسرب المطر في تربة جافة. وفجأة يبدأ ما لا يخطر ببال. كما تنشق الأرض عن نبات أخضر بعد جدب طويل، تبدأ الأجساد في التشكل من جديد.
ينمو الهيكل العظمي أولاً، ثم يُكسى لحماً، ثم تتكامل الصورة. مليارات الأجساد تتكون في باطن الأرض في صمت رهيب. لا معامل، لا أدوات، لا جهود بشرية. قدرة خالصة، وأمر نافذ. كل جسد يعود مطابقاً لما كان عليه، لا يختلط بغيره، ولا تضيع ذرة منه.
ثم تأتي النفخة الثانية.
في لحظة واحدة، تعود الأرواح إلى أجسادها. لا تخطئ روح طريقها، ولا تتأخر. يدخل كل روح إلى جسدها الذي خُلقت له. يتحول السكون إلى حركة، والموت إلى حياة، والتراب إلى بشر قائمين.
تنشق الأرض عن أهلها.
من مات على فراشه، من غرق في البحر، من احترق، من تفرقت ذراته في أرجاء الأرض… الكل يقوم. لا يعجز الله مكان، ولا تخفى عليه ذرة.
يخرج الناس مذهولين. ينظر أحدهم حوله فلا يرى العالم الذي ألفه. لا مدن، لا بيوت، لا حدود بين دول، لا معالم مألوفة. أرض جديدة، وسماء مختلفة. بداية مرحلة لا تشبه شيئاً مما عرفه البشر.
يقوم الخلق حفاة عراة غرلاً كما وُلدوا أول مرة. كل ما كان يميز الإنسان في الدنيا من منصب أو مال أو شهرة أو نفوذ، تلاشى. لا شيء بقي إلا العمل. السجل الذي كُتب بدقة، والنوايا التي كانت في الصدور.
تُبدل الأرض إلى بساط واحد واسع، مستوٍ لا ارتفاع فيه ولا انخفاض. يقف البشر جميعاً في ساحة واحدة. الشمس تدنو، والعرق يجري، والانتظار يطول. كل إنسان مشغول بنفسه، يفكر في مصيره، في كلماته التي قالها، في أفعاله التي ظن أنها نُسيت.
تُعرض الصحف.
يُقال للعبد: اقرأ كتابك.
فيجد أمامه تفاصيل حياته كما هي. نظرة، كلمة، سر، خطوة، إحسان، إساءة. لا زيادة ولا نقصان. عندها فقط يدرك الإنسان أن كل لحظة عاشها كانت محفوظة.
هذه المشاهد ليست للتخويف المجرد، بل للإيقاظ. الحياة الدنيا مهما طالت قصيرة، والجسد مهما قوي إلى فناء. ما نؤجله اليوم سيواجهنا غداً. وما نستهين به قد يكون ثقيلاً في الميزان.
إن الحديث عن “ما بين النفختين” ليس حديثاً عن زمن بعيد فحسب، بل عن يقين يجب أن يصحب الإنسان في يومه وليلته. أن يعيش وهو يعلم أن الحساب حق، وأن يعمل وهو يدرك أن كل صغيرة وكبيرة مكتوبة.
تأمل نفسك وأنت تقرأ هذه الكلمات. تخيل لحظة خروجك من قبرك، ووقوفك بين يدي ربك، وسؤالك عن عمرك فيما قضيته، وعن علمك ماذا عملت به، وعن مالك من أين اكتسبته وفيما أنفقته. تخيل أن كل دقيقة تعيشها الآن قد تكون فاصلة في مصيرك الأبدي.
المطلوب ليس خوفاً يشلّ الحركة، بل وعي يوجّهها. أن تحاسب نفسك قبل أن تُحاسب، وأن تبادر بالتوبة قبل أن يُغلق الباب، وأن تكثر من العمل الصالح قبل أن يأتي يوم لا ينفع فيه الندم.
إن هذه القصة تذكير عظيم بمشهد البعث، وبحقيقة لا مفر منها. فلا تجعلها تمر مروراً عابراً. انشرها في صفحتك، وذكّر بها أهلك وأصدقاءك. لعل كلمة توقظ قلباً غافلاً، أو تدفع إنساناً إلى توبة صادقة، أو تعيد ترتيب أولويات حياة.
الدال على الخير كفاعله، ومن كان سبباً في تذكير غيره كان له من الأجر مثل أجر من انتفع. فلعل نشر هذه الكلمات يكون لك نوراً يوم تقف في ذلك الموقف العظيم بين النفختين وما بعدهما.
يروي الصحابي الجليل أبو أمامة الباهلي رضي الله عنه أنه سمع النبي ﷺ يقول:
«اقرؤوا القرآن فإنه يأتي يوم القيامة شفيعاً لأصحابه…».
حديث رواه صحيح مسلم، لكنه في معناه أوسع من كلمات تُحفظ؛ إنه يفتح نافذة على مشهد من أعظم مشاهد الآخرة.
تخيل يوم القيامة، حين تنكشف الحقائق، وتظهر الأعمال، ويقف الناس ينتظرون الفصل بينهم. في ذلك الموقف العصيب، حيث يتمنى الإنسان حسنةً واحدة تزيد في ميزانه، يأتي شيء كان بين يديك كل يوم… كتاب كنت تفتحه أو تهجره، تقرؤه أو تؤجله. إنه القرآن.
لا يأتي صفحاتٍ جامدة، بل يأتي شفيعًا. يقف بجانب صاحبه الذي كان يتلوه، يعمل بأوامره، ويجتنب نواهيه. يدافع عنه، ويطلب له الرحمة، ويشهد له بالقيام بحقه. يا لها من منزلة! كتاب كنت تردده بلسانك في الدنيا، يتحول في الآخرة إلى نصير بين يدي ربك.
ثم يخص النبي ﷺ بالذكر سورتين عظيمتين: البقرة وآل عمران. سماهما “الزهراوين”، أي المضيئتين. هاتان السورتان اللتان قد تبدوان طويلتين في أعين البعض، تأتيان يوم القيامة كأنهما غمامتان تظللان صاحبهما، أو كأنهما سربان من طير مصطفة، تحومان حوله وتجادلان عنه. مشهد رمزي عظيم يدل على الحماية والرفعة والدفاع.
سورة البقرة تحديدًا لها شأن خاص. أخبر ﷺ أن أخذها بركة، وتركها حسرة، وأن “البطلة” لا يستطيعونها، أي أن أهل السحر والباطل يعجزون أمام نورها. من عاش مع هذه السورة قراءةً وتدبرًا وعملاً، وجد أثرها في بيته، في نفسه، في طمأنينته، في حفظ الله له.
وفي حديث آخر في صحيح مسلم، يُؤتى بالقرآن وأهله الذين كانوا يعملون به، تتقدمه البقرة وآل عمران، تحاجّان عن صاحبهما. ليس المقصود مجرد التلاوة اللفظية، بل الصحبة الحقيقية: فهمٌ، وتدبر، وامتثال.
ويأتي التكريم الأعظم في الحديث الذي رواه عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما، أن النبي ﷺ قال: «يقال لصاحب القرآن: اقرأ وارتق ورتل كما كنت ترتل في الدنيا، فإن منزلتك عند آخر آية تقرؤها» رواه سنن أبي داود وجامع الترمذي.
تأمل هذا النداء: اقرأ وارتق. كل آية درجة. كل تلاوة رفعة. كأن رحلة الصعود في الجنة امتداد لرحلة التلاوة في الدنيا.
ولم يقتصر الفضل على القارئ فحسب، بل شمل المعلِّم أيضًا. قال ﷺ فيما رواه عثمان بن عفان رضي الله عنه في صحيح البخاري: «خيركم من تعلم القرآن وعلمه». معيار الخيرية هنا واضح: اتصال دائم بكلام الله تعلّمًا وتعليمًا.
بل حتى من يجد مشقة في القراءة لم يُحرم الفضل. ففي الحديث المتفق عليه عن عائشة بنت أبي بكر رضي الله عنها، أن الماهر بالقرآن مع السفرة الكرام البررة، والذي يقرأه ويتتعتع فيه وهو عليه شاق، له أجران. رسالة رحمة: لا تدع صعوبة النطق أو ضعف الحفظ يحرمك الأجر، فالمجاهدة نفسها عبادة.
هذه النصوص مجتمعة ترسم لنا صورة واضحة: القرآن ليس كتاب تبرك يُحفظ على الرفوف، ولا كلمات تُتلى في المناسبات فقط، بل هو رفيق طريق. من جعله صاحبه في الدنيا، كان له صاحبًا في الآخرة.
اسأل نفسك بصدق: ما مقدار علاقتي بالقرآن؟ هل هو ورد يومي ثابت، أم ضيف عابر في رمضان؟ هل أتدبر معانيه، أم أكتفي بترديد حروفه؟ هل علمته لأولادي وأهلي، أم انشغلت عن ذلك بأمور أقل شأنًا؟
اجعل لك نصيبًا ثابتًا، ولو صفحة في اليوم، لكن بثبات. افتح المصحف بقلب حاضر، اقرأ بتمهل، توقف عند آية تؤثر فيك، حاول أن تطبق أمرًا، أو تترك نهيًا. هكذا تتحول التلاوة إلى حياة.
