﴿وَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنَا﴾ [الطور: 48].
ما أرقَّ هذه الآية على قلب المتعب..
فليس الوعد هنا بانتهاء البلاء، ولا بتعجيل الفرج، ولا...
﴿وَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنَا﴾ [الطور: 48].
ما أرقَّ هذه الآية على قلب المتعب..
فليس الوعد هنا بانتهاء البلاء، ولا بتعجيل الفرج، ولا بتبدل الأحوال..
إنما بشيء أعظم:
"فإنك بأعيننا"
كأن الله يخبر عبده: ما فاتني ضعفك، ولا غاب عني حزنك، ولا ضاع عندي صبرك..
كم من إنسان يشتد عليه الطريق لأنه يظن أنه يسير وحده..
ولو استقر هذا المعنى في قلبه..
لهان عليه كثير مما يلقى
فليس المهم أن يكون الطريق قصيرًا ..
بل أن يكون تحت نظر الله ورعايته..
هناك ذنوب لا يراها الناس ..
لكنها تأكل القلب ببطء..
شاشة تُغلق سريعًا إذا دخل أحد ..
عادة سرّية .. نظرات محرّمة
أو معصية يظنّ الإنسان أنه وحده يعلمها..
لكن الله يراها..
قال تعالى: ﴿يَعْلَمُ خَائِنَةَ الْأَعْيُنِ وَمَا تُخْفِي الصُّدُورُ﴾
والمشكلة ليست في الذنب وحده ..
بل فيما يتركه وراءه:
ضيقًا في الصدر، وثِقَلًا في القلب، ووَحشةً في الروح، وفقدانًا للذّة الطاعة..
ولهذا ..
ربما كانت أعظم أضحية تقدّمها لله في هذه الأيام..
أن تذبح ذنبًا خفيًا بينك وبين ربك ..
ذنبًا طال بقاؤه ..
واعتادت عليه النفس ..
حتى ظننت أن التخلّص منه مستحيل..
قد تتعب، وقد تحارب نفسك مرارًا،
وقد تسقط ثم تقوم،
لكن كل مجاهدة يراك الله فيها،
وكل دمعة ندم، وكل محاولة صادقة للرجوع إليه ..
لا تضيع عند الله أبدًا..
هل إذا جاء أمر الله .. قدّمنا طاعته على أهوائنا؟ علاقة لا ترضي الله عادة تُضعف الصلاة كسل يؤخّر الطاعة ذنب اعتاده القلب
﴿اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ﴾ ليس الأمر خسارة .. بل تحرير للقلب.
ومن يترك شيئًا لله، يعوّضه الله خيرًا منه.
فتأمّل ..
ما هو “إسماعيل” الذي تحتاج أن تتركه لله؟
🌤 "قد أجبتك"
قوةُ الرجاء في الإجابة تقوى في قلب العبد المؤمن في مواسم الخيرات…
ليس لاعتقاده صلاحًا في نفسه؛
فإن المؤمن يخاف من ذنوبه أن تحول بينه وبين رحمة ربه…
أما في مواسم العطايا كيوم عرفة؛
فقوة الرجاء تتعلق بالزمن نفسه…
إذ هو زمن يعمّ الله بفضله خلقًا كثيرًا،
ويهب فيه مسيئهم لمحسنهم،
ويتجاوز عن مقصّرهم…
فإذا دعوت…
فدع عنك هواجس الموانع،
وتذكّر أنه خير يوم طلعت فيه الشمس!
فكيف يمرّ دون أن ينالك خيره؟!
سيجيبك الله في جملة الملايين…
ويعطيك الله مثلما يعطي الصالحين…
فإذا كان أربعة أو خمسة من الصالحين
لا يشقى بهم جليس خامس…
فكيف تشقى اليوم؟!
ويدك مرفوعة مع مئات الملايين،
فيهم ملايين من العباد والصالحين والأخيار وأولياء الله.
فيا لها من عشية…
كأن الله يقول لك: قد أجبتك يا مسيء معهم…
فالمرجوّ أكرم كريم ﷻ
ليس كل من أطال الوقوف .. وصل
قال ابن القيم: "العمل بغير إخلاص ولا اقتداء كالمسافر يملأ جرابه رملًا يثقله ولا ينفعه."
ومشكلة بعض السائرين إلى الله ..
قد ينشغلون بكثرة العمل
وينسون حال القلب أثناء العمل !
