لم يكن يومُ غزوة (أحد) يومَ إنتصارٍ للمشركين ، ولا يومَ هزيمةٍ للمؤمنين ... بل كان يومًا أراد الله أن يكشف فيه معادن الرجال ، وأن يُظهر للعالم مقدار ما...
لم يكن يومُ غزوة (أحد) يومَ إنتصارٍ للمشركين ، ولا يومَ هزيمةٍ للمؤمنين ... بل كان يومًا أراد الله أن يكشف فيه معادن الرجال ، وأن يُظهر للعالم مقدار ما تحمَّله رسولُ الله ﷺ في سبيل تبليغ هذا الدين.
وسط غبار المعركة ، وصليل السيوف ، وصيحات المقاتلين ... كان رسول الله ﷺ ثابتًا في الميدان ، يقاتل بين أصحابه ، لا يفرُّ ، ولا يتراجع ، وهو يدعو الناس إلى عبادة الله وحده.
وفي الجهة الأخرى .. كان يقف رجلٌ امتلأ قلبه حقدًا ، هو "أبو عامر الراهب" ، الذي سماه رسول الله ﷺ بعد ذلك بـ (الفاسق).
ولم يكتفِ بقتال المسلمين ، بل أخذ يحفر حُفَرًا خفيةً في أرض المعركة ؛ لتكون مصائد يسقط فيها المؤمنون.
ثم جاءت اللحظة ... رُمي رسول الله ﷺ بحجرٍ من المشرك "عتبة بن أبي وقاص" ، فأصاب وجهه الشريف ، فكُسرت رباعيته ، وشُجَّ وجهه المبارك ، ثم وقع النبي ﷺ في إحدى تلك الحفر.
وفي غمرة الهجوم ، تقدم المشرك "عبد الله بن شهاب الزهري" ، فضرب النبي ﷺ على رأسه ، فدخلت حلقتان من المغفر في وجنتيه الشريفتين ، وسال الدم الطاهر على وجه خير الخلق.
أيُّ قلبٍ يحتمل هذا المشهد؟!
نبيُّ الرحمة .. الذي أخرج الناس من الظلمات إلى النور ، يقف الآن مثخنًا بالجراح ، ودمه الشريف يسيل في سبيل الله.
لكـن أصـحـاب النبـي ﷺ ، لـم يكـونـوا رجـالًا يعـرفـون التـراجـع ... كـان أول مـن اندفـع إليـه "علي بن أبي طالب" ، فأخـذ بيد رسـول الله ﷺ حـتى أعانه علـى الخـروج مـن الحـفـرة.
وأسرع "أبو بكر الصديق" ، ومعه "أبو عبيدة بن الجراح" ، وقد رأيا الحلقتين المغروستين في وجه رسول الله ﷺ.
وقف "أبو عبيدة" لحظة ... ثم أدرك أنه لا سبيل إلى إخراجهما إلا بأسنانه ، فأمسك الحلقة الأولى، وجذبها بكل قوته ، فسقطت إحدى ثنيتيه ، ولم يتردد ، أمسك الثانية ، وجذبها مرةً أخرى ، فسقطت ثنيته الأخرى.
خرجت الحلقتان ، وبقيت أسنان "أبي عبيدة" ثمنًا زهيدًا في سبيل إنقاذ وجه رسول الله ﷺ.
وفي تلك الأثناء ، أقبلت "فاطمة بنت محمد" مسرعةً ، تغسل الدم عن وجه أبيها ، لكن الدم لم يتوقف ، فأخذت قطعةً من حصير ، فأحرقتها ، ثم وضعت رمادها على الجرح ، حتى هدأ النزيف بإذن الله.
ورغم الألم ، ورغم الجراح ، ورغم أن وجهه الشريف قد شُجَّ ، ورباعيته كُسرت ... لم يدعُ رسول الله ﷺ لنفسه ، ولم يطلب إنتـ ـقامًا ، بل قال وهو يمسح الدم عن وجهه: «كيف يفلح قومٌ شجُّوا نبيَّهم ، وكسروا رباعيته ، وهو يدعوهم إلى الله؟».
ما أقسى أن يقرأ الإنسان حكم الله في أبيه أو أمه أو أقرب الناس إليه ... ثم يخضع له بقلبٍ راضٍ ، لأنه يعلم أن الحق أحق أن يُتَّبع.
هكذا صنع الجيل الذي ربّاه رسول الله صلى الله عليه وسلم.
- كان "خالد بن الوليد" رضي الله عنه يتلو الآيات التي نزلت في أبيه "الوليد بن المغيرة" ، ومنها قوله تعالى: ﴿كَلَّا إِنَّهُ كَانَ لِآيَاتِنَا عَنِيدًا سَأُرْهِقُهُ صَعُودًا﴾.
لم تمنعه رابطة الأبوة من التسليم لحكم الله.
- وكان "عكرمة بن أبي جهل" رضي الله عنه ، ابنَ فرعون هذه الأمة ، يقرأ الآيات التي نزلت في ذم أبيه ، ومنها: ﴿أَرَأَيْتَ الَّذِي يَنْهَى عَبْدًا إِذَا صَلَّى﴾.
فلم يعترض ، ولم يستنكر ، بل علم أن الميزان هو الإيمان ، لا النسب.
- ومن أبناء "أبي لهب" من أسلم ، كـ "دُرَّة بنت أبي لهب" رضي الله عنها ، كانوا يقرؤون ما نزل في أباهم دون إنكار: ﴿تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ﴾.
إلا أنهم كانوا يدركون أن النجاة بالطاعة ، وأن الهلاك بالكبر والكفر ، لا بالإنتساب.
- وكان "عبد الله بن عبد الله بن أُبيّ بن سلول" رضي الله عنه ، أبوه رأس المنافقين ، ومع ذلك قال للنبي ﷺ:
«يا رسول الله ، إن كنت فاتلًا أبي ، فمُرني انا بذلك ، فإني أخشى أن يقتله غيري فلا أصبر».
فقدَّم ولاء الإيمان على ولاء النسب.
- وأما "مصعب بن عمير" رضي الله عنه ، فقد ترك نعيم مكة وثروتها بعد إسلامه ، وصبر على أذى أمه وأهله ، ولما أُسر أخوه يوم (بدر) قال: «شدوا وثاقه ، فإن أمه ذات متاع ، لعلها تفديه».
لأن ميزان الإسلام لا يعرف المحاباة.
- وكان "أبو عبيدة بن الجراح" رضي الله عنه يقاتل أباه يوم (بدر) بعدما ألحَّ عليه في القتال ، فكان من الذين مدحهم الله بقوله: ﴿لَا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ...﴾.
وقال فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن لكل أمة أمينًا ، وأمين هذه الأمة "أبو عبيدة بن الجراح"».
- وأما "سعد بن أبي وقاص" رضي الله عنه ، فقد أقسمت أمه أن تمتنع عن الطعام والشراب حتى يترك الإسلام ، فقال لها: «والله يا أُمَّه ، لو كانت لك مائة نفس ، فخرجت نفسًا نفسًا ، ما تركت ديني».
فأنزل الله: ﴿وَإِنْ جَاهَدَاكَ عَلَى أَنْ تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلَا تُطِعْهُمَا﴾.
- وأما "عبد الله بن مسعود" رضي الله عنه ، فقد جهر بالقرآن في مكة ، فضربه أقاربه المشركون حتى أدموه ، ولم تمنعه قرابة ولا عشيرة من إعلان الحق ، فكان من أوائل من صدع بالقرآن علنًا.
وغيرهم الكثير من الصحابة ..
لم يقولوا: «كيف نتلو قرآنًا يتوعَّد آباءنا؟» ... ولم يحاولوا تغيير الحق ليرضي عاطفتهم.
بل قدَّموا محبة الله ورسوله ﷺ على كل رابطة ، وجعلوا العقيدة فوق النسب ، والحق فوق العاطفة.
واليوم ..
حين ضعفت عقيدة الولاء لله ، وارتفعت العصبيات القومية والحزبية والقبلية ، أصبح كثيرون ينصرون الباطل لأنه من قومهم ، ويدافعون عن المخطئ لأنه من جماعتهم ، ويجعلون رابطة الدم أو الهوية مقدمة على رابطة الإيمان والحق.
ثلاثة خلفاء .. وثلاث جرائم إغـ ـتيال ..
لكن النتيجة كانت مختلفة تمامًا:
لم يكن إستشهاد الخلفاء الراشدين مجرد أحداث عابرة ، بل كانت فواجع عظيمة أصابت الأمة في أعز رجالها ، أولئك الذين حملوا راية الإسلام بعد رسول الله ﷺ ، وأقاموا العدل ، ونشروا الدين ، وضحّوا بأنفسهم في سبيل الله.