علّم أبناءك سورة قصيرة، شجّع صديقًا على ورد يومي، أهدِ مصحفًا، شارك تفسير آية نافعة. كل خطوة تقرّبك من أن تكون من “أهل القرآن”، الذين وصفهم النبي ﷺ بأنهم أهل الله وخاصته.
نسأل الله أن يجعل القرآن ربيع قلوبنا، ونور صدورنا، وجلاء همومنا، وأن يجعله حجة لنا لا علينا، وشفيعًا لنا يوم نلقاه.
يروي أبو هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أخبر عن رجل كان يسير في طريق طويل تحت شمس حارقة حتى اشتد به العطش وأحس أن روحه تكاد تخرج من شدة الظمأ وبينما هو كذلك لمح بئرا في فلاة لا ظل فيها ولا ماء غيره فنزل إليها وتعلق بجدرانها حتى بلغ ماءها فشرب شربا طويلا حتى ارتوت عروقه وسكنت جوارحه ثم صعد من البئر وقد عاد إليه بعض قوته
وما إن ابتعد قليلا حتى وقعت عيناه على كلب يطوف حول البئر يلهث لهاثا شديدا وقد أخرج لسانه من شدة العطش وأخذ يلحس التراب الرطب لعله يجد فيه بقايا ماء تبل حلقه اليابس فوقف الرجل ينظر إلى ذلك المشهد فتحرك قلبه وتذكر لحظات قليلة مضت حين كان هو نفسه يذوق مرارة العطش ويكاد يهلك فقال في نفسه لقد بلغ بهذا الحيوان من العطش مثل الذي بلغ بي
في تلك اللحظة لم يقل هذا كلب لا قيمة له ولم يمض في طريقه غير مبال بل غلبت عليه الرحمة فنزل البئر مرة أخرى وتحمل مشقة النزول بعد أن أنهكه التعب فملأ خفه ماء ثم أمسك الخف بأسنانه وصعد متكلفا حتى خرج من البئر وسقى الكلب بيده حتى هدأ لهاثه وسكن اضطرابه وعاد إليه شيء من الحياة
فشكر الله له تلك الرحمة الخالصة التي لم يطلع عليها أحد من الناس فغفر له ذنوبه وجعل تلك السقيا سببا في نجاته وفوزه برحمة ربه ولما سمع الصحابة هذا الخبر العجيب قالوا يا رسول الله أويكون لنا في البهائم أجر فقال صلى الله عليه وسلم بكلمات جامعة عظيمة في كل كبد رطبة أجر أي في كل نفس حية إحسانها عبادة وأجرها محفوظ عند الله
وفي رواية أخرى ذكر النبي صلى الله عليه وسلم أن امرأة كانت معروفة بالمعصية رأت كلبا يطيف ببئر يكاد يهلك من العطش فنزعت خفها واستخرجت به ماء فسقته فكان ذلك سببا في مغفرة الله لها لتعلم الأمة أن باب الرحمة واسع وأن عملا يسيرا تصحبه نية صادقة قد يغير مصير إنسان عند الله
وفي المقابل حذر النبي صلى الله عليه وسلم من القسوة على الحيوان وذكر أن امرأة عذبت في هرة حبستها فلا هي أطعمتها ولا تركتها تأكل من خشاش الأرض فكان ذلك سببا في دخولها النار ليعلم الناس أن الظلم ولو كان لحيوان ضعيف لا يضيع عند الله
إنها رسالة واضحة أن الإيمان ليس كلمات تردد ولا شعارات ترفع بل هو رحمة تسكن القلب وتظهر في العمل وأن من رحم مخلوقات الله رحمه الله وأن من قسا وعذب استحق العقوبة
تأمل هذا المشهد رجل في صحراء لا يراه أحد ولا ينتظر شكرا من بشر ولا ثناء من أحد لكنه علم أن الله يراه فاختار طريق الرحمة فاختاره الله للمغفرة والرضوان
فيا من تقرأ هذه القصة اجعل قلبك رحيما بكل حي أطعم الجائع واسق العطشان ولا تحتقر معروفا ولو كان لحيوان ضعيف فرب عمل صغير تراه هينا وهو عند الله عظيم ورب لحظة رحمة صادقة تمحو سنين من الذنوب
روى عبد الله بن عباس رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أخبر أن أقرب الناس إلى الله وأعظمهم حظا عنده من يبدأ غيره بالسلام وهذا التوجيه النبوي ليس كلمة عابرة تقال باللسان بل منهج حياة يربي القلوب ويصنع مجتمعا تسوده الرحمة والألفة
حين نتأمل معنى السلام ندرك أنه دعاء وأمان وبذرة محبة توضع في قلب من نلقاه فأنت حين تقول السلام عليكم كأنك تعلن لمن أمامك أنني لا أحمل لك إلا الخير وأنك مني في أمان وأنني أدعو الله أن يفيض عليك سلامه ورحمته وبركته ولذلك كانت هذه التحية شعار المسلمين في الدنيا وشعارهم في الآخرة يوم يلقون ربهم حيث تكون تحيتهم سلام ويكون نداؤهم في الجنة سلاما لا يسمعون فيها لغوا ولا تأثيما
والسلام عبادة عظيمة ربطها النبي صلى الله عليه وسلم بخير أعمال الإسلام فقد سئل أي الإسلام خير فذكر إطعام الطعام وإفشاء السلام على من عرفت ومن لم تعرف ليبين أن هذا الدين يقوم على نشر الخير وكسر الحواجز بين الناس فلا يقتصر السلام على صديق قريب بل يشمل الغريب الذي لا تعرفه فيكون المجتمع كله دائرة أخوة واسعة
وقد جعل النبي صلى الله عليه وسلم إفشاء السلام سببا لدخول الجنة ودليلا على صدق الإيمان لأن القلوب إذا امتلأت حبا سهلت عليها الطاعات وزال عنها الحقد والبغضاء ومن أعظم ما يزرع المحبة بين الناس أن يسمع أحدهم من الآخر دعاء بالسلام في بداية اللقاء فيشعر بالقرب والمودة
والمبادرة بالسلام منزلة رفيعة فمن يبدأ غيره يكون أقرب إلى الله لأنه بادر بالخير وسبق إلى الفضل وكسر حاجز الكبر وانتصر على النفس التي تحب أن يبدأها الناس بالتحية فكان جزاؤه أن يرفعه الله درجة فوق غيره ولذلك كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يبدأ من لقيه بالسلام يسلم على الصغير قبل الكبير وعلى القليل قبل الكثير وعلى من يعرف ومن لا يعرف ليعلم أمته أن الكرامة في التواضع وأن العلو الحقيقي في خفض الجناح
وليس السلام مجرد لفظ يقال ثم ينسى بل هو باب من أبواب المغفرة فقد أخبر النبي صلى الله عليه وسلم أن المسلمين إذا التقيا فتصافحا غفر لهما قبل أن يفترقا فإذا اجتمع السلام الصادق مع المصافحة الصادقة نزلت الرحمة وغمرت الذنوب بالمغفرة
وكان من هديه صلى الله عليه وسلم أن يعلم أهله وأصحابه هذا الخلق فكان يأمر بالسلام عند دخول البيوت ليحل البركة في المكان ويعم الخير أهله لأن البيت الذي يسمع فيه ذكر الله وتحيات السلام بيت تحفه السكينة وتبتعد عنه الشحناء
تأمل كم من خصومة انتهت بكلمة سلام وكم من قلب منقبض انشرح حين سبقه أخوه بهذه التحية وكم من علاقة بدأت بابتسامة وسلام صادق فصار السلام مفتاحا لكل خير
يا من تقرأ هذه الكلمات اجعل السلام شعارك في طرقاتك وأماكن عملك وبيتك وابدأ به من تلقاه ولا تنتظر أن يبدأك غيرك فإنك حين تبادر إنما تتقرب إلى الله قبل أن تتقرب إلى الناس وازرع بهذه الكلمة البسيطة بذور المحبة في كل مكان تمر به
مر رجل من بني إسرائيل على قرية قد تهدمت جدرانها، وسقطت سقوفها، وتناثرت عظام أهلها في كل مكان، فوقف يتأمل الخراب والصمت المخيم على المكان، فقال في نفسه متعجباً: أنى يحيي هذه الله بعد موتها؟ كيف تعود هذه العظام النخرة إلى الحياة؟ كيف تقوم هذه الأجساد من جديد؟
فأراد الله أن يريه قدرته، ويوقفه على حقيقة البعث والنشور، فأماته مائة عام كاملة، ثم بعثه من نومه الطويل.
فلما فتح عينيه ورأى نفسه حياً بعد هذا الموت الطويل، جاءه ملك في صورة بشر يسأله: كم لبثت؟
فقال الرجل: لبثت يوماً أو بعض يوم. فقد كان يظن أنه نام نومة قصيرة.
فقال له الملك: بل لبثت مائة عام كاملة. فانظر إلى طعامك وشرابك، كيف لم يتغير مع مر الزمن، وانظر إلى حمارك كيف أكل الموت عظامه وصار رفاتاً بالياً.
فنظر الرجل فإذا طعامه وشرابه كما هما، لم يفسدا، ورأى حماره وقد تفرقت عظامه وأصبحت أشلاء متناثرة.
