في مكة المكرمة، قبل أن يُهاجر النبي محمد ﷺ، كان رجل من قريش يُدعى
عمر بن الخطاب. كان شديد البأس، عظيم الجاه، فصيح اللسان، وكان من أشد الناس عداوةً للإسلام. فلما سمع أن أخته فاطمة وزوجها سعيد بن زيد قد أسلما، اشتد غضبه، فانطلق إليهما كالليث الغضبان، يجرّ سيفه، وقد عزم في نفسه أن يقتل كل من وجده على دين محمد.
فلما دخل عليهما، وجدهما يقرآن سورة طه، فثار غضبه، وضرب زوج أخته ضربةً أدمته، فصرخت أخته: «يا عمر، إن كنت فاعلاً فاقتلني معه!».
فأخذته رجولة الفارس، فكفّ عن الضرب، وقال: «أعطني هذا الكتاب الذي تقرآن منه».
فقالت أخته: «إنك نجسٌ، ولا يمسّه إلا المطهرون».
فذهب فاغتسل، ثم أخذ الصحيفة، فقرأ: طه ما أنزلنا عليك القرآن لتشقى... فرقّ قلبه، وانهمرت دموعه، وقال: «ما أحسن هذا الكلام وأكرمَه!».
ثم قال: «دلّوني على محمد».
فأخذهما إلى دار الأرقم بن أبي الأرقم، حيث كان النبي ﷺ يجتمع بأصحابه سرًّا. فلما دخل، قال النبي ﷺ: «اللهم أعزّ الإسلام بأحبّ الرجلين إليك: إما بأبي جهل، وإما بعمر بن الخطاب».
فدخل عمر، فقال: «يا محمد، هلمّ بالله، فوالله لا أزال أطلبك حتى أقتلك أو تقتلني».
فقال النبي ﷺ: «وما يمنعك أن تقول خيرًا يا ابن الخطاب؟».
فأسلم عمر في تلك الساعة، وشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا رسول الله.
فلما خرج من الدار، مشى في طرقات مكة، فنادى بأعلى صوته: «أشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا رسول الله».
فتعجبت قريش، وقالوا: «اليوم استُذلّ البيت!».
ومنذ ذلك اليوم، لم يعد المسلمون يدخلون المسجد الحرام خفية، بل دخلوه جهرةً، وصلّوا حول الكعبة، وعمر يحرسهم بسيفه.
---
هذه القصة صحيحة، مروية في السيرة النبوية بأسانيد متعددة، منها ما في الطبقات الكبرى لابن سعد، ودلائل النبوة للبيهقي، والبداية والنهاية لابن كثير، ووافق جمهور أهل العلم على صحتها.
انشرها فإن فيها عبرة لكل من يحمل في قلبه غضبًا، ولعلّه يلين، ولكل من يسير في ظلمة، ولعلّه يهتدي. فكم من عدوٍّ صار وليًّا، وكم من قاتلٍ صار شهيدًا، إذا شاء الله له الهداية. فانشرها رجاء الأجر، واحتسابًا للأجر، فإن الكلمة الطيبة تجري كالماء العذب في قلوب الناس، فلا تموت أبدًا.