استُشهد الخليفة "عمر بن الخطاب" رضي الله عنه بطعـ ـنة غادرة من "أبو لؤلؤة المجوسي" ، وهو قائم يصلي بالناس في صلاة الفجر.
واستُشهد الخليفة "عثمان بن عفان" رضي الله عنه بعدما حاصر المتمردون داره وقـ ـتلوه وهو يتلو القرآن ، بتحريض من "عبد الله بن سبأ" ، الذي كان سبباً في تأجيج الفتنة كما ذكر عدد من أهل العلم والمؤرخين.
واستُشهد الخليفة "علي بن أبي طالب" رضي الله عنه بضربة سيفٍ مسموم وجّهها إليه "عبد الرحمن بن ملجم" ، اثناء خروجه لصلاة الفجر.
ثلاثةً من أعظم قادة الإسلام ، وخير هذه الأمة بعد نبيها صلى الله عليه وسلم ، قُتلوا غدرًا ..!!
ومع ذلك .. لـم يشق الصحابة ثيابهـم ، ولم يلطموا خدودهـم ، ولـم يضربـوا أجسادهـم بالسلاسل والسيـوف ، ولـم يجعـلوا مـن هـذه الفواجـع مواسم حـزنٍ تتكـرر كل عـام.
لأنهم أدركوا أن الصبر عبادة ، وأن الرضا بقضاء الله إيمان ، وأن البدع لا تُحيي الذكرى ، بل تُميت السنن.
لذلك ، بقي الإسلام كما أنزله الله .. دينًا يدعو إلى الصبر والإحتساب ، لا إلى الجزع والإبتداع.
ومـع عِظـم هـذه الأحـداث ، لـم يجـعلها أهـل السنـة سببًا لمـواسـم الحـزن الدائـم ، ولا أقامـوا لها مـواكب لطـمٍ ونـواح ، ولـم يورّثوا أبناءهـم الأحـقـاد والثـارات جـيلاً بـعـد جـيل.
لقد أحبوا أصحاب رسول الله ﷺ أعظم الحب ، وترضَّوا عنهم ، وترحمـوا عليهم ، واقتفوا أثرهـم ... دون غلـو ، ودون إبتداع ، ودون أن تتحـول المصيبة إلى شعائر دينية لم يأذن بها الله.
على إمتداد قرونٍ طويلة ، لم تكن الشام مجرد بقعةٍ على خريطة العالم الإسلامي ، بل كانت حصنًا منيعًا للعلم والإيمان ، ومنارةً أشرقت منها أنوار السُّنَّة إلى الآفاق.
في مساجد (دمشق) ، وفي مدارسها ، وعلى منابرها ، وبين أزقتها العتيقة ، نشأ علماءٌ ومحدثون حفظوا ميراث النبوة ، وذبّوا عن الكتاب والسُّنَّة ، ونقلوا علوم السلف للأجيال جيلاً بعد جيل.
ومن أرض الشام ، أو ممن إستقر فيها من أعلام الإسلام ، برزت أسماءٌ خالدة سطرتها كتب التاريخ بماء الذهب:
"تميم بن أوس الداري" رضي الله عنه:
الصحابي الجليل الذي إختار الشام موطنًا له بعد الفتوحات ، وكان من أوائل من وعظوا الناس وذكّروهم بسنن رسول الله ﷺ وآثاره .. توفي سنة (40ه).
أبو الدرداء رضي الله عنه:
فقيه (دمشق) وقاضيها ، وأحد كبار أصحاب رسول الله ﷺ ، نشر العلم والزهد في الشام ، وربّى أجيالًا على التمسك بالوحي وآثار الصحابة .. توفي سنة (32ه).
الإمام "الأوزاعي":
إمام أهل الشام بلا منازع ، وعالمها الكبير ، الذي ملأ الدنيا علمًا وفقهًا ، وإشتهر بتعظيمه للسنة وآثار السلف وثباته أمام الأهواء والبدع .. توفي سنة (157ه).
شيخ الإسلام" ابن تيمية":
العالم المجدد الذي حمل لواء الدفاع عن عقيدة السلف ، وخاض أعظم المعارك العلمية ضد الانحرافات الفكرية والفلسفية ، حتى أصبح أحد أبرز علماء الإسلام عبر القرون .. توفي سنة (728هـ).
"الحافظ ابن قيم الجوزية":
تلميذ "ابن تيمية" النجيب ، الذي مزج بين العلم والتربية والإيمان ، وخلّف تراثًا علميًا لا تزال الأمة تنتفع به إلى يومنا هذا .. توفي سنة (751ه).
الإمام "المِزِّي":
محدث الشام الكبير ، وصاحب كتاب (تهذيب الكمال) ، وأحد أعظم أئمة الجرح والتعديل في التاريخ الإسلامي .. توفي سنة (742ه).
الإمام "الذهبي":
المؤرخ والمحدث الدمشقي العبقري ، وصاحب (سير أعلام النبلاء) ، الذي حفظ للأمة تراجم علمائها وأبطالها في موسوعةٍ تعد من أعظم كتب التاريخ الإسلامي .. توفي سنة (748ه).
الحافظ "ابن كثير":
المفسر والمؤرخ الشهير ، صاحب (تفسير القرآن العظيم) و (البداية والنهاية) ، ومن أبرز علماء الشام الذين جمعوا بين الحديث والتفسير والتاريخ .. توفي سنة (774ه).
الحافظ "ابن رجب الحنبلي":
الإمام الزاهد والمحدث الفقيه ، وصاحب الكتاب النفيس (فضل علم السلف على علم الخلف) ، الذي أصبح مرجعًا في بيان منهج السلف في العلم والعمل ، وُلد في (بغداد) ، لكنه نشأ واستقر في دمشق ويُعد من علماء الشام .. توفي سنة (795ه).
الإمام "السفاريني":
من كبار علماء الشام في العصور المتأخرة ، وصاحب المنظومة المشهورة الدرة المضية في عقد الفرقة المرضية المعروفة بالعقيدة السفارينية .. توفي سنة (1188ه).
وهذه مجرد نماذج من أعلام الشام ، وإلا فإن تاريخ سوريا والشام زاخر بمئات العلماء والمحدثين والفقهاء والمفسرين الذين أثروا الحضارة الإسلامية عبر العصور.
إنها أسماءٌ صنعت مجدًا علميًا امتد قرونًا ، وحفظت للأمة جانبًا عظيمًا من ميراث النبوة ، فجزاهم الله عن الإسلام والمسلمين خير الجزاء.
رحم الله علماء الشام الأعلام، وأعلى درجاتهم في الجنة ، وجعل ما قدموه من علمٍ وهدايةٍ في موازين حسناتهم.
في سنة (61) للهجرة ، وعلى أرض (كربلاء) القاحلة ، وقعت واحدة من أشد المآسي إيلامًا في تاريخ المسلمين ؛ حيث استُشهد سبط رسول الله ﷺ ، وريحانته ، وسيدٌ من سادات أهل الجنة ، "الحسين بن علي" رضي الله عنهما.
كان مشهدًا هزَّ ضمير الأمة ، ولا يزال صداه يتردد عبر القرون ، لما يحمله من ألمٍ عظيم ودروسٍ عميقة.
ومنهج أهل السنة والجماعة في هذه الواقعة قائمٌ على العدل والإنصاف ، بعيدًا عن الغلو والجفاء ، ويقوم على أصولٍ واضحة:
أولًا: أن "الحسين بن علي" رضي الله عنهما إمامٌ كريم من أئمة المسلمين ، ومن أهل بيت النبوة الذين أمر الله بمودتهم ، ومحبته دينٌ وقربةٌ نتقرب بها إلى الله تعالى.
ثانيًا: أن قـ ـتل "الحسين" رضي الله عنه جريمةٌ عظيمة ومنكرٌ كبير ، وأن من باشر قـ ـتله أو أعان عليه أو رضي به فقد ارتكب ذنبًا جسيمًا.
ثالثًا: أن "الحسين" رضي الله عنه لم يخرج طالبًا للدنيا أو الملك ، وإنما إجتهد ورأى أن في خروجه مصلحةً للأمة ، وهو مأجورٌ على إجتهاده ومكانته عند الله عظيمة.
رابعًا: أن "يزيد بن معاوية" لم يثبت بإسناد صحيح أنه أمر بقـ ـتل "الحسين" رضي الله عنه ، إلا أن عددًا من أهل العلم حمّلوه مسؤوليةً سياسية وأخلاقية لوقوع هذه الحادثة الجليلة في زمن ولايته.
خامسًا: أن "الحسين" رضي الله عنه ليس معصومًا ، كما أن خصومه لا يُحكم بكفرهم لمجرد وقوع القتال ، فالعصمة للأنبياء عليهم السلام وحدهم.