ثم قال له الملك: انظر كيف نبعث العظام من موتها، كيف نجمعها ونكسوها لحماً.
فنظر الرجل فإذا بعظام حماره تتحرك من هنا وهناك، تتجمع وتتصل ببعضها، ثم تكسى لحماً وتنبض بالحياة، حتى قام الحمار واقفاً ينهق كما كان.
فلما رأى الرجل ذلك كله، أيقن أن الله على كل شيء قدير، وأن الساعة آتية لا ريب فيها، وأن الله يبعث من في القبور.
وخرج الرجل إلى قومه فوجدهم قد تغيروا وانقرضوا، ووجد قرية عامرة بغير الذين كانوا فيها، فآمنوا به وصدقوه حين أخبرهم بقصته.
تلك هي قصة الرجل الذي شك في قدرة الله على إحياء الموتى، فأراه الله آية عظيمة جعلته من الموقنين.
فإذا قرأت هذه القصة فتذكر أن قدرة الله فوق كل تصور، وأن البعث حق، وأن الموت ليس نهاية بل بداية لحياة جديدة، فلا تيأس من رحمة الله ولا تشك في قدرته.
قصة آدم عليه السلام أبو البشر وبداية الخلافة في الأرض
خلق الله تعالى آدم عليه السلام بحكمته وقدرته وجعله أصل البشرية وأول الأنبياء وكرمه تكريما عظيما فخلقه بيده ونفخ فيه من روحه وعلمه وفضله وأسجد له ملائكته سجود تكريم لا سجود عبادة ليبين مكانة الإنسان حين يطيع ربه ويسير على هديه
أخبر الله تعالى الملائكة أنه سيجعل في الأرض خليفة فتعجبوا وسألوا على سبيل الاستفهام لا الاعتراض كيف يكون خليفة من قد يفسد ويسفك الدماء وهم يسبحون بحمد الله ويقدسونه فكان الجواب الإلهي الحاسم إني أعلم ما لا تعلمون فالله يعلم من هذا المخلوق ما لا تعلمه الملائكة من قابلية للخير والإيمان والعلم والتوبة
خلق الله آدم من طين ومر بمراحل حتى سواه بشرا سويا ثم نفخ فيه من روحه فدبت فيه الحياة وأمر الله الملائكة بالسجود له فامتثلوا جميعا إلا إبليس وكان من الجن فاستكبر وعصى وقال متكبرا أنا خير منه خلقتني من نار وخلقته من طين فاستحق الطرد من رحمة الله واللعنة إلى يوم الدين بسبب الكبر والحسد
طلب إبليس الإمهال إلى يوم القيامة فأمهله الله لحكمة عظيمة فأقسم أن يغوي بني آدم إلا عباد الله المخلصين لتبدأ المعركة بين الحق والباطل مع وضوح الطريق والعاقبة لكل إنسان
ومن أعظم ما كرم الله به آدم أن علمه الأسماء كلها أي القدرة على التعلم والمعرفة والتعبير وهي الخصيصة التي ميز بها الإنسان وجعلته قادرا على عمارة الأرض وحمل الأمانة فلما عرض الله الأسماء على الملائكة اعترفوا بعجزهم وقالوا لا علم لنا إلا ما علمتنا فأظهر الله فضل آدم بالعلم وحكمته في جعله خليفة في الأرض
خلق الله لآدم زوجته حواء وأسكنهما الجنة وأباح لهما كل ما فيها إلا شجرة واحدة نهاهما عن الاقتراب منها اختبارا لطاعتهما لكن إبليس وسوس لهما وزين لهما الأكل منها فنسيا وأخطآ ولم يكن ذلك كفرا ولا استكبارا بل زلة بشرية
لم يلق القرآن الذنب على حواء وحدها بل حمل آدم المسؤولية فالقصة القرآنية عادلة منزهة عن التحريف وما إن وقع الخطأ حتى بادر آدم وحواء إلى التوبة والاستغفار فتاب الله عليهما برحمته ثم أنزلهما إلى الأرض لا إنزال إهانة بل إنزال مهمة وخلافة كما أراد الله منذ البداية فالأرض دار ابتلاء والعمل والجنة هي الغاية لمن أطاع الله واتبع هداه
وتعلمنا هذه القصة أن الإنسان لم يخلق للجنة ابتداء بل خلق للخلافة في الأرض وأن الخطأ لا يهلك صاحبه إذا تاب وأن عداوة الشيطان لبني آدم قائمة وأن النجاة في الإخلاص لله وأن العلم والإيمان أساس كرامة الإنسان ورفعة شأنه
هذه قصة آدم عليه السلام كما جاءت في القرآن الكريم نقية صحيحة عظيمة المعاني خالدة الدروس تضع أمام الإنسان طريق الهداية وطريق الضلال بوضوح
الصحابية الجليلة أم كلثوم بنت عقبة بن أبي معيط الأموي القرشي ولدت في مكة المكرمة ونشأت في بيت كان من أشد بيوت قريش عداوة للإسلام فوالدها عقبة بن أبي معيط كان يؤذي رسول الله صلى الله عليه وسلم وأخوتها كانوا من أعداء الدعوة ومع ذلك أشرق نور الإيمان في قلبها فأسلمت في صمت وكتمت إيمانها خوفا من بطش أهلها لكنها كانت تزداد يقينا وثباتا يوما بعد يوم حتى لم يعد في قلبها موضع لشيء من زخارف الدنيا وصارت غايتها رضا الله والفوز بجنته
انتظرت حتى جاء صلح الحديبية فاغتنمت الفرصة وهاجرت وحدها من مكة إلى المدينة قاطعة الطريق الطويل بلا رفيق ولا حام تحركها قوة الإيمان وعظيم التوكل فكانت أول امرأة تهاجر بعد الصلح وفي طريقها لقيت قافلة من خزاعة وكان بينهم عهد مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فاطمأن قلبها وسارت معهم حتى وصلت إلى المدينة آمنة ثابتة لم تخش تهديدا ولم تلتفت إلى ما قد يفعله بها أهلها
ولما علم أخواها بخروجها لحقا بها يطلبان من رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يردها إليهما بحجة الشرط الذي كان في الصلح فخافت أن تعاد إلى الفتنة في دينها ووقفت تناشد رسول الله ألا يسلمها إليهم فأنزل الله في شأنها قرآنا يتلى إلى يوم القيامة يأمر بعدم رد المؤمنات إلى الكفار فكانت قصتها سببا في حكم عظيم يخلد صدق هجرتها ويثبت مكانتها
عاشت رضي الله عنها بعد ذلك بين المسلمين راوية للحديث سمعت من رسول الله صلى الله عليه وسلم وروت عنه ومن حديثها قوله ليس الكذاب الذي يصلح بين الناس فينمي خيرا أو يقول خيرا فجمعت بين شرف الصحبة وفضل الهجرة وشجاعة الموقف
تزوجت من زيد بن حارثة فاستشهد ثم تزوجت من الزبير بن العوام ثم من عبد الرحمن بن عوف وأنجبت منه ثم تزوجت من عمرو بن العاص رضي الله عنهم جميعا وعاشت حياة ملؤها الإيمان والصبر والثبات حتى توفيت في خلافة علي بن أبي طالب رضي الله عنه
هذه سيرة امرأة تحدت بيئة الكفر بقلب مؤمن وخرجت وحدها نصرة لدينها فكانت قدوة في الشجاعة والعفة والتضحية فانشر قصتها ولا تجعلها تقف عندك فكم من فتاة تحتاج أن تعرف معنى الثبات وكم من قلب يحتاج أن يرى نموذجا صادقا للتوكل على الله ومن دل على خير فله مثل أجر فاعله لعل الله أن يكتب لك أجر نشر سيرتها ويحيي بها قلوبا غافلة
في زمن نبي الله موسى عليه السلام وقعت حادثة هزت بني إسرائيل إذ عثروا على رجل مقتول واختلفوا في قاتله وتبادلوا الاتهامات حتى ضاقت بهم السبل فلجؤوا إلى موسى يطلبون منه أن يسأل ربه ليكشف الحقيقة فأوحى الله إليه أن يأمرهم بذبح بقرة وكان يكفيهم أن يمتثلوا للأمر فيذبحوا أي بقرة تقع عليها أيديهم لكن طباع الجدل والعناد غلبت عليهم فبدل أن يسارعوا إلى الطاعة أخذوا يكثرون السؤال ويتهمون نبيهم بالاستهزاء فبرأ نفسه من الجهل وأكد لهم أن الأمر وحي من الله
سألوه عن سن البقرة فجاءهم البيان أنها متوسطة لا كبيرة ولا صغيرة فكان يكفيهم ذلك ولكنهم عادوا يسألون عن لونها فجاءهم الجواب أنها صفراء صافية تبهج من ينظر إليها ثم عادوا يسألون عن صفاتها الأخرى فقيل لهم إنها بقرة لم تذلل للعمل ولا عيب فيها نقية لا خالصة الصفرة وهكذا كلما شددوا شدد عليهم حتى ضاق عليهم الأمر وصار العثور على هذه البقرة أمرا نادرا وبعد عناء وجدوها عند فتى يتيم فاشتروها بثمن عظيم وذبحوها وهم متثاقلون يكادون لا يفعلون
ثم أمرهم الله أن يضربوا القتيل بجزء منها فوقع الأمر العجيب إذ أحياه الله لحظة ليخبرهم باسم قاتله فانكشفت الحقيقة وزال الخلاف وعلموا أن قدرة الله لا يعجزها شيء وأن الطاعة كانت أيسر عليهم من كل هذا الجدل ولكن قلوبهم كانت قاسية فاحتاجوا إلى آية تهزهم لعلهم يعقلون
إن في هذه القصة درسا عظيما لكل من يكثر السؤال تهربا من الامتثال ولكل من يجعل الجدل طريقا إلى تأخير الحق فكلما ازداد الإنسان تعنتا ازداد الأمر عليه ضيقا ولو أنهم بادروا إلى الطاعة من أول مرة لكان الأمر يسيرا هينا فانشر هذه القصة ليعلم الناس أن طاعة الله بلا جدال هي طريق النجاة وأن العناد لا يجلب إلا المشقة
كان إبراهيم عليه السلام في بداية دعوته، قبل أن يؤتيه الله النبوة، يعيش بين قوم يعبدون الكواكب والنجوم، يتخذونها آلهة من دون الله، يسجدون للشمس إذا طلعت، ويخضعون للقمر إذا أضاء الليل، ويظنون أن هذه الأجرام العظيمة تدبر أمر الكون وتستحق العبادة.