فيعتاد الطاعة، ويألف المواسم، ويصبح كل شيء مألوفًا: القرآن، والدعاء، والتكبير، حتى البكاء أحيانًا.
وهنا يبدأ الخطر الحقيقي:
أن يتحول السير إلى الله
إلى “عادة صالحة” بلا روح.
ولهذا كان السلف يخافون من قبول العمل، أكثر مما يفرحون بالقيام به..
لأن القضية ليست: كم عملت؟
بل: كم كان الله حاضرًا في قلبك وأنت تعمل؟
من علامات السير الحقيقي إلى الله ، أن يزداد العبد شعورًا بحاجته إليه..
لا يرى نفسه قويًا بطاعته، ولا ثابتًا بنفسه ..
بل يعلم أن قلبه بين أصبعين من أصابع الرحمن..
كان النبي ﷺ يكثر أن يقول: "يا مقلب القلوب ثبّت قلبي على دينك."
وهو النبي ﷺ .. فكيف بنا نحن؟
المؤمن الصادق لا يعتمد على اجتهاده ..
بل يعيش دائمًا بين الخوف والافتقار والدعاء..
لأنه يعلم أن الثبات ليس ذكاءً، ولا قوة شخصية ..
بل رحمة من الله يؤتيها من يشاء..
ولهذا .. كلما عرفت الله أكثر، عرفت ضعفك أكثر
°°
يظلُّ بَابُ الله الأمَان الوَحيد الثَّابِت إذَا انهَارت عنك الأمانات يومًا، والذي يَحتَملُ اتِّكاءَك إليه، واستِنادَك بثُقل قلبِك كلمَا ضاقت بكَ الأرض، أو ضَاقت بِك نفسُك، ولا يزالُ كَرمُ الله وعطَاؤه اللُّطف الوَحيد إذا انتهَت كُل الألطَاف من حَولِك، ولا يَزال الأُنس بالله مَلاذَ المؤمن الوَحيد إذا استوحَشَت نَفسه من الدُنيا".
إنّهُ لُطف الله..
ذلك اللطف الذي يأتيك في أشدّ لحظاتك ثِقلًا، حين تظن أنّ قلبك لم يعُد يحتمل، فيُرسل الله إلى روحك سكينةً خفيّة، وطمأنينةً تُهدّئ ضجيج ما بداخلك، فتشعر وكأن شيئًا لطيفًا رُتّب لك من السماء.
قد يأتي لطفه في كلمة، أو دعوة، أو موقفٍ عابر، لكنه يترك في قلبك أثرًا كبيرًا، وكأن الله يُخبرك بلطفه: "أنا معك".
فيُهوّن عليك ما أثقلك، ويجعل بعد العسر سعة، وبعد التعب راحة، وبعد الخوف أمانًا.
إنّه الحليم الكريم، الذي لا يترك عباده وحدهم وسط أعبائهم، بل يُرسل رحماته بين ثنايا الأيام، لتبقى قلوبهم قادرة على الاستمرار.
فالحمد لله على لطفه الخفي، الذي يُرمّمنا كلما أوشكنا على الانكسار.
في يوم عاشوراء، وبينما كانت السيوف تحصد الرجال من أصحاب الإمام الحسين عليه السلام وأهل بيته، وقف شابٌ لم يتجاوز الرابعة عشرة من عمره يراقب المشهد بقلبٍ يتوق إلى اللحاق بركب الشهداء.
إنه القاسم بن الحسن بن علي بن أبي طالب، حفيد أمير المؤمنين، وابن سبط رسول الله ﷺ.
تقدَّم القاسم إلى عمه الإمام الحسين عليه السلام يستأذنه في القتال، لكن الحسين تردد. كيف يسمح لشابٍ غضّ الإهاب، لم تكتمل سنوات عمره بعد، أن يندفع إلى ساحةٍ تموج بالموت من كل جانب؟
ألحَّ القاسم في الطلب، حتى أذن له عمه.
خرج القاسم إلى ساحة القتال ثابت الجنان، وقد رُوي أنه كان يرتدي نعلاً انقطع شسعه أثناء المعركة، فانشغل بإصلاحه لحظةً وسط صليل السيوف، فرآه أحد جنود جيش الشقاء والعدوان، فهجم عليه بضربةٍ غادرة أسقطته على أرض كربلاء.