سادسًا: أن الواجب على المسلم أن يترحم على "الحسين" رضي الله عنه ، ويحب أهل بيت رسول الله ﷺ ، ويتبرأ من ظلمه وقـ ـتله ، دون غلو يرفعه فوق منزلته ، ودون جفاء ينتقص من حقه.
إن (كـربـلاء) ليست مناسبـةً لإحـيـاء الأحـقـاد ، ولا بابًا للطـ ـعن في أصحاب رسول الله ﷺ أو تمزيق صف الأمة ، وإنما هي ذكرى مؤلمة نستخلص منها العبر ، ونتعلم منها خطر الفتن حين تستعر بين المسلمين.
رحم الله "الحسين بن علي" رضي الله عنهما ، ورضي عنه وأرضاه ، وجزاه عن الإسلام والمسلمين خير الجزاء ، ولعن الله الظلم وأهله ، وجنب أمة الإسلام أسباب الفرقة والنزاع.
المصادر:
البداية والنهاية (أحداث سنة 61 هـ).
منهاج السنة النبوية.
سير أعلام النبلاء.
العواصم من القواصم.
صحيح البخاري وصحيح مسلم في فضائل الحسن والحسين رضي الله عنهما.
في ساحةٍ من ساحات الجـ ـهاد ، وبين غبار المعركة وصليل السيوف ، كان يقف "أسامة بن زيد" رضي الله عنهما ، ذلك الشاب الذي أحبّه رسول الله ﷺ حبًّا عظيمًا حتى لُقّب بـ (حِبّ رسول الله وابن حِبّه).
كان "أسامة" يُطارد رجلاً من المشركين ، من أشد أعداء المسلمين بأسًا وأذًى ، طالما أثقل القلوب بفعله.
وفي لحظة إشتداد المواجهة ، تمكن "أسامة" من الرجل .. إقترب الموت ، وضاق الخناق ، ولم يبقَ إلا فاصلة قصيرة بين الحياة والنهاية ، فإذا بالرجل ، وقد أيقن أن لا مهرب له ، وأن السيف صار قريباً منه .. نطق بكلمةٍ واحدة: «لا إله إلا الله».
كلمة قصيرة .. لكنها كانت بداية إختبارٍ عظيم ، لم يُختبر السيف بقدر ما أُختبر القلب.
لكن .. اللحظة كانت مشحونة ، والظنّ غلب على "أسامة" رضي الله عنه أنه قالها فرارًا من القتل لا إيمانًا وتصديقاً ، فوقع ما وقع ، وقُتل الرجل.
وعندما عاد المسلمين ، إلى المدينة وصل الخبر إلى رسول الله ﷺ .. فكان الموقف ثقيلًا ، والعتاب شديدًا ، والنبي ﷺ ينادي "أسامة" قائلاً: «أقتلته بعد أن قال: لا إله إلا الله؟».
فأجاب "أسامة" معتذرًا: «يا رسول الله ، إنما قالها خوفاً من السيف».
فقال له النبي ﷺ كلمات عظيمة أرست قاعدة من أعظم قواعد العدل الإلهي في الحكم على الناس: «أَفَلَا شَقَقْتَ عَنْ قَلْبِهِ حَتَّى تَعْلَمَ أَقَالَهَا أَمْ لَا؟»
أي: إنما نُكلَّف بالحكم على الظاهر ، أما ما إستقر في القلوب فعلمه عند الله وحده.
ثم ظل النبي ﷺ يكرر على "أسامة": «كيف تصنع بلا إله إلا الله إذا جاءت يوم القيامة؟».
فوقع هذا العتاب الشديد في نفس "أسامة" رضي الله عنه أعظم موقع ... فقال "أسامة" بعدها متأثرًا: «فما زال يكررها عليّ حتى تمنيت أني لم أكن أسلمت قبل ذلك اليوم».
هذه القصة ليست حادثة تاريخية فقط ، بل ميزان عدلٍ في التعامل مع الناس ... فالقلوب بين يدي الله ، وهو سبحانه وحده الذي يعلم خفايا النفوس و يُحاسِب عليها يوم تُبلى السرائر.
المصادر:
صحيح البخاري (كتاب المغازي - باب بعث النبي ﷺ أسامة بن زيد إلى الحرقات).
صحيح مسلم (كتاب الإيمان - باب تحريم قتل من قال لا إله إلا الله).
هل ساهم الصفويون في إنقاذ أوروبا من التوسع العثماني؟!
في مطلع القرن السادس عشر ، لم يكن العالم الإسلامي يواجه خطرًا واحدًا ، بل كان يعيش صراعًا داخليًا مريرًا ، ستدفع الأمة ثمنه قرونًا طويلة.
في الغرب .. كانت الدولة العثمانية تتقدم بقوة مذهلة ، فتحت (القسطنطينية) ، واخترقت (البلقان) ، ووصلت جيوشها إلى قلب أوروبا ، حتى أصبح إسم العثمانيين مصدر قلق دائم لملوك القارة وكنائسها.
وفي الشرق .. كانت قوة جديدة تصعد بسرعة ، إنها الدولة الصفوية ، دولة قامت على التشيع الإمامي ، وسعت إلى فرض نفوذها على المناطق الإسلامية المجاورة ، ودخلت في صراع طويل ودموي مع الدولة العثمانية.
ومنذ اللحظة الأولى تقريبًا ، أدرك الأوروبيون أن ظهور الصفويين قد يكون فرصة تاريخية لا تُقدّر بثمن .. فبدل أن تواجه أوروبا القوة العثمانية وحدها ، أصبحت الدولة العثمانية مطالبة بالقتال على جبهتين في آن واحد:
جبهة أوروبية في الغرب.
وجبهة صفوية في الشرق.
وهكذا بدأت واحدة من أطول حلقات الإستنزاف في التاريخ الإسلامي.
- حرب لا تنتهي:
لم تكن المعارك بين العثمانيين والصفويين مجرد خلافات حدودية ، لقد كانت حروبًا متكررة إستمرت لعقود طويلة ، إستنزفت الأموال والجيوش والموارد البشرية لكلا الطرفين.
وفي كل مرة كانت الجبهة الشرقية تشتعل .. كانت أوروبا تلتقط أنفاسها.
وفي كل مرة كانت الدولة العثمانية تستعد للتفرغ لأعدائها في الغرب .. كانت تجد نفسها مضطرة لإرسال عشرات الآلاف من الجنود إلى الشرق.
- الشاه "عباس" والتحالف مع أوروبا:
عندما وصل الشاه "عباس الأول" إلى الحكم ، أدرك أن مواجهة الدولة العثمانية منفردًا مهمة شاقة .. لذلك فتح أبواب التواصل السياسي مع القوى الأوروبية.
تبادلت الدولة الصفوية السفارات مع إسبانيا وإنجلترا وبعض الإمارات الإيطالية ، وسعت هذه الأطراف إلى تنسيق الجهود ضد الدولة العثمانية .. ووصل الأمر إلى إرسال بعثات أوروبية وخبراء عسكريين للمساهمة في تحديث الجيش الصفوي وفق الأساليب العسكرية الحديثة آنذاك.
وكان الأوروبيون ينظرون إلى الصفويين بإعتبارهم الحليف الشرقي القادر على تشتيت القوة العثمانية وإشغالها بعيدًا عن أوروبا.
- الرابح الأكبر:
وبينما كان المسلمون يقتتلون على جبهات متعددة ، كانت أوروبا تعيد تنظيم جيوشها ، وتطور اقتصادها ، وتبني أساطيلها ، وتستعد لمرحلة جديدة من الصعود العالمي.
أما العالم الإسلامي فكان يستنزف جزءًا كبيرًا من قوته في حروب داخلية طويلة.
حتى رأى عدد من المؤرخين أن الصراع العثماني الصفوي كان أحد أهم الأسباب التي أضعفت العالم الإسلامي في العصر الحديث المبكر ، ومهّدت الطريق أمام التوسع الأوروبي اللاحق.
- سؤال التاريخ الكبير:
هل كان يمكن للدولة العثمانية أن تحقق تقدمًا أكبر في أوروبا لو لم تُستنزف قرونًا على جبهتها الشرقية؟!
لا أحد يستطيع الجزم بذلك .. لكن المؤكد أن الصراع العثماني الصفوي غيّر ميزان القوى في العالم ، وترك آثارًا عميقة إستمرت لقرون.
لقد كان إنتصار أوروبا في كثير من الأحيان نتيجة أخطاء خصومها بقدر ما كان نتيجة قوتها.
وهذه واحدة من أكثر صفحات التاريخ الإسلامي إيلامًا ، حين إستنزفت أمةٌ نفسها ، بينما كان خصومها يراقبون المشهد من بعيد ويجنون الثمار.