وكان إبراهيم فتىً مفطوراً على البحث عن الحق، لا يرضى أن يعبد شيئاً لا يراه بعين البصيرة قبل أن تراه عين الرأس، فأراد الله أن يريه ملكوت السموات والأرض، أي ملكه وسلطانه العظيم، ليكون من الموقنين، وليحتج به على قومه بالحكمة والموعظة الحسنة.
فلما أظلم الليل عليه، وقف يتأمل السماء فرأى كوكباً مضيئاً، لعله المشتري أو الزهرة، يتلألأ في الأفق، فقال إبراهيم لقومه ولنفسه على سبيل المناظرة والمجادلة: هذا ربي؟ فلما غاب الكوكب وأفل، قال: لا أحب الآفلين، أي لا أعبد إلهاً يغيب ويختفي، لأن الإله الحق يجب أن يكون دائماً باقياً لا يزول.
ثم نظر فرأى القمر وقد طلع بازغاً، يملأ السماء نوراً، وهو أكبر من الكوكب وأشد ضياءً، فقال: هذا ربي؟ فلما غاب القمر في آخر الليل، قال إبراهيم مخاطباً نفسه ومعلناً لقومه: لئن لم يهدني ربي لأكونن من القوم الضالين. أي أنه لو بقي على جهلهم لكان من الهالكين، لكن ربه هداه إلى الحق.
ثم لما طلعت الشمس بازغة في كبد السماء، وهي أكبر وأعظم من الكوكب والقمر، قال إبراهيم: هذا ربي هذا أكبر؟ فلما أفلت الشمس كما أفل الكوكب والقمر، وأدرك إبراهيم أن كل هذه المخلوقات مسخرة مدبرة، تخضع لأمر الله العظيم الذي لا يغيب ولا يزول، التفت إلى قومه وهم ينظرون إليه ينتظرون ما يقول، فقال بكل ثقة وإيمان: يا قوم إني بريء مما تشركون، إني وجهت وجهي للذي فطر السموات والأرض حنيفاً وما أنا من المشركين.
فأعلنها مدوية في وجه الباطل، ووقف وحده أمام قومه وأمام عبادتهم الباطلة، مؤمناً بالله الواحد القهار، لا يعبد ما يغيب ولا يسجد لما يزول.
تلك كانت بداية رحلة إبراهيم مع التوحيد، رحلة العقل الذي لا يرضى بالتقليد، والقلب الذي لا يسكن إلا لخالقه، والروح التي تبحث عن الحق حتى تصل إلى اليقين.
فإذا قرأت هذه القصة فتذكر أن العبادة لا تكون إلا للخالق الباقي، لا للمخلوقات الفانية، وأن من يبحث بعقله عن الحق سيجد الله قبل أن يجد كل شيء، وأن الهداية نور يقذفه الله في قلب من يريد به خيراً.
يقول الله تعالى في كتابه العظيم: {وَلَوْ تَرَىٰ إِذْ وُقِفُوا عَلَى النَّارِ فَقَالُوا يَا لَيْتَنَا نُرَدُّ وَلَا نُكَذِّبَ بِآيَاتِ رَبِّنَا وَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ} [الأنعام: 27].
هذه القصة العظيمة التي يرويها لنا رب العزة في محكم تنزيله تصور لنا مشهداً من أهول مشاهد يوم القيامة، مشهد يقشعر له البدن وتفزع له القلوب، إنه مشهد وقوف الكفار والمجرمين على النار، يرون أهوالها ويعاينون شدائدها، فينطلق لسانهم بتمنٍ لا ينفع وندم لا يجدي.
تأمل معي هذا المشهد المهول الذي يعجز اللسان عن وصفه، الكفار الذين كانوا في الدنيا يكذبون بآيات الله ويسخرون من رسله ويعبدون غيره، يقفون يوم القيامة على حافة جهنم، يرون بأعينهم تلك النار التي كانوا بها يكذبون، يسمعون لها شهيقاً وهي تفور، ويرون فيها السلاسل والأغلال والأهوال التي لا يتصورها عقل .
عندها وعندما تبلغ الحناجر وتزهق الأرواح من شدة الخوف، يتمنى هؤلاء المجرمون أمنية لو كانت لهم في الدنيا ما عصوا الله طرفة عين، يقولون: {يَا لَيْتَنَا نُرَدُّ} أي ليتنا نعاد إلى الدنيا، {وَلَا نُكَذِّبَ بِآيَاتِ رَبِّنَا وَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ} أي ليتنا نعود فنصدق بما جاءت به الرسل ونعمل صالحاً ونكون من عباد الله المتقين .
هذا التمني يخرج من أعماق قلوبهم وهم يرون العذاب بأم أعينهم، لكن السؤال: هل يقبل منهم هذا التمني؟ وهل تنفعهم هذه الرغبة المتأخرة؟
يأتي الجواب من الله العليم الحكيم في الآية التي تليها مباشرة: {بَلْ بَدَا لَهُم مَّا كَانُوا يُخْفُونَ مِن قَبْلُ وَلَوْ رُدُّوا لَعَادُوا لِمَا نُهُوا عَنْهُ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ} [الأنعام: 28].
الله سبحانه يكشف حقيقتهم، ويخبر أنهم لو ردوا إلى الدنيا لعادوا إلى ما كانوا عليه من الكفر والتكذيب والمعاصي، لأن ما ظهر لهم من الإيمان والندم لم يكن إيماناً حقيقياً، بل كان مجرد خوف من العذاب ورعب من النار، ولو زال هذا الخوف لعادوا إلى ما كانوا عليه .
إنهم يظهرون الآن الندم ويتمنون الرجعة، ولكن الله يعلم ما في قلوبهم، ويعلم أنهم لو عادوا إلى الدنيا لاتبعوا أهواءهم كما كانوا يفعلون من قبل، ولذلك وصفهم بالكذب في قولهم هذا .
هذه القصة القرآنية العظيمة تحمل لنا أعظم العبر، تذكرنا أن الندم لا ينفع إذا جاء بعد فوات الأوان، وأن أبواب التوبة مفتوحة في الدنيا فقط، فإذا جاء الموت أو جاء يوم القيامة فلا توبة ولا رجعة.
وتذكرنا أن الإيمان ليس مجرد كلمات تقال عند الشدائد، بل هو يقين في القلب وقول باللسان وعمل بالجوارح، يحتاج إلى تربية ومجاهدة وثبات على الحق.
وتذكرنا أن الله يمهل ولا يهمل، وأن اليوم الذي يتمنى فيه المجرم الرجعة لن ينفعه ندمه ولا تمنيه، فالمبادرة إلى طاعة الله والتوبة النصوح قبل أن يأتي اليوم الذي لا ينفع فيه الندم.
فيا من تقرأ هذه القصة، لا تكن كأولئك الذين يندمون حين لا ينفع الندم، بادر بالتوبة الآن، وأكثر من الاستغفار، واعمل صالحاً قبل أن توقف على النار فتتمنى الرجعة فلا تجيب.
نسأل الله أن يثبتنا بالقول الثابت في الحياة الدنيا وفي الآخرة، وأن يجعلنا من المؤمنين حقاً الصادقين صدقاً.
بعث الله نبيَّه هودًا عليه السلام إلى قوم عاد، وهم إِرَم التي سكنت منطقة الأحقاف في جنوب الجزيرة العربية، حيث الرمال المترامية والوديان الفسيحة.
وكان قوم عاد من أعظم الأمم قوةً في زمانهم؛ امتازوا بضخامة الأجسام، وشدة البطش، وسعة الملك، وكثرة الأنعام، وتوفر الزروع والبساتين، ووفرة العيون الجارية التي تسقي أرضهم، حتى غدوا مضرب المثل في القوة والعمران.
جاءهم هود عليه السلام يدعوهم إلى عبادة الله وحده لا شريك له، وينهاهم عن عبادة الأصنام التي لا تنفع ولا تضر.