وفي لحظاته الأخيرة، ارتفع صوته مستغيثًا:
"يا عمّاه!"
فانطلق الإمام الحسين عليه السلام نحو موضعه، وشق الصفوف حتى وصل إليه، لكن الوقت كان قد فات.
احتضن الحسين ابن أخيه، وجعل يمسح التراب عن وجهه، وهو يقول في لوعةٍ تمزق القلوب:
"عزَّ والله على عمك أن تدعوه فلا يجيبك، أو يجيبك فلا ينفعك صوته."
رحل القاسم شابًا في مقتبل العمر، لكنه ترك خلفه قصةً خالدة تتناقلها الأجيال، قصة فتى رأى الموت مع الحق أشرف من حياةٍ في ظل الباطل.
سلامٌ على القاسم بن الحسن يوم وُلد، ويوم استُشهد في كربلاء، ويوم يُبعث حيًّا.
في يوم اليرموك المشهود، حيث التقت أمة الإيمان بأمة الروم في أشد معارك التاريخ ضراوة، وقف الفرسان المسلمون يتأملون صفوف العدو المكتظة كأنها جبال من حديد، فالتفتوا إلى الزبير بن العوام رضي الله عنه، ذلك الأسد الذي لا يعرف الخوف طريقاً إلى قلبه، وقالوا له ألا تحمل يا أبا عبد الله فنحمل معك أي ألا تشن هجوماً على قلوب الروم فنتبعك ونهجم معك، فنظر إليهم الزبير بنظرة الفارس الذي يعرف قدر الرجال ثم قال بثقة تخالطها الشفقة عليهم إنكم لا تثبتون في مثل هذه الهجمة، فقالوا بلى يا أبا عبد الله نحن معك حتى النهاية، فما كان منه إلا أن هز عنانه واستل سيفه الذي عُرف به بين الأبطال وصاح الله أكبر، فانطلق كالسهم نحو صفوف الروم وانطلقوا معه يظنون أنهم سيكونون عند الوعد، لكن ما إن بلغوا أولى صفوف العدو حتى ارتدوا إلى الوراء وقد صدهم كثرة الروم وحديدهم، أما الزبير فلم يلتفت ولم يتردد بل واصل طريقه وحده كأنه إعصار لا يوقفه شيء، فاخترق جموع الروم من جانبهم الأيمن بسيفه يضرب هنا ويطعن هناك والدماء تتطاير من حوله والسيوف تتكسر على درعه، حتى خرج من آخر صفوفهم سالماً معافى كأنما مر بينهم كالريح، فوقف للحظة ينظر إلى أصحابه ثم عاد أدراجه واقتحم من جديد صفوف الروم وكأنه يكرر درساً في البطولة لا يمل منه، وهكذا فعل مراراً يخترق الجيش الرومي من طرف إلى طرف ويعود كالنسر المصقول لا يصيبه سوء، حتى صار الزبير بن العوام في ذلك اليوم مضرب المثل في الشجاعة والإقدام التي لا تضاهى، وتناقل الناس خبره بين الصفوف يتعجبون كيف لرجل واحد أن يفعل ما تعجز عنه جيوش، فسبحان من منحه القوة والإيمان وجعله فارساً يذكر إلى يوم الدين.
اكتب الآن: اللهم صلِّ على سيدنا محمد ﷺ
❤
صدقة جارية لك.
محاولة قتل النبي ﷺ... واحدة من أخطر المؤامرات في التاريخ الإسلامي، لم يدبرها أعداءٌ خارج الصفوف، بل رجالٌ أظهروا الإسلام وأبطنوا غيره. وفي طريق العودة من غزوة تبوك، عند ممر جبلي ضيق يُعرف بالعقبة، وقعت تلك الحادثة التي حفظ الله فيها نبيه ﷺ من كيد المتآمرين.
كان ذلك في طريق العودة من غزوة تبوك، في السنة التاسعة للهجرة. وقد أنهى المسلمون رحلةً شاقةً من أعسر رحلاتهم العسكرية، تحملوا فيها حرارة الصحراء، وقلة الزاد، وطول المسافة، حتى سُمِّي جيشهم بجيش العُسرة.
وبينما كان الركب يشق طريقه عائدًا إلى المدينة المنورة، وصل إلى ممر جبلي ضيق وخطر يُعرف بالعقبة. وهناك أمر النبي ﷺ عامة الجيش أن يسلكوا بطن الوادي الواسع، بينما اختار هو أن يعبر العقبة مع نفر قليل من أصحابه.