كيف أعاد "صلاح الدين الأيوبي" رسم المشهد الديني والسياسي في مصر؟!
في سنة (564هـ / 1169م) ، لم تكن مصر تلك القوة المستقرة التي نعرفها اليوم .. كانت الدولة الفاطمية ، التي حكمت البلاد قرابة قرنين من الزمان ، تعيش أيامها الأخيرة.
الخلفاء فقدوا معظم نفوذهم ، والوزراء يتصارعون على السلطة ، والجند يتمردون ، والخزائن تفرغ ، بينما كانت الجيوش الصليبية تترقب الفرصة للإنقضاض على مصر.
بدت الدولة العريقة وكأنها تقف على حافة السقوط .. وفي خضم هذه الفوضى دخل إلى مصر قائد شاب لم يكن أحد يتوقع أن يغيّر وجه المنطقة كلها .. "صلاح الدين الأيوبي".
جاء مع عمه القائد" أسد الدين شيركوه" ضمن الحملة الزنكية التي استُدعيت لمواجهة الخطر الصليبي.
لم تمضِ فترة طويلة حتى أصبح "صلاح الدين" وزيرًا للخليفة الفاطمي الأخير "العاضد لدين الله".
لكن الرجل لم يتعجل الصدام .. فقد أدرك أن الدول لا تُغيَّر بقرارات متسرعة ، وأن الأفكار لا تُقتلع بالقوة .. لذلك بدأ بخطوات هادئة ومدروسة:
- أولًا .. تثبيت السلطة دون هدم الدولة:
أبقى الخليفة "العاضد" في مكانته الرسمية في قصره ، ولم يسعَ إلى إسقاط النظام الفاطمي دفعة واحدة ، بل بدأ بإعادة تنظيم الإدارة والجيش ، وترسيخ نفوذه تدريجيًا داخل الدولة.
- ثانيًا .. بناء المؤسسات العلمية:
كان "صلاح الدين" يعلم أن التأثير الفكري أبقى من التأثير العسكري ، فأنشأ المدارس السنية مثل المدرسة (الناصرية) والمدرسة (القمحية) ، وشجع تدريس الفقه والحديث ، واستقدم العلماء من مختلف الأقاليم.
ومن خلال التعليم والقضاء والمؤسسات الدينية ، بدأت مصر تشهد تحولًا تدريجيًا نحو المذاهب السنية التي كانت منتشرة في أجزاء واسعة من العالم الإسلامي آنذاك.
- ثالثًا .. اللحظة الفاصلة:
في سنة (567هـ / 1171م) .. إشتد المرض بالخليفة "العاضد" ، وعندها صدر القرار الذي أنهى الدولة الفاطمية رسميًا.
أمر "صلاح الدين" الخطباء في مساجد مصر وعلى رأسهم جامع (الأزهر) أن يوقفوا الدعاء للخليفة الفاطمي في خطبة الجمعة ، ويذكروا اسم الخليفة العباسي في (بغداد) بدلًا من الخليفة الفاطمي ،
وبذلك عادت مصر سياسيًا إلى دائرة الخلافة العباسية ، وانتهى الحكم الفاطمي الذي استمر أكثر من مائتي سنة.
وبعد أيام قليلة تُوفي "العاضد" ، لتُطوى صفحة كاملة من تاريخ مصر.
- وماذا عن (الأزهر)؟
من أعجب مفارقات التاريخ أن الجامع (الأزهر) ، الذي أُسس في العصر الفاطمي ليكون مركزًا لنشر المذهب (الإسماعيلي) ، توقفت فيه بعض الأنشطة التعليمية لفترة بعد سقوط الدولة الفاطمية ، ثم عاد لاحقًا ليصبح أحد أكبر مراكز العلم السني في العالم الإسلامي.
كان هذا التحول مهمًا ، لأن "صلاح الدين" لم يكن يواجه أزمة مذهبية فقط ، بل كان يبني جبهة موحدة تستطيع مواجهة الخطر الصليبي.
فمن خلال توحيد (مصر والشام) تحت قيادة واحدة ، نشأت القوة التي حققت لاحقًا الإنتصار العظيم في معركة (حطين) سنة (583هـ / 1187م) ، وإستعادت (القدس) بعد إحتـ ـلال دام قرابة تسعين عامًا.
لقد أدرك "صلاح الدين" حقيقة كبرى:
أن بناء الجـ ـبهة الداخلية يسبق الإنتصار في ساحات القتال.
رحم الله الناصر "صلاح الدين الأيوبي" .. فقد ترك أثرًا لم يقتصر على المعارك والفتوحات ، بل إمتد إلى تشكيل مسار تاريخ المنطقة لقرون طويلة.
في السنة الثانية للهجرة ، وبعد أن إرتجَّت جزيرة العرب بأخبار إنتصار المسلمين في غزوة (بدر) ، كان هناك رجلٌ من أشدِّ رجال قريش عداوةً للإسلام ، و أحد أذكاهم وأمضاهم رأيًا.
إنه "عمير بن وهب الجمحي" .. رجلٌ كانت قريش تثق ببصره وحدسه حتى إذا أرادت معرفة عدد المسلمين قبل المعركة أرسلته ليستطلع لهم الخبر.
فإنطلق "عمير" بفرسه يطوف حول معسكر المسلمين ، وأمعن النظر في صفوفهم ، ثم عاد إلى قومه ، ليقول: «هم نحو ثلاثمائة رجل ، يزيدون قليلًا أو ينقصون قليلًا».
وكان تقديره قريبًا من الحقيقة ، ولشدة دهائه وخبثه في الجاهلية ، كان أهل مكة يلقبونه بـ (شيطان قريش).
إنتهت (بدر) بهزيمة قريش ، وسقط صناديدها في القليب ، وعاد من بقي منهم يجر أذيال الخيبة والحزن ، وكان ابن "عمير" من الأسرى الذين وقعوا في أيدي المسلمين.
وذات يوم جلس "عمير" في الحجر عند الكعبة مع "صفوان بن أمية" يتذكران قـ ـتلى (بدر) ، ويتحسران على ما أصاب قريش.
فقال "عمير": «لولا دَينٌ عليَّ ، وعيالٌ أخشى عليهم بعدي ، لذهبتُ إلى محمد فقتلته!».
فأمسك" صفوان بهذه الفكرة السوداء وقال: «دَيّنك عليَّ ، وعيالك في ذمتي ما بقوا».
عندها عزم "عمير" على تنفيذ أخطر مهمة في حياته ... شحذ سيفه ، وسمَّه ، ثم إنطلق من مكة إلى المدينة ، لا يحمل في قلبه إلا هدفًا واحدًا: إغتـ ـيال رسول الله ﷺ.
- "عمر" يرى الخطر:
وصل "عمير" إلى المدينة ، وأناخ راحلته عند باب المسجد النبوي متوشحاً سيفه ، وبينما كان "عمر بن الخطاب" رضي الله عنه في نفر من المسلمين يتحدثون عن يوم (بدر) ويذكرون ما اكرمهم الله به من نصر ، وقع بصره عليه فقال: «هذا عدو الله "عمير بن وهب" ، والله ما جاء إلا لشر».
ثم دخل "عمر" على النبي ﷺ يخبره بمقدمه ، وقال: «يا رسول الله ، هذا عدو الله "عمير بن وهب" ، قد جاء متوشحاً سيفه».
فقال رسول الله ﷺ: «أدخله عليَّ».
فأخذ "عمر" بحمالة سيفه ، وأدخله بحذر شديد وهو ممسك به ، ثم وقف مترقبًا لما سيحدث.
- السر الذي لا يعلمه إلا إثنان:
دخل "عمير" على رسول الله ﷺ .. فسأله النبي ﷺ: «ما جاء بك يا عمير؟».
فقال: « جئت لهذا الأسير الذي في أيديكم». (يقصد ابنه).
لكن النبي ﷺ أعاد السؤال: «أصدقني ، ما الذي جئت له؟».
فقال "عمير": «ما جئت إلا لذلك».
ثم وقعت المفاجأة التي قلبت حياته كلها .. قال له رسول الله ﷺ: «بل قعدتَ أنت و "صفوان بن أمية" في الحجر ، فذكرتما أصحاب القليب من قريش ، ثم قلتَ: لولا دَينٌ عليَّ وعيالٌ عندي لخرجتُ حتى أقـتل محمدًا ، فتحمل لك "صفوان" بدينك وعيالك على أن تقـتلني له ، والله حائل بينك وبين ذلك».
تجمَّد "عمير" في مكانه ، وإنهارت كل الأكاذيب التي جاء بها ، فهذا الحديث لم يسمعه أحدٌ سوى رجلين فقط ، هو و"صفوان" ، ولا يمكن لأحدٍ في الأرض أن يعرفه.