وذكّرهم بنعم الله عليهم، وكيف جعلهم خلفاء في الأرض من بعد قوم نوح عليه السلام، ومنحهم من أسباب القوة والتمكين ما لم يؤته لغيرهم في عصرهم.
دعاهم إلى شكر المنعم، وإخلاص العبادة له، والاستقامة على أمره، وحذرهم من البطر والطغيان.
وأنكر عليهم أفعالًا تدل على الكبر والعبث؛ فكانوا يبنون في كل مكان مرتفع بناءً ضخمًا كالعَلَم، لا لغرض نافع، بل لمجرد التفاخر وإظهار القوة.
كما كانوا يتخذون القصور والحصون المنيعة كأنهم سيخلدون في الدنيا فلا يموتون، ويتعاملون مع غيرهم بسطوة الجبابرة، يبطشون بالناس بغير حق، ويقتلون أو يضربون بلا رحمة ولا شفقة، متكبرين بقوتهم وعددهم.
لكن القوم قابلوا دعوته بالتكذيب والاستهزاء، واتهموه بالسفه والجنون، وقالوا إن بعض آلهتهم قد أصابه بسوء.
فلم يزده ذلك إلا ثباتًا، بل أعلن توكله الكامل على الله، وتحداهم أن يجتمعوا جميعًا بكيدهم ومكرهم ليوقعوا به ضررًا إن استطاعوا، مؤكدًا أن الله حافظه وناصره، وأن قوة الله أعظم من قوتهم جميعًا.
ولما أصروا على الكفر والعناد، وتمادوا في طغيانهم، حذّرهم هود من عذاب الله، لكنهم استهزؤوا به، بل استعجلوا العذاب استهزاءً وسخرية. ثم جاء وعد الله الحق.
رأى القوم سحابًا عظيمًا قد أقبل من جهة السماء متجهًا نحو أوديتهم، ففرحوا وقالوا: هذا عارضٌ ممطرنا. ظنوه سحاب رحمة يحمل المطر والخير. غير أن الحقيقة كانت غير ما ظنوا؛ فقد كان ذلك السحاب يحمل عذابًا أليمًا، ريحًا عاتية شديدة البرودة، عاصفة قاسية ذات صوت مرعب، أرسلها الله عليهم.
استمرت تلك الريح سبع ليالٍ وثمانية أيام متتابعة، لا تهدأ ولا تفتر، تقتلع الناس من أماكنهم، وترفعهم في الهواء ثم تطرحهم على الأرض صرعى، تحطم أجسادهم، وتدمر كل ما تمر به مما أمرها الله بإهلاكه. فصاروا بعد تلك الأيام كأنهم أصول نخلٍ منقلعة، ساقطة متآكلة، لا حراك فيها ولا حياة.
ولما انقضى العذاب، لم يُرَ من آثارهم إلا مساكنهم الخاوية التي كانوا يتفاخرون بها، أما هم فقد بادوا عن آخرهم، فلم يُبقِ العذاب منهم أحدًا. وهكذا أهلك الله عادًا بما كسبت أيديهم، وجعل قصتهم عبرة لمن يعتبر.
أما هود عليه السلام ومن آمن معه، فقد نجّاهم الله برحمته، وحفظهم من العذاب، ليكونوا شاهدين على قدرة الله وعدله، ودليلًا على أن النجاة إنما تكون بالإيمان والطاعة، وأن القوة مهما بلغت لا تنفع صاحبها إذا تجرد من التقوى والإيمان.
المصدر:
كتاب قصة الحياة
[عبد الإله بن عبد الله بن علي جابر]
كانت قرية من القرى البعيدة تعيش في غفلة عظيمة، أرسل الله إليهم رسولين فكذبوهما، فقواهما برسول ثالث، فقالوا لسكان القرية: إنا إليكم مرسلون، فضحك القوم واستهزؤوا بهم وقالوا: ما أنتم إلا بشر مثلنا، وما أنزل الرحمن من شيء، إن أنتم إلا تكذبون.
فوقف الرسل الثلاثة يدعون قومهم ليل نهار، يذكرونهم بالله ويخوفونهم عذابه، ولكن القوم ازدادوا عناداً وتمادوا في طغيانهم.
وفي أقصى المدينة، كان هناك رجل مؤمن كتم إيمانه خوفاً من بطش قومه، فلما سمع ما يفعله قومه مع الرسل، تحرك قلبه وامتلأ غيرة لله، فترك كل شيء وسعى مسرعاً نحو قومه ليدعوهم قبل فوات الأوان.
فلما وصل إليهم وهم مجتمعون حول الرسل يستهزئون بهم، صاح فيهم: يا قوم اتبعوا المرسلين، اتبعوا من لا يسألكم أجراً وهم مهتدون، وما لي لا أعبد الذي فطرني وإليه ترجعون، أأتخذ من دونه آلهة إن يردن الرحمن بضر لا تغن عني شفاعتهم شيئاً ولا ينقذون.
فنظر القوم بعضهم إلى بعض في دهشة، كيف يتكلم هذا الرجل الذي كان يخفي إيمانه بهذه الجرأة؟
ثم تابع الرجل المؤمن قائلاً: إني إذاً لفي ضلال مبين، إني آمنت بربكم فاسمعون.
فما كان من القوم إلا أن وثبوا عليه وثبة رجل واحد، وأمسكوه وانهالوا عليه ضرباً حتى قتلوه.
وبعد أن قتلوه، قال الله له: ادخل الجنة، فلما رأى ما فيها من النعيم المقيم وما أعده الله له من الكرامة، تمنى أن يعلم قومه ما ناله من رحمة الله، فتمنى أن يعود إلى الدنيا ليخبرهم بأن ما وعدهم الرسل حق، فيؤمنوا كما آمن.
فقال وهو ينعم في الجنة: يا ليت قومي يعلمون بما غفر لي ربي وجعلني من المكرمين.
تلك هي قصة الرجل الذي جاء من أقصى المدينة يسعى، فدعا قومه فقتلوه، فكان جزاؤه الجنة، وكان دعاؤه لقومه بالهداية حتى بعد موته.
فإذا قرأت هذه القصة فتذكر أن الإيمان غربة، وأن المؤمن قد يقتل وحيداً لكن كلمته تبقى، وأن الدعوة إلى الله تحتاج إلى تضحية، وأن أقصى ما يمكن أن تقدمه لمن ضلوا هو أن تدعو لهم بعد موتك كما دعا هذا الرجل.
يروي الصحابي الجليل سمرة بن جندب رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم رأى في منامه رؤيا عظيمة مليئة بالعبر والمخاوف قال فيها إن رجلين أتياه في الليل فأخذاه وصعدا به حتى بلغا شجرة عظيمة فأدخلاه دارا لم ير في حياته أحسن منها ولا أبهى ثم رأى فيها أصنافا من الناس شيوخا وشبابا ونساء وصبيانا في مشهد يبعث الطمأنينة والدهشة معا ثم أخرجاه من تلك الدار إلى مشهد آخر يختلف تماما في هيئته ومعناه حيث رأى نهرا عظيما وفيه رجل يسبح لا يكاد يخرج منه وعلى ضفة النهر رجل آخر جمع عنده حجارة كثيرة فكان السابح كلما سبح واقترب من الخروج جاءه ذلك الرجل وفتح فمه وألقمه حجرا فيعود أدراجه إلى وسط النهر وهكذا يتكرر العذاب بلا توقف فسأل النبي صلى الله عليه وسلم عن هذا المشهد فقيل له إن هذا هو آكل الربا
هذه الرؤيا العظيمة تكشف لنا ما أعده الله لآكل الربا من عذاب أليم يبدأ قبل يوم القيامة في حياة البرزخ حيث يعيش في شقاء دائم لا راحة فيه ولا أمل بالخلاص وهو ينتظر يوما أعظم وأشد إن لم يتب إلى الله توبة صادقة فمشهد السباحة في نهر العذاب مع إلقام الحجارة في الفم يبين قسوة الذنب وبشاعة العاقبة وأن المال الحرام الذي ظنه صاحبه نعمة ينقلب عليه نقمة وعذابا
ثم إذا جاء يوم القيامة كان المشهد أشد وأفظع حيث يبعث آكل الربا من قبره على حال مخيفة لا يقوم كما يقوم الناس بل يقوم متخبطا مضطربا كالممسوس فاقد التوازن والعقل يتخبط ويسقط ويقوم في صورة تفضحه بين الخلائق وهذا جزاء من استحل الربا وظن أنه كالتجارة وجادل في أمر حرمه الله بوضوح فجازاه الله من جنس فعله وجعله عبرة لغيره
وقد بين الصحابة والتابعون أن آكل الربا يبعث يوم القيامة كالمجنون يخنقه الشيطان ويتلاعب به أمام الناس في مشهد مهين لأن قلبه في الدنيا تعلق بالحرام ولم يبال بأمر الله ولا بظلم العباد فأذاقه الله الذل في يوم لا ينفع فيه مال ولا جاه
وزاد النبي صلى الله عليه وسلم في بيان خطورة هذا الذنب فذكر أن للربا أبوابا كثيرة وأن أهونها عند الله يعادل أعظم الفواحش مما يدل على أن هذا الذنب ليس هينا ولا بسيطا كما يظنه كثير من الناس اليوم بل هو من أعظم الكبائر التي تهلك الفرد والمجتمع وتدمر البركة وتنزع الرحمة