وكان معه في تلك الليلة الصحابي الجليل حذيفة بن اليمان رضي الله عنه، والصحابي عمار بن ياسر رضي الله عنه.
حلّ الظلام، وسكنت الأصوات، ولم يبقَ إلا صدى خطوات الرواحل بين الجبال.
وفي ذلك الوقت، كانت جماعة من المنافقين قد أعدت مؤامرةً خطيرة. تلثموا وأخفوا وجوههم حتى لا يُعرفوا، ثم تسللوا في جنح الليل نحو العقبة. وكان هدفهم أن يفزعوا ناقة النبي ﷺ أو يدفعوها في ذلك الطريق الجبلي الضيق، فيسقط في الوادي، وتُطوى صفحة الدعوة الإسلامية بقتل صاحبها.
لكن الله سبحانه وتعالى الذي تكفل بحفظ نبيه لم يترك المؤامرة تكتمل.
فقد أطلع الله رسوله ﷺ على ما دبره أولئك المتآمرون. وما إن اقتربوا حتى أمر النبي ﷺ حذيفة بن اليمان أن يردهم عنه.
فانطلق حذيفة رضي الله عنه نحوهم بشجاعة، يضرب وجوه رواحلهم بعصاه ويصيح فيهم. وفجأة أدرك المتآمرون أن أمرهم قد انكشف، وأن النبي ﷺ علم بما يخفون.
عندها دب الرعب في قلوبهم، فتفرقوا مسرعين في ظلام الليل، وعادوا يختلطون بصفوف الجيش كأن شيئًا لم يكن.
وهكذا فشلت أخطر محاولة لاغتيال النبي ﷺ.
ولم يكتفِ النبي ﷺ بإحباط المؤامرة، بل أخبر حذيفة بن اليمان بأسماء أولئك المنافقين، فصار حذيفة يُعرف بين الصحابة بصاحب سر رسول الله ﷺ. وكان عمر بن الخطاب رضي الله عنه يراقب موقف حذيفة من بعض الجنائز، فإن صلى على رجل صلى عليه، وإن تركه تركه، لما يعلم من خصوصية العلم الذي أودعه النبي ﷺ عنده.
وقد ثبت أصل هذه الحادثة في صحيح مسلم وغيره من كتب السنة، وهي من أوضح الشواهد على أن النفاق لم يكن مجرد خلاف في الرأي أو ضعف في الإيمان، بل بلغ ببعض أصحابه إلى التفكير في اغتيال رسول الله ﷺ نفسه.
ويرى جمع من المفسرين أن قول الله تعالى:
﴿وَهَمُّوا بِمَا لَمْ يَنَالُوا﴾ [التوبة: 74]
يدخل فيه ما وقع في حادثة العقبة، إذ همّ المتآمرون بأمر عظيم، لكن الله أحبط كيدهم، وردّ مكرهم في نحورهم.
لقد انتهت تلك الليلة كما بدأت؛ ظلامٌ يلف الجبال، لكن الفرق أن المتآمرين عادوا يجرون أذيال الفشل، بينما واصل النبي ﷺ طريقه محفوظًا بعناية الله، مصداقًا لقوله سبحانه:
وبقيت حادثة العقبة شاهدًا تاريخيًا على أن أخطر الأعداء قد لا يكونون دائمًا خارج الصفوف، بل قد يختبئون بين الناس، حتى يأتي اليوم الذي يفضح الله فيه ما أخفوه في صدورهم.
هو الإمام الحسين بن علي بن أبي طالب رضي الله عنهما، سبط رسول الله ﷺ، وابن السيدة فاطمة الزهراء رضي الله عنها، وريحانة النبي من الدنيا. كان رسول الله ﷺ يحمله ويضمه ويقبله أمام الناس، ويقول: «حسين مني وأنا من حسين، أحب الله من أحب حسينًا». وهو سيد شباب أهل الجنة بشهادة النبي ﷺ.
لكن لهذا القلب الطاهر الذي تربى في حجر النبوة، كُتبت مأساة أبكت السماء والأرض، وظلت جرحًا نازفًا في ضمير الأمة إلى يومنا هذا.