عـندها أدرك أن الـذي أمامـه رسـولٌ مـؤيدٌ مـن الله .. فقـال مباشرة: «أشهد أن لا إله إلا الله ، وأشهد أنك رسول الله».
وفي لحظة واحدة ، تحول الرجل الذي خرج ليقتل النبي ﷺ إلى مسلمٍ مؤمنٍ بين يديه.
- من عدوٍ للإسلام إلى جنديٍ من جنوده:
فرح رسول الله ﷺ بإسلامه ، وقال لأصحابه: «فقِّهوا أخاكم في الدين ، وأقرئوه القرآن ، وأطلقوا أسيره».
أما "عمر" رضي الله عنه فكان يقول بعد ذلك: «والذي نفسي بيده ، لخنزيرٌ كان أحبَّ إليَّ منه حين طلع علينا ، وهو اليوم أحبُّ إليَّ من بعض ولدي».
لقد تغيَّر الرجل تمامًا ، ولم يكتفِ بالإسلام ، بل قال للنبي ﷺ: «يا رسول الله ، لقد كنتُ شديد الأذى للمسلمين ، فأذن لي أن أرجع إلى مكة فأدعوهم إلى الله» ... فأذن له رسول الله ﷺ.
- عودةٌ لم تكن في حسبان قريش:
وفي مكة كان "صفوان بن أمية" ينتظر الخبر السار الذي حلم به ، كان يظن أن "عميرًا" سيعود برأس النبي ﷺ.
لكن الصدمة كانت هائلة .. لقد عاد "عمير" مسلمًا ، بل عاد يدعوا أهل مكة إلى دين الإسلام ، ذلك الدين الذي خرج يوماً لمحاربته ، فأخذ يدعوهم ، ويجادلهم ، ويجتهد في هدايتهم ، حتى أسلم على يديه عددٌ من الناس ، ثم خرج بمن أسلم معه إلى المدينة في موكب طويل مشرق.
وهكذا تحوَّل (شيطان قريش) إلى واحدٍ من رجال الإسلام الصادقين.
إن قصة "عمير بن وهب الجمحي" رضـي الله عنـه مـن أعـجـب قصص الهدايـة فـي التاريخ الإسلامي .. رجلٌ خرج وفي قلبه نية القـ ـتل ، فعاد وفي قلبه الإيمان .. ورجلٌ سخَّر ذكاءه وعداوته لمحاربة الإسلام ، ثم سخَّر ذلك الذكاء نفسه لنصرة الإسلام والدعوة إليه.
لذلك لا ييأس أحدٌ من رحمة الله ، ولا يحكم على الناس من حاضرهم فقط ، فكم من عدوٍّ للإسلام أصبح من أعظم أنصاره ، وكم من مذنبٍ غيَّرت التوبة حياته حتى صار من الصالحين.
في زمنٍ كانت الأمم تقيس فيه القوة بعدد السيوف ، وكثرة الرجال ، وضخامة الجيوش ، وقعت حادثة عجيبة في عصر النبوة أثبتت أن الشجاعة ، وحسن التدبير ، وثبات القلب قد تقلب موازين المعركة في لحظات.
ففي شعبان من السنة السابعة للهجرة ، بلغ رسول الله ﷺ أن رجلًا من (بني جشم) يُدعى "رفاعة بن قيس الجشمي" أخذ يجمع الناس ويحرِّض القبائل استعدادًا لقتال المسلمين ... كان الأمر خطيرًا ، ولا بد من التحقق منه.
لكن المفاجأة أن النبي ﷺ لم يرسل جيشًا جرارًا ، ولا سرية كبيرة .. بل أرسل "عبد الله بن أبي حدرد الأسلمي" رضي الله عنه ومعه رجلان فقط ، ليستطلع الخبر ويتأكد من صحته ، وأوصاه إن وجد فرصة مناسبة أن يقضي على "رفاعة".
إنطلق الرجال الثلاثة على دابةٍ هزيلة يتعاقبون الركوب عليها حتى وصلوا إلى مضارب القوم عند الغروب ، وهناك بدأوا يراقبون تحركاتهم في صمت.
اقتربوا من معسكر المشركين ، وكمن "ابن أبي حدرد" في ناحية منه ، وقال لصاحبيه: «إذا سمعتماني قد كبّرت وشددت على العسكر ، فكبّرا وشدّا معي ؛ فوالله ما ننتظر إلا غرة القوم وأن نصيب منهم شيئًا».
حلَّ الليل ، وسكنت الأصوات .. وبينما كان "ابن أبي حدرد" يترقب الفرصة المناسبة ، شاهد أحد رعاة القوم انه قد تأخر عن العودة.
أثار ذلك قلق "رفاعة بن قيس" ، ونهض القائد بنفسه ، وتقلد سيفه ، وقال لقومه: «لأتبعن أثر راعينا هذا ، لقد أصابه شر».
فعرض بعض رجاله أن يذهبوا مكانه أو يرافقوه ، لكنه رفض وأصر على الخروج وحده .. وكانت تلك اللحظة التي انتظرها "ابن أبي حدرد".
وما إن مرَّ "رفاعة" بالقرب من مكمن "ابن أبي حدرد" ، حتى أطلق عليه سهمًا في ظلام الليل أصابه إصابة قاتلة ، فسقط "رفاعة" صريعًا دون أن يتمكن من الإستغاثة أو إطلاق صيحة واحدة.
فتقدم إليه "ابن أبي حدرد" ، وإحتز رأسه ، ثم حمله واتجه نحو أطراف المعسكر.
وهنا بدأت المرحلة الأخطر .. أخذ "ابن أبي حدرد" رأس القوم ، ثم إبتعد قليلًا ورفع صوته بالتكبير.
فأجابه صاحباه بالتكبير أيضًا ، ويعدوان نحو المعسكر: «الله أكبر .. الله أكبر».
دوَّت التكبيرات في ظلام الليل ، وظن المشركون أن قوة كبيرة من المسلمين قد باغتتهم بعد مقتل قائدهم ، فدب الذعر بينهم ، واضطربت صفوفهم ، وفرَّ كثير منهم تاركين وراءهم أموالهم وإبلهم وغنمهم ، وفروا مذعورين مع نسائهم وأبنائهم ، لا يلوون على شيء.
كل ذلك .. وثلاثة رجال فقط كانوا في الميدان ..!!
ثم جمع "ابن أبي حدرد" وصاحباه ما تركه القوم خلفهم ، وعادوا إلى المدينة المنورة يحملون بشائر النصر إلى رسول الله ﷺ ، كما حملوا معهم رأس "رفاعة بن قيس" دليلاً على نجاح المهمة.
وتبقى هذه السرية واحدة من أغرب الوقائع العسكرية في التاريخ الإسلامي ؛ إذ إستطاع ثلاثة رجال فقط ، بحسن التخطيط ، والمباغتة ، وثبات القلب ، ومعونة الله تعالى ، أن يبددوا جمعًا كبيرًا من المشركين دون معركة واسعة أو قتال طويل.
ففي أغلب معارك المسلمين الأوائل كان عدد المشركين يفوق عدد المسلمين بأضعاف مضاعفة ، ومع ذلك كانت الغلبة للمؤمنين في كثير من المواطن ، أو كانوا يبلون بلاءً حسنًا في أصعب الظروف .. فلم تكن القوة المادية ولا الكثرة العددية عائقًا أمام إنتشار الإسلام وفتوحاته.
في طريقٍ من طرقات المدينة ، كان رسول الله ﷺ يسير بين أصحابه ، وعليه بُردٌ نجراني غليظ الحاشية ، وبينما هو يمضي في هدوء النبوة ووقار الرسالة ، إذا بأعرابي من أهل البادية يندفع نحوه فجأة.
لم يستأذن ، ولم يتلطف في الطلب .. بل أمسك برداء النبي ﷺ وجذبه جذبةً عنيفة ، حتى إنغرست حاشية الثوب الخشنة في صفحة عنقه الشريف ، وترك الشدُّ أثره ظاهرًا على جلده ﷺ.
كان مشهدًا كفيلًا بأن يثير غضب أي إنسان ..!!
ثم زاد الأعرابي غلظةً فقال:.«يا محمد ، مُر لي من مال الله الذي عندك».
وقف الصحابة رضي الله عنهم يشهدون الموقف .. نبيُّ الأمة يُجذب بهذه القسوة ، ويُخاطب بهذه الجفوة.
فماذا كان الرد؟!
هل غضب؟
هل أمر بمعاقبته؟
كلا ..
التفت إليه النبي ﷺ ، وفي وجهه إبتسامة الحليم الرحيم .. إبتسامةٌ أطفأت نار الجفاء .. ثم أمر له بعطاء.