وجاء عنه أيضا أن درهما واحدا من الربا يأكله الإنسان وهو يعلم حرمته أعظم عند الله إثما من عشرات الجرائم العظيمة فكيف بمن بنى حياته كلها على الربا وأكل أموال الناس بالباطل سنوات طويلة دون خوف من الله أو خشية من وعيده
ومن شدة هذا الذنب أن الله يمحق مال المرابي في الدنيا قبل الآخرة فمهما كثر ماله واتسعت تجارته فإن البركة تنزع من عمره وماله وأهله وقد يرى المال كثيرا في الظاهر لكنه في الحقيقة سبب شقاء وقلق وضيق لا ينتهي
وأعظم ما في الأمر أن الله أعلن الحرب على آكل الربا وهي منزلة لم يعلنها الله على ذنب مثل إعلانه على الربا فتصور أن يقف العبد يوم القيامة وقد أعلن الله ورسوله الحرب عليه أي خسران أعظم من هذا وأي هلاك بعده
ولم يقف الأمر عند آكل الربا وحده بل شمل اللعن كل من شارك في هذا الذنب من معط للربا أو كاتب له أو شاهد عليه فالجميع في الإثم سواء لأنهم تعاونوا على الحرام وساعدوا على نشره بين الناس
إن هذه القصة العظيمة ليست للتخويف المجرد بل للإنذار والرحمة فمن قرأها فليعلم أن باب التوبة مفتوح وأن الله يقبل من عباده الرجوع والإنابة فمن كان متلبسا بهذا الذنب فليبادر بالتوبة وليترك الربا لله وليطهر ماله وبيته وليوقن أن الحلال وإن كان قليلا فهو خير وأبقى وأن من ترك شيئا لله عوضه الله خيرا منه
فيا من تقرأ هذه الكلمات لا تمر عليها مرور الكرام بل اجعلها وقفة صادقة مع نفسك وحاسب قلبك ومالك وأعمالك قبل أن يأتي يوم لا ينفع فيه الندم وكن سببا في إنقاذ غيرك كما تحب أن تنقذ نفسك
يروي المقدام بن معد يكرب رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أخبر عن كرامة عظيمة أعدها الله للشهيد فقال إن للشهيد عند الله خصالاً عظيمة تفيض رحمة وفضلاً وتكشف عن منزلة لا يبلغها غيره ممن صدق مع الله وبذل روحه ابتغاء مرضاته فقد أخبر النبي صلى الله عليه وسلم أن الله يغفر للشهيد من أول لحظة تسيل فيها دماؤه فتتساقط ذنوبه مع أول دفعة من دمه كما يتساقط ورق الشجر في الخريف فلا يبقى عليه شيء من آثام الماضي إلا ما كان متعلقاً بحقوق العباد فإن الله سبحانه يتكفل بقضائها أو يرضي أصحابها بفضله وعدله فيدخل الشهيد على ربه نقياً طاهراً خفيف الحمل
ثم إن الله يكرم الشهيد بأن يريه مقعده من الجنة قبل أن تفيض روحه فيبصر بعينه ما أعد الله له من النعيم والرضوان فيطمئن قلبه وتسكن نفسه ويهون عليه ألم الجراح وشدة القتل لأنه يرى أمامه دار الخلود ونعيم لا ينقطع وكرامة لا تزول فيكون موته حياة حقيقية وبداية سعادة أبدية
ومن تمام هذا الإكرام أن الله يجير الشهيد من عذاب القبر فلا يفتن ولا يعذب ولا يضيق عليه قبره بل يكون قبره روضة من رياض الجنة ينام فيه آمناً مطمئناً كما ينام العروس في ليلته لا خوف ولا قلق ولا سؤال يزعجه حتى يبعثه الله يوم القيامة في أمن وسلام
ويزيد الله الشهيد تشريفاً فيأمنه من الفزع الأكبر يوم يقوم الناس لرب العالمين ذلك اليوم الذي تشخص فيه الأبصار وتضطرب فيه القلوب ويبلغ الخوف مبلغاً عظيماً فالناس بين خائف ووجِل إلا الشهيد فإنه آمن مطمئن لا يحزن ولا يخاف لأنه صدق الله فصدقه الله وأعطاه الأمان يوم الخوف
ثم يحلى الشهيد حلة الإيمان وهي حلة من حلل الجنة يلبسها في المحشر فيأتي يوم القيامة مكرماً ظاهراً عليه أثر النعمة والرضوان وفي عنقه قلادة من در وياقوت علامة على منزلته عند ربه وعلو قدره بين الخلائق
ومن عظيم ما أعده الله له أنه يزوجه من الحور العين وهن نساء الجنة اللواتي لا يشبه جمالهن جمال في الدنيا خلقهن الله كرامة لعباده المؤمنين فيزداد الشهيد فرحاً وسروراً كلما نظر إلى ما أكرمه الله به من النعيم المقيم
ثم تبلغ كرامته ذروتها حين يأذن الله له بالشفاعة فيشفع في سبعين من أقاربه فينقذهم الله من العذاب ويدخلهم الجنة ببركة شهادته وصدق تضحيتِه فيكون موته حياة له ولمن أحب من أهله وذويه
وقد جاءت روايات متعددة عن النبي صلى الله عليه وسلم تذكر هذه الخصال ستاً في موضع وسبعاً في موضع آخر وكلها متفقة على بيان عظم منزلة الشهيد وعلو مقامه عند الله تعالى وأنه ليس كغيره من الناس بل اصطفاه الله ورفعه فوق كثير من عباده
وجاء في حديث آخر صحيح أن أهل الجنة لا يتمنون الرجوع إلى الدنيا مهما أعطوا فيها من نعيم إلا الشهيد فإنه يتمنى أن يرجع فيقتل في سبيل الله مرة بعد مرة لما يرى من عظيم الكرامة ورفيع المنزلة التي أعدها الله له فهذا التمني ليس حباً في الدنيا ولا تعلقاً بها بل شوقاً إلى ما عند الله ورغبة في القرب منه ورضاه
وجاء أيضاً أن الشهداء يكونون عند نهر بباب الجنة في قبة خضراء يرزقون من الجنة صباحاً ومساء ينتظرون يوم القيامة في نعيم وراحة حتى يأذن الله لهم بدخول الجنة دخول تشريف وتكريم فيكونون في أمان منذ لحظة موتهم إلى خلودهم الأبدي
إن هذه المعاني العظيمة تحيي القلوب وتوقظ الإيمان وتزرع في النفوس الشوق إلى رضا الله وتذكر المؤمن بأن الطريق إلى الجنة ليس بالأماني ولا بالكلام وإنما بالصدق والعمل والإخلاص وبذل النفس والمال في طاعة الله وأن الشهادة ليست كلمة تقال باللسان بل مقام عظيم لا يناله إلا من صدق مع الله فصدق الله معه
فيا من تقرأ هذه القصة اجعلها وقفة صادقة مع نفسك وجدّد نيتك مع ربك واجتهد في طاعته وكن من أهل الصدق والجهاد ومجاهدة النفس عسى أن يرزقك الله أعلى الدرجات ويجمعك مع النبيين والصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقاً
قبل معركة أحد .. قام أحد الكفار بحفر حفره
وجلس أيام يحفر فيها ويقول : لعل محمد يمر
من عندها ويسقط فيها ولما جاءت معركة
أحد والرسول عليه الصلاة والسلام فى أثناء
المعركة لم ير الحفره فسقط فيها فارتطم وجهه
الشريف بالحجر فكسرت رباعيته أى أسنانه
وسال الدم من وجهه الشريف ..
وتألم ظهره وكان عليه الصلاة والسلام يلبس
خوذه على راسه فاراد ان يخرج من الحفره
فراه أحد الكفار يقال له أبن قمئه ..
وقيل عتبه بن أبى وقاص ..
فضرب النبى عليه الصلاة والسلام بسيفه
مسطح أى بالعرض على راسه ويمين ويسار
وجهه الشريف فدخل حديد الخوده فى وجه
النبى عليه الصلاة والسلام فبدأ الدم يخرج أكثر
فاصبح الصحابه يبكون واشيع بان النبى عليه
الصلاة والسلام قتل .. واول من هرول ناحيته
أبوبكر الصديق رضي الله عنه ويقول :
فديتك نفسى يارسول الله ..
ويقول أبوبكر رضي الله عنه :
حاولت فك الخودة من وجه النبى عليه الصلاة
والسلام فما أستطعت فتقدم أبوعبيده بن الجراح
وقيل انه سعد بن ابي وقاص رضي الله عنهما ..
في بعض الروايات فقال : أقسمت عليك يا أبابكر أن
تترك النبى عليه الصلاة والسلام لى فتقدم أبو عبيده
فاخرج النبى عليه الصلاة والسلام من الحفره
فاراد خلع الخوذه من على وجه النبى عليه
الصلاة والسلام فما أستطاع فظل يعضها بفمه
وكان كلما أمسك الحديد .. بفمه تسقط منه سن
حتى تكسرت اسنانه الامامية .. وكان همه فك
الحديد من على وجه النبى الشريف عليه الصلاة والسلام ..