لقد أخبر جبريلُ النبيَّ ﷺ بما سيقع للحسين، وأراه تربة الأرض التي سيُقتل فيها. فبكى رسول الله ﷺ، وكيف لا يبكي وهو يرى بعين النبوة مصير سبطه وحبيبه؟
ثم دارت الأيام...
حتى جاء يوم كربلاء.
هناك وقف سيدنا الحسين رضي الله عنه، حفيد رسول الله ﷺ، في ثلة قليلة من أهل بيته وأصحابه، أمام آلاف السيوف والرماح. لم يكن خارجًا لظلم، ولا طالبًا لملك، ولا ساعيًا لدنيا، وإنما كان ثابتًا على ما يراه حقًا.
فحاصروه.
ثم منعوا عنه الماء.
ومنعوا الماء عن الأطفال والنساء.
وأحاطوا به من كل جانب.
ثم انقضوا عليه بالسيوف والرماح انقضاض الذئاب على الفريسة، حتى سقط سبط رسول الله ﷺ شهيدًا مضرجًا بدمائه على تراب كربلاء.
يا لها من جريمة!
أي قلب يطيق أن يتخيل أن يُقتل حفيد النبي ﷺ بهذه الصورة؟
وأي مصيبة أعظم من أن تمتد الأيدي الآثمة إلى ابن السيدة فاطمة، الذي كان رسول الله ﷺ يضمه إلى صدره ويقبله بين عينيه؟
لقد خسر القتلة دنياهم وآخرتهم، وحملوا عارًا لا يمحوه الزمن. وما زال المسلمون عبر القرون يذكرون الحسين بالمحبة والترحم والإجلال، ويذكرون قاتليه بالخزي وسوء الذكر.
رحم الله الحسين رحمة واسعة، ورضي عنه وأرضاه، ولعن الله من باشر قتله وظلمه وعدوانه، ومن استحل دمه الشريف أو رضي بجريمته، وجعل ذكراه منارة للحق والكرامة والصبر على الظلم.
سلام على الحسين يوم ولد، ويوم استشهد مظلومًا، ويوم يبعث حيًا.
كانت غزوة الخندق (الأحزاب) ساعة عسيرة على المسلمين. حاصرتهم قبائل العرب من كل جانب، والبرد والجوع ينهكانهم. الخندق الذي حفروه كان عائقاً كبيراً، لكن في لحظة حاسمة، استطاع الفارس العربي الأسطوري، "عمرو بن عبد ود العامري"، الذي يعادل بألف فارس، أن يجد ثغرة ويقفز جواده عبر الخندق إلى جانب المسلمين.
وقف عمرو يتبختر بكبريائه وطول قامته، وينادي بملء فيه: "هل من مبارز؟". صمت المسلمون رعباً؛ فعمرو لا يُهزم. وقف الشاب علي بن أبي طالب وقال: "أنا له يا رسول الله". أجلسه النبي خوفاً عليه لصغر سنه. كرّر عمرو النداء ساخراً، فوقف علي ثانية، وثالثة، والنبي يجلسه.
في المرة الثالثة، سمح له النبي، وألبسه درعه وعممه.
مشى علي نحو العملاق عمرو بثبات وثقة. سخر عمرو من صغر سن علي، لكن علي أجابه بيقين المؤمن. دارت معركة شرسة، واختفى الفارسان وسط غبار كثيف. لم يسمع المسلمون سوى تكبيرة علي المدوية "الله أكبر".
عندما انقشع الغبار، كان علي يمشى مبتسماً، ورأس عمرو بن ود تحت قدميه. قال النبي (ص) كلمته الشهيرة: "ضربة علي يوم الخندق أفضل من عبادة الثقلين"
كيف حُرِّمت الخمر في الإسلام؟ رحلة التشريع الحكيم من التدرج إلى التحريم القاطع
لم يأتِ تحريم الخمر في الإسلام دفعةً واحدة، بل جاء على مراحل متدرجة راعت ما ألفه الناس من عادات وما استقر في نفوسهم من طباع، حتى انتهى الأمر بتحريمها تحريماً قاطعاً، فاستجابت الأمة استجابةً ضربت أروع الأمثلة في الطاعة والانقياد.
بادر عدد من الصحابة إلى تركها دون انتظار التحريم القاطع، ومن أشهرهم عثمان بن عفان رضي الله عنه، إذ رأى أن ما غلب إثمه على نفعه لا يليق بالمؤمن أن يتعلق به.