في لحظات قليلة تحولت القسوة إلى رحمة ، والجفاء إلى إحسان ، والغلظة إلى درسٍ خالدٍ في مكارم الأخلاق.
لقد كان النبي ﷺ قادرًا على أن يرد الإساءة بمثلها ، وكان قادرًا على أن يؤدب الرجل بكلمة ، لكنه إختار طريقًا أعظم .. طريق العفو ، آثر أن يؤلف قلبه بإحسان.
هكذا كان محمد ﷺ .. رحمةً تمشي على الأرض ، يعفو عند القدرة ، ويحلم عند الجهل ، ويقابل الأذى بالإحسان.
فما أحوج العالم اليوم إلى شيءٍ من ذلك الخلق الذي غيّر القلوب قبل أن يغيّر الأمم.
في يوم (اليرموك) حين تراجع الرجال وتقدّم "الزبير بن العوام" وحده .. كانت الأرض تهتز تحت وقع أقدام الجيوش ، وكانت رايات الروم تملأ الأفق ، بينما يقف المسلمون في واحدة من أعظم معارك التاريخ.
في تلك اللحظات العصيبة ، تقدّم نفرٌ من الفرسان إلى "الزبير بن العوّام" رضي الله عنه ، حواريّ رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وقالوا له: «ألا تحمل فنحمل معك؟».
نظر إليهم "الزبير" ، وقال كلمةً تحمل خبرة المحاربين وشجاعة الأبطال: «إنكم لا تثبتون»
فأجابوه بثقة: «بلى».
عندها إندفع "الزبير" كالسهم نحو صفوف الروم ، وإنطلق الفرسان خلفه .. لكن ما إن إصطدمت الخيل بجدار الرماح والحديد حتى تراجع أكثرهم ، وتفرّقت عزائمهم.
أما "الزبير" رضي الله عنه فلم يتوقف .. شقّ طريقه وحده وسط آلاف المقاتلين ، وإخترق صفوف الروم حتى خرج من الجانب الآخر ، ثم إستدار وعاد إليهم من جديد ، غير مبالٍ بالخطر ولا بالموت.
ثم كررها مرةً ثانية .. هجومٌ منفرد وسط جيش جرّار ، حتى أصيب يومها بجراح بين كتفيه ، وبقيت آثارها شاهدةً على ما صنع ذلك الفارس العظيم.
لم تكن الشجاعة عند "الزبير" كلماتٍ تُقال ، بل كانت أفعالاً تُرى في ساحات القتال ، يوم فرّق الله به صفوف الأعداء ، وضرب به مثلاً في الجرأة والإقدام.
رضي الله عن "الزبير بن العوام" ، أحد العشرة المبشرين بالجنة ، وحواريّ رسول الله صلى الله عليه وسلم.
فكم من فارسٍ عرفه التاريخ ، لكن كم منهم إقتحم وحده صفوف جيشٍ كامل مرتين متتاليتين؟!
المصادر:
البداية والنهاية، أحداث سنة 13 هـ (معركة اليرموك).
تاريخ الإسلام، ترجمة الزبير بن العوام رضي الله عنه.
قبل أن تُفتح مكة أبوابها للإسلام بسنوات ، كان هناك رجلٌ إذا ذُكرت القوة ذُكر اسمه ، وكان يُعرف بين أهل مكة بقوته وشدته ، حتى اشتهر بالمصارعة بين أقرانه.
إنه "رُكانة بن عبد يزيد" .. من أشهر مصارعي قريش وأشدهم قوة.
وفي يومٍ من أيام الدعوة المكية الشاقة ، التقى النبي ﷺ بـ "رُكانة" ، لم يكن اللقاء في ساحة حرب ، ولا في ميدان قتال ، لقد كان لقاء دعوةٍ وهداية.
وقف النبي ﷺ يدعو "رُكانة" إلى الإسلام ، وإلى عبادة الله وحده ، وترك ما كان عليه قومه من الشرك.
لكن "رُكانة" لم يكن رجلًا يسهل أن يقتنع ، كان يرى نفسه قويًا لا يُغلب ، ويثق بما يملك من بأسٍ وشدة ، فطلب من النبي ﷺ ما يطمئن به إلى صدق دعوته .. وهنا وقعت الحادثة التي تناقلتها كتب السيرة والحديث ..!!
إنتهى الحديث بينهما إلى مصارعة .. فوقف "رُكانة" مـن أشهـر رجـال قريـش قـوةً ومصارعة في مواجـهـة رسـول الله ﷺ ..!!
بدأت المصارعة .. فما هي إلا لحظات قليلة حتى سقط "رُكانة" على الأرض .. لقد صرعه النبي ﷺ.
فكان ذلك أمرًا عجيبًا عند "رُكانة" ، إذ لم يكن يتوقع أن تنتهي المصارعة بهذه الصورة ، ولم يكن يتوقع أن يسقط بهذه السرعة .. كيف حدث ذلك؟ وكيف غلبه بهذه السرعة؟ وكيف انتهت المصارعة بهذه الصورة؟.
وتذكر بعض الروايات أنه قال: «أشهد أنك ساحر».
فقد عجز عن تفسير ما رآه ، فظنه من السحر ، كما كان المشركون يرمون الأنبياء وأتباع الحق بمثل هذه التهم.
لكن القصة لم تنتهِ هنا ..
طلب "رُكانة" إعادة المصارعة أكثر من مرة .. فأعيدت المصارعة ، وكانت النتيجة كما كانت في المرة الأولى ، وتذكر بعض الروايات أن الغلبة كانت للنبي ﷺ مرةً أخرى.
ساد الذهول ، وأخذت الدهشة طريقها إلى قلب "رُكانة" ، وبدا عليه التعجب مما حدث ، لقد رأى أمامه أمرًا لم يألفه من قبل ..!!
مع أن الروايات المشهورة لا تثبت أنه أسلم في تلك اللحظة مباشرة ، فإن أهل السير والتراجم يذكرون أن "رُكانة" أسلم بعد ذلك ، وأدرك الإسلام وصار من الصحابة رضي الله عنهم.
وهكذا ..
لم تكن العبرة في قوة الجسد وحدها ، بل كانت مشهدًا من مشاهد تأييد الله لنبيه ﷺ ، ومن المشاهد التي تُظهر ما آتاه الله نبيه ﷺ من قوةٍ وشجاعةٍ وثبات ، إلى جانب الرحمة والحكمة والخلق العظيم.
فقد اجتمع في رسول الله ﷺ ما تفرق في غيره:
ثباتُ الأنبياء.
وشجاعةُ القادة.
ورحمةُ المرسلين.
ومع ذلك ، لم يكن النبي ﷺ صاحب كِبرٍ ولا متفاخرًا بقوته ، فقد ظل كما عرفه أصحابه وأعداؤه .. متواضعًا ، رحيمًا ، كريم الخلق.
فكانت قوته مقرونةً بالحلم .. وشجاعته مقرونةً بالرحمة .. وعظمته مقرونةً بالتواضع.
مضت الأعوام ورسول الله صلى الله عليه وسلم يزداد مكانة في قومه، حتى صار مضرب المثل في الصدق والأمانة، فكان أهل مكة إذا اختلفوا في أمر أو أرادوا حفظ أموالهم جعلوها عنده، لعلمهم أنه لا يخون أمانة، ولا ينقض عهدًا، ولا يقول إلا حقًا، ولذلك اشتهر بينهم بلقب الصادق الأمين قبل أن يكرمه الله بالنبوة بسنوات.
وكان عمه أبو طالب يخرج في التجارة إلى بلاد الشام، فلما رأى ما امتاز به ابن أخيه من صدق وحسن معاملة، أذن له أن يعمل في التجارة، فذاع صيته بين أهل مكة، وأصبح الناس يثقون به في البيع والشراء أكثر من غيره.
وفي تلك الأيام كانت خديجة بنت خويلد رضي الله عنها من أشرف نساء قريش وأعقلهن، وكانت تاجرة ذات مال، تستأجر الرجال ليتاجروا بأموالها مقابل جزء من الربح. فلما سمعت عن أمانة محمد صلى الله عليه وسلم وصدقه، عرضت عليه أن يخرج بتجارتها إلى بلاد الشام، فقبل ذلك، وخرج في رحلته، ومعه غلامها ميسرة.
بارك الله في تلك التجارة، فعاد الرسول صلى الله عليه وسلم بربح لم تعهده خديجة في كثير من رحلاتها، وأخبرها ميسرة بما رآه من حسن خلقه، وعدله في معاملاته، ورحمته بالناس، وصدقه في البيع والشراء، فعلمت أنها أمام رجل ليس كغيره من الرجال.