فخلع أبوعبيده رضي الله عنه الخوذة من على وجه
النبى عليه الصلاة والسلام .. ويقول الصحابه
رضي الله عنهم : لما رأينا ابوعبيده سقطت أسنانه
والله لقد راينا جمالا فى وجهه لم نراه
من قبل أكراما من الله له وهو الذى أستطاع خلع
الخوذة من وجه النبى عليه الصلاة والسلام
وجلس النبى عليه الصلاة والسلام يمسح الدم
من وجه الشريف والصحابه حوله فرفع
عليه الصلاة والسلام أكفه الى الله
يقول أبوبكر رضي الله عنه :
فخشيت أن يدعو على امته فتهلك
فالتفت الى النبى عليه الصلاة والسلام وإذ
هو يقول : اللهم أهدي قومي فإنهم لا يعلمون .
عن عبد الله بن عباس رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لما أصيب إخوانكم يوم أحد، جعل الله أرواحهم في أجواف طير خضر ترد أنهار الجنة، تأكل من ثمارها، وتأوي إلى قناديل من ذهب في ظل العرش، فلما وجدوا طيب مأكلهم ومشربهم ومقيلهم، قالوا: من يبلغ إخواننا عنا أنا أحياء في الجنة نرزق، لئلا يزهدوا في الجهاد، ولا ينكلوا عن الحرب، فقال الله سبحانه: أنا أبلغهم عنكم، فأنزل الله: {ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله أمواتاً بل أحياء عند ربهم يرزقون} [آل عمران: 169]" [رواه أبو داود وصححه الألباني].
هذه القصة العظيمة تأخذنا في رحلة إلى ذلك النعيم الذي أعده الله للشهداء، أولئك الذين بذلوا أرواحهم في سبيله، فكان جزاؤهم أن أحياهم الله حياة لا نعرف كنهها، وأرواحهم في أجواف طير خضر تسرح في الجنة حيث شاءت، وتأكل من ثمارها، وتأوي إلى قناديل من ذهب تحت عرش الرحمن، في نعيم مقيم لا ينقطع.
تأمل معي هذا المشهد البديع، شهداء أحد بعد أن استشهدوا في المعركة، أرواحهم في أجواف طير خضر، تطير في جنات النعيم، ترد أنهار الجنة، وتأكل من ثمارها، وتشرب من شرابها، وتسكن في قناديل من ذهب معلقة تحت عرش الرحمن، في أعلى منازل الجنة وأكرمها.
فلما ذاقوا هذا النعيم العظيم، ورأوا ما أكرمهم الله به، اشتاقوا إلى إخوانهم الذين ما زالوا في الدنيا، وأرادوا أن يخبروهم بما هم فيه من نعيم، ليزدادوا رغبة في الجهاد، ولا يخافوا الموت في سبيل الله، ولا ينكلوا عن الحرب. فقالوا: من يبلغ إخواننا عنا أنا أحياء في الجنة نرزق، لئلا يزهدوا في الجهاد، ولا ينكلوا عن الحرب.
فكان جواب الله عز وجل لهم أعظم مما تمنوا، فقد تولى سبحانه بنفسه تبليغ إخوانهم، فأنزل في كتابه العزيز قوله: {وَلا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتاً بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ} [آل عمران: 169].
هذه الآية العظيمة نزلت تخلد ذكرى الشهداء، وتخبر الأحياء بما هم فيه من نعيم، لتعلم الأمة أن الموت في سبيل الله ليس نهاية، بل بداية حياة جديدة، حياة أفضل وأكرم، حياة في جوار رب العالمين.
وفي حديث آخر عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "ما من عبد يموت له عند الله خير، يحب أن يرجع إلى الدنيا وأن له الدنيا وما فيها، إلا الشهيد، لما يرى من فضل الشهادة، فإنه يحب أن يرجع إلى الدنيا فيقتل مرة أخرى" [رواه البخاري].
وعن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "للشهيد عند الله ست خصال: يغفر له في أول دفعة من دمه، ويرى مقعده من الجنة، ويجار من عذاب القبر، ويأمن من الفزع الأكبر، ويحلى حلة الإيمان، ويزوج من الحور العين، ويشفع في سبعين إنساناً من أقاربه" [رواه الترمذي وصححه الألباني].
وعن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "ما أحد يدخل الجنة يحب أن يرجع إلى الدنيا وله ما على الأرض من شيء إلا الشهيد، فإنه يتمنى أن يرجع إلى الدنيا فيقتل عشر مرات، لما يرى من الكرامة" [رواه البخاري].
هذه القصة العظيمة تملأ قلوب المؤمنين شوقاً إلى هذه المنزلة العالية، وتجعلهم يتلهفون على نيل هذه الكرامة، ولكنها في الوقت نفسه تذكرهم بأن الشهادة ليست أمنية تقال، بل هي عمل وجهاد وإخلاص لله، وهي ثمرة الإيمان الصادق والعمل الصالح.
فيا من تقرأ هذه القصة، تكرر ما قاله الشهداء، وتمنى ما تمنوه، واعلم أن الجنة غالية لا تنال بالأماني، وأن طريقها طويل يحتاج إلى صبر وجهاد، فاجتهد في طاعة ربك، وكن من المجاهدين في سبيله، عسى أن تنال هذه المنزلة العالية.
نسأل الله أن يرزقنا الشهادة في سبيله، وأن يجمعنا بالشهداء في جنات النعيم، إنه سميع مجيب.
في زمنٍ من أزمنة بني إسرائيل، وبين قومٍ عانوا الاستضعاف طويلًا، ظهر رجلٌ اسمه قارون. لم يكن غريبًا عنهم، بل كان واحدًا منهم، يعرفونه ويعرفهم، لكنه سلك طريقًا غير طريقهم، واختار لنفسه درب الكِبر بعدما فُتحت عليه أبواب الدنيا.
آتاه الله مالًا لم يُؤته كثيرًا من الناس؛ خزائن عامرة، وكنوز متراكمة، حتى إن مفاتيح خزائنه كانت تُحمل على ظهور الرجال الأقوياء فتثقلهم. ذهبٌ يلمع، وفضة تتكدس، وقصور تُشاد، وأراضٍ تُزرع، وخدمٌ يلبّون، وجاهٌ يزداد يومًا بعد يوم.
وذات يوم، خرج قارون على قومه في أبهى زينة؛ ثياب فاخرة، وحُليٌّ تتلألأ تحت الشمس، ومواكب تُحيط به من كل جانب. مشى متبخترًا، كأن الأرض خُلقت له، وكأن النعمة لا تزول أبدًا. رآه الناس، فاهتزت القلوب؛ بعضهم أُعجب، وبعضهم تمنّى، وقال الذين تعلقت قلوبهم بالدنيا:
يا ليت لنا مثل ما أوتي قارون، إنه لذو حظ عظيم!
لكن في وسط تلك الأصوات، ارتفع صوت آخر… صوت إيمان وبصيرة. قال أهل العلم واليقين:
ويحكم! لا تغرنّكم الدنيا وزينتها، فإن ما عند الله خيرٌ وأبقى. إن الثواب الحقيقي ليس في كنزٍ يُعدّ، ولا في قصرٍ يُشاد، بل في قلبٍ خاشع وعملٍ صالح.
ونصحوه قائلين:
لا تفرح فرح البطر والغرور، فإن الله لا يحب الفرحين. وابتغِ فيما آتاك الله الدار الآخرة، ولا تنس نصيبك من الدنيا، وأحسن كما أحسن الله إليك، ولا تسعَ في الأرض فسادًا.
لكن قارون لم يكن يسمع إلا صدى نفسه. نظر إلى ماله، ثم نظر إلى ناصحيه بازدراء، وقال بكلمةٍ كشفت ما في قلبه:
إنما أوتيته على علمٍ عندي.
كأنما نسب الفضل إلى نفسه، ونسي أن المنعم هو الله. ظنّ أن ذكاءه وحده هو الذي جمع المال، وأن قوته هي التي صنعت مجده، وأن النعمة حقٌّ مكتسب لا عطية مُعارة.
ازداد غروره، واشتدّ بغيه، وغفل عن أن النعمة إذا لم تُشكر انقلبت نقمة.
ثم جاء اليوم الذي لم يكن في حسبانه. لم يُسمع فيه صوت سيف، ولم تُرَ فيه جيوش، لكن أمر الله إذا جاء لا يرده أحد. اهتزت الأرض تحت قدميه، وانشقت فجأة، فبدأ يغوص فيها شيئًا فشيئًا. حاول أن يثبت، أن يتشبث، أن يصرخ… لكن الأرض كانت مأمورة، لا تعصي.
غاصت قدماه، ثم ساقاه، ثم جسده، وانهارت معه قصوره وخزائنه، وسقطت الكنوز في الشق العظيم، كأنها لم تكن يومًا زينة تُبهر العيون. ابتلعته الأرض وابتلعت داره، وسكنت الضوضاء فجأة، وبقي المكان صامتًا إلا من أثرٍ يروي قصة نهاية متكبر.
وأصبح الذين تمنوا مكانه بالأمس يقولون بقلوب مرتجفة:
ويكأن الله يبسط الرزق لمن يشاء من عباده ويقدر، لولا أن منّ الله علينا لخسف بنا، ويكأنه لا يفلح الكافرون.