وهنا مشهد الطاعة الخالد
ويروي أنس بن مالك رضي الله عنه تفاصيل ذلك اليوم العظيم فيقول:
وفي رواية أخرى قال أنس رضي الله عنه: «فما راجعوها، ولا سألوا عنها بعد منادي رسول الله ﷺ».
هكذا استجاب الصحابة لأمر الله فور سماعه، فلم يترددوا ولم يؤجلوا التوبة، بل أعلنوا بلسان الحال والمقال: انتهينا يا رب، سمعنا وأطعنا. فكانت طاعتهم نموذجاً خالداً لكل مؤمن يريد رضا الله تعالى والفوز برحمته.
إن أتممت القراءة اترك اثراً طيباً تؤجر عليه، سبح، أستغفر، صل على النبي ﷺ.
_________
عندما كان النبي ﷺ صغيرًا، خرج مع عمه أبي طالب إلى الشام، وخرج معه أشياخ من قريش. فلما أشرفوا على راهب يُقال له بحيرا، وكان من علماء أهل الكتاب، نزلوا بالقرب منه وحلّوا رحالهم.
فجعل هذا الراهب يدخل بينهم حتى جاء فأخذ بيد النبي ﷺ وقال: «هذا سيد العالمين، هذا رسول رب العالمين، يبعثه الله رحمةً للعالمين».
فقال له أشياخ قريش: «ما علمك؟»
فقال: «إنكم حين أشرفتم من العقبة لم يبقَ شجر ولا حجر إلا خرَّ ساجدًا، ولا يسجدان إلا لنبي، وإني أعرفه بخاتم النبوة أسفل من غضروف كتفه مثل التفاحة».
ثم رجع فصنع لهم طعامًا، فلما أتاهم به، وكان النبي ﷺ يرعى الإبل، قال الراهب بحيرا: «أرسلوا إليه».
فأقبل النبي ﷺ وعليه غمامة تظلّه، فلما دنا من القوم وجدهم قد سبقوه إلى فيء الشجرة، فلما جلس مال فيء الشجرة عليه، فقال الراهب: «انظروا إلى فيء الشجرة، مال عليه»
المصدر: سنن الترمذي، كتاب المناقب، باب ما جاء في بدء نبوة النبي ﷺ.
عن أم معبد الخزاعية رضي الله عنها قالت: "بقيت الشاة التي لمس رسول الله صلى الله عليه وسلم ضرعها عندنا حتى كان زمان الرمادة، وكنا نحلبها صبوحا وغبوقا، وما في الأرض قليل ولا كثير"
قال هشام بن حبيش: "أنا رأيت الشاة وإنها لتأدم أم معبد وجميع صِرمتها" أي أهل ذلك الماء.
وكان عام الرمادة سنة ١٨ للهجرة في خلافة سيدنا عمر بن الخطاب رضي الله عنه، أي أن تلك الشاة بقيت تحلب لهم ثمانية عشر عاما ببركة رسول الله ﷺ، وتسقي أهل أم معبد رضي الله عنها ومن حولها من قومها.
اللهم إنا لم نشهد نبيك ﷺ، وآمنا به وصدقناه واتبعناه، فاللهم لا تحرمنا بركة الإيمان به ﷺ وبركة محبته واتباعه.
إن أتممت القراءة اترك اثراً طيباً تؤجر عليه، سبح، أستغفر، صل على النبي ﷺ.
_________
من أحداث شهر الله المحرم في السنة السابعة للهجرة: رؤيا عيينة بن حصن وفتح خيبر
في شهر الله المحرم من السنة السابعة للهجرة، وقعت أحداث عظيمة كان من أبرزها فتح خيبر، ذلك الفتح الذي أظهر الله به نبيه ﷺ وأعز به الإسلام.
ومن الأخبار العجيبة المرتبطة بهذا الفتح ما رُوي عن عيينة بن حصن الفزاري قبل إسلامه؛ إذ رأى في منامه أنه أُعطي جبلًا من جبال خيبر يُسمى "ذا الرقبة"، فاستبشر بالرؤيا وقال لقومه: «إني رأيت الليلة في المنام أني أُعطيت ذا الرقبة، وقد والله أخذت برقبة محمد»، يظن أن الرؤيا بشارة له بالغلبة على رسول الله ﷺ.