ورغبت خديجة رضي الله عنها في الزواج منه، فأرسلت من يعرض عليه الأمر، فوافق صلى الله عليه وسلم، وأخبر أعمامه، فذهبوا إلى عمها، وتم عقد الزواج، وكان عمر رسول الله صلى الله عليه وسلم خمسًا وعشرين سنة، وكان عمر خديجة رضي الله عنها أربعين سنة على المشهور عند أهل السيرة، وإن كان بعض أهل العلم ذكر أقوالًا أخرى في عمرها.
عاش النبي صلى الله عليه وسلم مع خديجة حياة ملؤها المودة والوفاء، فلم يتزوج عليها حتى توفيت، وكانت أول من آزره، وأول من صدقه، وأول من آمن به بعد البعثة، ورزقهما الله أبناءً وبنات، وهم القاسم، وعبد الله، وزينب، ورقية، وأم كلثوم، وفاطمة رضي الله عنهم أجمعين.
ومرت السنوات، حتى وقع سيل عظيم أصاب الكعبة، فتصدعت جدرانها، وقررت قريش إعادة بنائها، واشتركت بطونها جميعًا في هذا العمل، واتفقوا ألا يدخلوا في نفقتها إلا مالًا طيبًا، فلا يكون فيه ربا ولا ظلم ولا مال حرام.
ولما انتهوا من البناء، بقي وضع الحجر الأسود في مكانه، فاختلفت قبائل قريش، وكل قبيلة أرادت أن تنال هذا الشرف، حتى كاد الخلاف أن يتحول إلى قتال، واستمر النزاع أيامًا.
ثم اتفقوا على أن يحكموا أول داخل عليهم من باب المسجد الحرام، فكان أول من دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلما رأوه قالوا جميعًا: هذا الأمين، رضينا به حكمًا.
فلما علم سبب اختلافهم، طلب ثوبًا، فوضع الحجر الأسود في وسطه، ثم أمر زعماء القبائل أن يمسك كل واحد منهم بطرف من أطراف الثوب، فلما حملوه جميعًا إلى موضعه، أخذه صلى الله عليه وسلم بيده الشريفة، ووضعه في مكانه، فانتهى النزاع، ورضيت جميع القبائل، وأعجبوا بحكمته وعدله.
وكان ذلك قبل بعثته بخمس سنوات تقريبًا، فازدادت مكانته في قلوب أهل مكة، وأيقن الجميع أنهم أمام رجل جمع الله له مكارم الأخلاق، وحسن الرأي، وصدق اللسان، وأداء الأمانة.
ومع كل ما كان يراه من احترام قومه له، لم يطمئن قلبه لما كانت عليه قريش من عبادة الأصنام، والظلم، وأكل أموال الضعفاء، ووأد البنات، وانتشار المنكرات، فكان يبتعد عن ضجيج مكة، ويصعد إلى غار حراء، يتعبد لله على ملة إبراهيم عليه السلام، ويتفكر في ملكوت السماوات والأرض، منتظرًا أمرًا عظيمًا لم يكن يعلم أن الله قد اصطفاه له منذ أن خلقه.
وهناك، في ذلك الغار الهادئ، كانت البشرية على موعد مع أعظم حدث في تاريخها، إذ اقتربت لحظة نزول الوحي، وبداية رسالة خاتم الأنبياء والمرسلين صلى الله عليه وسلم.
من هو القائد الذي أوصل راية الإسلام إلى أبواب الصين...
ثم قُتل على يد جيشه؟
تخيل أن هناك رجلًا بدأ حياته بلا نسبٍ يفتح له أبواب المجد، ولا مُلكٍ يرثه عن آبائه، لكنه صنع اسمه بسيفه، وحكمته، وإيمانه. رجلٌ غيّر خريطة العالم الإسلامي، حتى ارتجفت أمامه ممالك الشرق، ومع ذلك كانت نهايته مأساوية على أيدي جنوده!
فمن يكون؟
وُلد في مدينةٍ كانت تعج بالعلم والفرسان، ونشأ في بيتٍ تربّى فيه على حفظ القرآن، وركوب الخيل، وإتقان فنون القتال. كان والده فارسًا مشهورًا قُتل في إحدى الفتن، فكبر الابن يحمل شجاعة أبيه، وأضاف إليها دهاءً عسكريًا جعله من أعظم القادة في زمانه.
جاءت لحظة التحول عندما اختاره أحد أقوى ولاة الدولة لقيادة إقليمٍ مضطرب على حدود العالم الإسلامي. وما إن وصل إلى هناك حتى جمع الناس وخطب فيهم، مستشهدًا بقول الله تعالى:
بدأت المدن والحصون تتساقط أمامه واحدةً تلو الأخرى. عبر الأنهار العظيمة، واخترق الأراضي الوعرة، وواجه جيوشًا اشتهرت بالشراسة، لكنه لم يعرف التراجع. كان يقاتل صيفًا، ويعود شتاءً لترتيب صفوفه، ثم ينطلق من جديد.
حاصر مدينةً تجاريةً حصينة استعصت عليه شهرين كاملين، حتى دعا المسلمون له في المساجد بالنصر. وعندما فُتحت المدينة، ظن أهلها أن الأمر انتهى، لكنهم نقضوا العهد، فعاد إليهم مرة أخرى، وأعاد إخضاعها بحزم.
ثم اتجه إلى مدينةٍ كانت تُعرف بجوهرة آسيا الوسطى، تحيط بها الأسوار العالية، وتحرسها الجيوش. نصب المنجنيقات، وفتح الثغرات في الأسوار، حتى دخلها منتصرًا، وأزال مظاهر الوثنية، وبنى فيها مسجدًا أصبح منارةً للإسلام في تلك البلاد.
لكن طموحه لم يتوقف هناك...
واصل السير شرقًا حتى اقترب من حدود الصين، في رحلةٍ لم يجرؤ عليها أحد قبله. وعندما علم إمبراطور الصين بقدومه، فضّل تجنب الحرب. وتروي بعض المصادر التاريخية أن الإمبراطور أرسل إليه هدايا عظيمة، وصحنًا من ذهب مملوءًا بتراب أرض الصين، ليطأه القائد فيبرّ قسمه بأنه سيدخل أرضها، مع إعلان الخضوع ودفع الجزية، فحقق ما أراد دون أن يخوض معركةً مباشرة.
وفي تلك اللحظة، أصبح هذا القائد أول من أوصل راية الإسلام إلى أقصى الشرق.
لكن المفاجأة لم تكن في الفتوحات...
بل في النهاية.
بعد وفاة الرجل الذي كان يحميه ويدعمه سياسيًا، تغيّرت موازين القوة. ومع تولي خليفةٍ جديد، شعر القائد بأن أيامه أصبحت معدودة، فحاول استباق الأحداث، ودعا جنوده إلى الوقوف معه.
إلا أن ما لم يكن يتوقعه حدث.
الجنود الذين انتصروا معه في عشرات المعارك رفضوا الانقسام على الدولة، ثم انقلبوا عليه في لحظة واحدة. اقتحموا معسكره، وقتلوه مع عددٍ من إخوته وأبنائه، لتنتهي حياة أحد أعظم الفاتحين بطريقةٍ صادمة لم يتخيلها أحد.
ورغم تلك النهاية، بقي اسمه خالدًا في كتب التاريخ؛ فقد فتح بلادًا شاسعة، وكان سببًا في دخول أعداد كبيرة من الناس إلى الإسلام، حتى وصفه المؤرخون بأنه من أعظم القادة العسكريين في الحضارة الإسلامية، مع تأكيدهم أن محاولته الخروج على الخليفة كانت خطأً كبيرًا لا ينتقص من عظمة إنجازاته العسكرية.
فهل عرفت من هو هذا القائد؟
وهل كنت تعرف أن الرجل الذي وصل براية الإسلام إلى أبواب الصين كانت نهايته على يد جيشه نفسه؟
انقضت ثلاث سنوات منذ أن نزل الوحي على رسول الله صلى الله عليه وسلم في غار حراء، وكانت الدعوة خلال تلك المدة تُبلَّغ سرًا لمن رأى النبي صلى الله عليه وسلم فيه استعدادًا لقبول الحق. وكان يلتقي بالمؤمنين بعيدًا عن أعين قريش، يعلمهم القرآن الذي ينزل عليه، ويغرس في قلوبهم الإيمان بالله وحده، ويزكي نفوسهم بالصبر والصدق والإخلاص، حتى تكوَّنت نواة صغيرة من المؤمنين ثبتت على الإسلام رغم قلة عددها.
وخلال تلك السنوات أسلم رجال ونساء من مختلف بطون قريش، وكان أول من آمن به زوجته خديجة بنت خويلد رضي الله عنها، ثم آمن به أبو بكر الصديق رضي الله عنه، وكان لإسلامه أثر عظيم؛ إذ دعا إلى الإسلام من يثق بهم من أصحابه، فأسلم على يديه عدد من كبار الصحابة، كما أسلم علي بن أبي طالب رضي الله عنه وهو غلام يعيش في بيت رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأسلم زيد بن حارثة رضي الله عنه، ثم أخذ عدد المسلمين يزداد شيئًا فشيئًا.