أدركوا متأخرين أن الغنى ليس دليل رضا، وأن الفقر ليس علامة هوان، وأن المال إن لم يُسَخَّر لطاعة الله صار سبب هلاك صاحبه.
تلك ليست قصة رجلٍ مضى فحسب، بل مرآة لكل قلبٍ يُفتن بالمال، ولكل نفسٍ تُعجب بزينة الدنيا. فكم من نعمةٍ رفعت صاحبها بالشكر، وكم من نعمةٍ أردته أرضًا بالبطر.
فإذا قرأت هذه القصة، فتذكر:
أن الأرض التي تمشي عليها قد تنشق يومًا بأمر الله،
وأن المال الذي تجمعه ليس ملكك حقيقة، بل أمانة بين يديك،
وأن الزينة التي تخرج بها قد تفتنك قبل أن تفتن غيرك.
تواضع لربك، واشكره على ما أعطاك، وأحسن كما أحسن إليك، واجعل الدنيا في يدك لا في قلبك.
في ظلال اليرموك والقادسية ونهاوند: فارس لا يُهزم
في أحضان الجزيرة العربية، حيث تتراقص الرمال الذهبية تحت لهيب شمس لا ترحم، وتتصادم السيوف في غبار المعارك العتيقة، رأى النور عمرو بن معد يكرب الزبيدي قبل الهجرة بنحو خمسة وسبعين عامًا، حوالي سنة 547م. وُلد في ديار قبيلته زبيد، إحدى بطون مذحج القحطانية العريقة، وتحديدًا في وادي تثليث الخصيب، الذي وصفه الهمداني بأنه موطن بني زبيد إلى اليوم، وفيه كان لحصن عمرو ونخيله شاهد على مكانته وسط قومه.
نشأ عمرو في بيئة الفروسية والغزوات، يتربى على قيم الشجاعة والكرم والوفاء التي كانت تميز أهل الجاهلية. كان جسيم البنية، طويل القامة إلى درجة أن الفرس تحته تبدو كالشاة الصغيرة، حتى تعجب منه عمر بن الخطاب رضي الله عنه وقال: «الحمد لله الذي خلقنا وخلق عمروًا».
ورث عن أسلافه سيفًا أسطوريًا يُدعى الصمصامة، سيف لا يُضرب به إلا قطع، ولا يُجرب إلا مرة واحدة، فصار رمزًا لقوته وصلابته، يفتخر به في شعره ويرهب به أعداءه.
في عصر الجاهلية، برز عمرو فارسًا لا يُشق له غبار؛ يغير ويبارز، ويحمي قومه، ويفتخر بشبابه الذي أفناه في نصرة المستغيث. قال يومًا مفتخرًا:
أعاذل عدتي بدني ورمحي
وكل مقلص سلس القياد
أعاذل إنما أفني شبابي
إجابتي الصريخ إلى المنادي
وكان شاعرًا مفوهًا، ينشد في المجالس، ويعلّم أن الجمال الحقيقي ليس في الزينة الظاهرة، بل في المعادن والمناقب:
ليس الجمال بمئزرٍ
فاعلم، وإن رُديت بردا
إن الجمال معادنٌ
ومناقبٌ أورثن مجدا
ثم بزغ نور الإسلام. سمع عمرو بدعوة النبي محمد ﷺ، فسار إلى المدينة وحده بعد تردد صديقه قيس بن مكشوح. نزل عند سعد بن عبادة، ثم أُدخل على النبي ﷺ، فأسلم في السنة التاسعة للهجرة مع وفد من بني زبيد، وعادا إلى ديارهم وقد استقر الإيمان في قلوبهم.
لكن بعد وفاة النبي ﷺ، اجتاحت فتنة الردة الجزيرة العربية. ارتد عمرو مع كثيرين من قومه، ربما تأثرًا بعصبية القبيلة أو اضطراب الأحداث. لم يطُل به الوقت حتى ندم ندمًا عميقًا، وعاد إلى الإسلام تائبًا، مصممًا على التكفير عن خطئه بالجهاد والإخلاص.
بعثه أبو بكر الصديق رضي الله عنه إلى جبهة #الشام. في معركة اليرموك، قاتل ببسالة منقطعة النظير حتى أُصيبت عينه وذهب بصرها، لكنه لم يتراجع، بل ظل يضرب ويُحمّس الجند، يبحث عن الشهادة التي طالما تمناها.
ثم جاء دوره في #العراق أيام عمر بن الخطاب رضي الله عنه. طلب سعد بن أبي وقاص مددًا، فكتب عمر: «إني أمددتك برجلين كل منهما بألف: عمرو بن معد يكرب وطليحة بن خويلد». في معركة #القادسية، اندفع عمرو في قلب الصفوف، يهزأ بالصمصامة يمينًا ويسارًا، يحصد الفرس حصادًا. رأى فارسًا فارسيًا يحمس أصحابه، فرماه بسهم أصاب قوسه، ثم هجم عليه وقتله، وحمله بين الصفوف قائلاً: «اصنعوا هكذا». وظل يحث المهاجرين: «كونوا أسودًا أشداء، فإن الفارس إذا ألقى رمحه يئس».
ثم كانت معركة #نهاوند، «فتح الفتوح»، سنة 21 هـ. أوصى عمر النعمان بن مقرن أن يستشير عمرو وطليحة في الحرب، لكنه لا يوليهما أمرًا، «فإن كل صانع أعلم بصناعته». سار الجيش، وكان عدده أقل بكثير من جيش الفرس. وقف عمرو في الصف الأول، يشد أزر الرجال وينادي: «يا أهل الإسلام، هذا يومكم! اثبتوا فإن الصبر مفتاح النصر». قاتل حتى أثخن بالجراح، قتل عشرات الفرسان بيده، ثم جاءته الضربة القاتلة. أمسك بالذي طعنه، أسقطه، ثم سقط هو، رافعًا رأسه إلى السماء: «اللهم تقبل مني، فقد وفيت».
لفظ أنفاسه شهيدًا، وقد ناهز التسعين أو أكثر حسب الروايات. رحل عمرو، لكن ذكراه خلّدت. فارس جمع بين سيف الجاهلية وإيمان الإسلام، بين شعر يتردد في المجالس وسيف يُروى في كتب التاريخ. تاب من ردة عابرة، فحسن إسلامه، ومات شهيدًا في سبيل الله.
رضي الله عنه، وجعله في عليين مع الشهداء والصالحين.
"أخي . اختي في الله نحن نسعى جاهدين لأيصال العلم النافع فلا تبخل علينا بالتفاعل و مشاركة المنشور على حسابك، فكيف تثمر شجرة أنتم لا تسقونها."
إن أتممت القراءة اترك اثراً طيباً تؤجر عليه، سبح، أستغفر، صل على النبي ﷺ
رجلان كانا في زمن مضى، آتاه الله مالاً كثيراً وزرعاً وفيراً، فكان لأحدهما جنتان عظيمتان، تكتنفهما النخيل الباسقات، وتتوسطهما الزرع الخضر، وفجر الله بينهما نهراً يجري بالماء العذب، فكانت الجنتان تدران الثمار كل عام من غير نقص ولا عيب، حتى صار صاحبهما من أثرى الأغنياء.
فبينما هو يمشي في جنتيه يوماً، مختالاً بماله، واثقاً بقوته، إذ جلس يتحدث مع صاحب له كان مؤمناً بالله، فطغت عليه نعمة الله فأنساه المنعم، فقال لصاحبه: أنا أكثر منك مالاً وأعز نفراً، وأنا أعلم أن هذه الجنة لن تهلك أبداً، وما أظن الساعة قائمة، ولو رددت إلى ربي لأجدن خيراً منها منقلباً.
فنظر إليه صاحبه المؤمن وقال له: أكفرت بالذي خلقك من تراب ثم من نطفة ثم سواك رجلاً؟ لكن هو الله ربي ولا أشرك بربي أحداً، وهلا إذ دخلت جنتك قلت: ما شاء الله لا قوة إلا بالله، إن ترن أنا أقل منك مالاً وولداً، فعسى ربي أن يؤتين خيراً من جنتك ويرسل عليها حسباناً من السماء فتصبح صعيداً زلقاً.
فأعرض الغني عن كلام صاحبه، واستكبر بماله، وظن أن الدنيا باقية له.
فلما كان الليل أرسل الله على جنتيه ناراً من السماء، أو ريحاً عاتية، أو سيلاً جارفاً، فجعلها كالأرض الجرداء لا شيء فيها.
وأصبح الرجل الغني في الصباح فإذا جنتاه قد خربتا، وإذا بستانه قد تحول إلى أرض قاحلة لا زرع فيها ولا نخل ولا عنب، وإذا بأعنابه قد تساقطت على الأرض، ونخيله قد انكسرت جذوعه، وإذا هو يقف حيران يقلب كفيه على ما أنفق فيها، وهو يقول: يا ليتني لم أشرك بربي أحداً، وليس له من أنصار ينصرونه من دون الله.
وذلك أن ولاية الله وحده هي الباقية، وأن الثقة بالمال والجاه تذهب كما يذهب السراب، وأن العبد إذا نسي الله أنساه الله نفسه.
فإذا قرأت هذه القصة فتذكر أنك تمشي على أرض لا تملك منها شيئاً، وأنك تتنفس هواء لا تملك منه ذرة