لكن مشيئة الله كانت غير ما ظن.
فما هي إلا أيام حتى خرج رسول الله ﷺ إلى خيبر، ففتحها الله على يديه، وسقطت حصون اليهود تباعًا، وارتفع لواء الإسلام فوق تلك الأرض التي طالما استعصت على المسلمين.
وحين قدم عيينة بن حصن بعد الفتح، قال للنبي ﷺ: «يا محمد، أعطني مما غنمت من حلفائي، فإني انصرفت عنك وعن قتالِك». فقال له رسول الله ﷺ: «لك ذو الرقبة».
فتعجب عيينة وقال: «وما ذو الرقبة؟»
فقال له النبي ﷺ: «الجبل الذي رأيت في المنام أنك أُعطيته».
فوقف عيينة مدهوشًا؛ إذ أخبره النبي ﷺ بأمر رؤياه التي لم يطلع عليها أحد من الناس، فكانت آية ظاهرة ودليلًا جديدًا على صدق نبوته ﷺ.
ثم انصرف عيينة إلى قومه، فلقيه الحارث بن عوف، فقال له: «أما قلت لك إنك تضع أمرك في غير موضعه؟! والله ليظهرن محمد على ما بين المشرق والمغرب».
ثم ذكر له ما كان يسمعه من يهود خيبر أنفسهم عن أوصاف النبي المنتظر، فقال: لقد سمعت أبا رافع سلام بن أبي الحقيق يقول:
««إنا لنحسد محمدًا على النبوة إذ خرجت من بني هارون، وإنه لنبي مرسل، ولكن يهود لا تطاوعني على هذا».»
وسأله الحارث: «أيملك الأرض كلها؟»
فقال: «نعم، هكذا نجد ذلك في التوراة».
وهكذا شهد أعداؤه قبل أوليائه بما وجدوه من أوصافه في كتبهم، مصداقًا لقول الله تعالى:
لقد كان فتح خيبر صفحةً من صفحات النصر الإلهي، وفي طياته شواهد كثيرة على صدق رسالة النبي ﷺ، حتى إن الرؤى التي ظنها أصحابها بشاراتٍ لأنفسهم جعلها الله حجةً عليهم ودليلًا على تأييده لنبيه الكريم.
يروي الصحابي الجليل أنس بن مالك رضي الله عنه أن رجلاً كان جالسًا عند رسول الله ﷺ، فمرَّ بهم رجل، فقال الجالس:
«يا رسول الله، إني لأحب هذا الرجل.»
فقال له النبي ﷺ، معلِّمًا ومرشدًا:
«أأعلمتَه؟»
قال: لا.
فقال ﷺ:
«أعلِمْه.»
فنهض الرجل مسرعًا إلى صاحبه، وقال له:
«إني أحبك في الله.»
فأجابه الآخر:
«أحبك الذي أحببتني له.»
ما أروع هذا الموقف، وما أعظم ما يحمله من معانٍ نبيلة! فقد علَّمنا رسول الله ﷺ ألا تبقى مشاعر المودة الصادقة حبيسة القلوب، بل تُعبَّر عنها بالكلمة الطيبة التي تؤلف بين النفوس وتزيد المحبة وترسخ أواصر الأخوة.
كم من إنسان نُكنُّ له التقدير والمحبة؛ لصلاحه، أو حسن خلقه، أو فضلٍ أسداه إلينا، ومع ذلك لا نخبره بما نحمله له من مشاعر طيبة. فجاءت السنة النبوية لتعلِّمنا أن إظهار المحبة في الله من أسباب زيادة الألفة، وتقوية الروابط الإيمانية بين المؤمنين.
إن كلمة صادقة مثل: «إني أحبك في الله» قد تشرح صدرًا، وتدخل السرور على قلب، وتفتح بابًا من الدعاء والمودة لا يُقدَّر بثمن.
لذلك، إذا كان في حياتك أخٌ صالح، أو صديقٌ كريم، أو إنسانٌ رأيت فيه الخير والاستقامة، فلا تبخل عليه بالكلمة الطيبة، وأخبره بمحبتك له في الله.
قلها اليوم: «إني أحبك في الله.»
فلعل كلمةً يسيرةً تُدخل الفرح إلى قلب أخيك، وتكون سببًا في محبةٍ خالصةٍ يجمع الله أصحابها تحت ظل عرشه يوم لا ظل إلا ظله.