وكان المؤمنون يجتمعون في أماكن بعيدة عن أنظار المشركين، ومن أشهرها دار الأرقم بن أبي الأرقم عند جبل الصفا، حيث كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقرئهم القرآن، ويعلمهم العقيدة، ويبين لهم أحكام الإسلام التي كانت تنزل تباعًا، حتى أصبح هذا البيت مدرسة الإيمان الأولى في الإسلام، ومنها خرج رجال حملوا هذا الدين إلى مشارق الأرض ومغاربها.
ثم جاء أمر الله تعالى لنبيه بإظهار الدعوة، فأنزل قوله سبحانه: ﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ﴾، فبدأ رسول الله صلى الله عليه وسلم بأقرب الناس إليه، امتثالًا لأمر ربه، يدعوهم إلى عبادة الله وحده، ويحذرهم من الشرك، ويبين لهم أن النجاة عند الله لا تكون بالنسب ولا بالقرابة، وإنما بالإيمان والعمل الصالح.
وبعد ذلك صعد رسول الله صلى الله عليه وسلم على جبل الصفا، وهو المكان الذي اعتاد أهل مكة أن يجتمعوا فيه عند وقوع أمر عظيم، فنادى بطون قريش حتى اجتمعوا إليه، فلما اكتمل اجتماعهم قال لهم: «أرأيتم لو أخبرتكم أن خيلًا بالوادي تريد أن تغير عليكم، أكنتم مصدقي؟». فقالوا جميعًا: ما جربنا عليك كذبًا قط. فقد كانوا يعرفون صدقه وأمانته منذ صغره، ولم يُعرف عنه كذب في حياته كلها.
فلما شهدوا له بالصدق، قال لهم: «فإني نذير لكم بين يدي عذاب شديد»، ودعاهم إلى توحيد الله وترك عبادة الأصنام التي لا تنفع ولا تضر.
كانت تلك أول دعوة علنية يسمعها أهل مكة من رسول الله صلى الله عليه وسلم، لكنها لم تلق القبول عند أكثرهم، بل اشتد غضب بعض زعمائهم، وكان أشدهم عداوة عمه أبو لهب، الذي أعلن رفضه للدعوة، فأنزل الله تعالى فيه سورة كاملة تتلى إلى يوم القيامة: ﴿تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ﴾....
#الجزء_الثاني
ومنذ ذلك اليوم تغيرت معاملة قريش لرسول الله صلى الله عليه وسلم. فبعد أن كانوا يلقبونه بالصادق الأمين، أخذوا يصفونه بأوصاف باطلة، فنسبوا إليه السحر، وقال آخرون إنه شاعر، وقال غيرهم إنه كاهن، وكل ذلك ليصدوا الناس عن سماع القرآن، مع أنهم كانوا يعلمون في قرارة أنفسهم أنه لم يعرف عنه شيء من ذلك قط.
وكان القرآن ينزل يثبت قلب رسول الله صلى الله عليه وسلم، ويأمره بالصبر، ويخبره أن هذا هو طريق جميع الأنبياء، فقال تعالى: ﴿فَاصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُولُو الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ﴾، وقال سبحانه: ﴿فَاصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ﴾.
ولما عجزت قريش عن إيقاف الدعوة بالحجج، انتقلت إلى أسلوب الإيذاء والتعذيب، فكانوا يختارون المسلمين الضعفاء الذين لا عشائر تحميهم، ويصبون عليهم أشد أنواع العذاب.
وكان من أكثرهم ابتلاءً بلال بن رباح رضي الله عنه، مولى أمية بن خلف، فقد كان سيده يخرجه في شدة حر مكة، ويلقيه على الرمال المحرقة، ثم يضع على صدره حجرًا عظيمًا، ويأمره أن يرجع عن الإسلام، فلا يزيد بلال على أن يقول: أحدٌ أحد، معلنًا توحيده لله وثباته على دينه مهما اشتد العذاب.
وكان آل ياسر من أوائل الأسر التي ذاقت مرارة الابتلاء في سبيل الله. فقد تعرض ياسر وزوجته سمية وابنهما عمار لألوان من التعذيب، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يمر بهم ويواسيهم بقوله: «صبرًا آل ياسر، فإن موعدكم الجنة». وكانت سمية رضي الله عنها أول شهيدة في الإسلام، فخلد الله ذكرها في تاريخ المسلمين.
ولم يكن رسول الله صلى الله عليه وسلم بمنأى عن الأذى، فقد تعرض للسخرية والإهانة، وألقيت الأوساخ في طريقه، ووُضع سلا الجزور على ظهره وهو ساجد عند الكعبة، فبادرت ابنته فاطمة رضي الله عنها، وهي صغيرة السن، إلى إزالة الأذى عنه، بينما رفع صلى الله عليه وسلم يديه إلى الله يدعوه وينتظر نصره.
ومع كل هذه المحن، لم يؤذن للمسلمين بحمل السلاح، بل أمرهم الله بالصبر وكف الأيدي، لأن المرحلة كانت مرحلة بناء الإيمان، وإعداد الرجال الذين سيحملون هذا الدين إلى العالم كله.
ولما اشتد البلاء، أذن رسول الله صلى الله عليه وسلم لبعض أصحابه بالهجرة إلى الحبشة، وقال عن ملكها: «إن بها ملكًا لا يُظلم عنده أحد». فخرجت جماعة من المسلمين حفاظًا على دينهم، وكانت تلك أول هجرة في الإسلام، بينما بقي رسول الله صلى الله عليه وسلم في مكة يواصل دعوته، ثابتًا لا يتراجع، واثقًا بوعد الله، يعلم أن الفرج قريب، وأن الله سيتم نوره ولو كره المشركون.
وبينما كانت قريش تظن أن التعذيب سيقضي على الإسلام، كان الله يهيئ لهذا الدين مرحلة جديدة، إذ لم تمضِ سنوات حتى شرح الله صدر رجلين من أعظم رجال قريش للإسلام، هما حمزة بن عبد المطلب وعمر بن الخطاب رضي الله عنهما، فكان إسلامهما نقطة تحول عظيمة في تاريخ الدعوة الإسلامية.
ما أجمل هذه القصة التي تفيض بنور الإيمان وغيرة الإسلام! إنها لحظة فارقة في تاريخ الدعوة، حينما انتفض أسد الله حمزة بن عبد المطلب رضي الله عنه، لا ليحمي مجرد قريب، بل ليحمي نبياً ورسولاً، ويعلن إسلامه بصوت يزلزل قريشاً.
تأملوا معي: خرج حمزة ذلك اليوم صائداً، يعشق الصحراء وقوسه، يعود ليطوف بالكعبة على دين قومه، فإذا بخادمة تلقاه بكلماتٍ أوقدت في قلبه نار الغضب لله ولرسوله، لم يتردد، لم يسأل، لم ينتظر، بل مشى بقوسه التي كانت سلاح صيدٍ، فجعلها سلاح عزٍّ، وضرب بها أبا جهل في ملأ من قريش، وشجه شجة عرفت به، ثم صاح بكل جرأة: أتشتم محمداً وأنا على دينه، أقول ما يقول؟ فردوا عليّ إن استطعتم.
فكان الموقف مهيباً، فقد ابتلع أبو جهل الإهانة، وأمسك بني مخزوم عن الثأر، معترفاً بأنه قد سب ابن أخيه سباً قبيحاً، وهنا تتحول الهواية إلى عبادة، والصيد إلى جهاد، والغضب إلى نصر.
هذا هو حمزة، أسد الله وأسد رسوله، من أسلم فأعز الإسلام، وكانت شهادته في أحدٍ أعظم مصائب النبي ﷺ، لكنه ترك في قلوب المؤمنين أثراً لا يمحى.
اللهم صلِّ وسلم وبارك على سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين، وارضَ عن حمزة سيد الشهداء، وعن جميع الصحابة الأخيار، واجعلنا معهم في جنات النعيم. وانشر هذه السطور، فهي من نور السيرة، تذكر الأجيال بأن العزة للإسلام، وأن كلمة الحق تعلو ولا تُعلَى، وأن الموقف الواحد قد يغير التاريخ.
لم يكن أبو بكر الصديق رضي الله عنه رجلًا يبحث عن المجد، ولا قائدًا يسعى إلى سلطان، وإنما كان قلبًا امتلأ بالإيمان منذ أن آمن برسول الله صلى الله عليه وسلم، فلم يفارقه في شدة ولا رخاء، حتى استحق أن يكون خير هذه الأمة بعد نبيها.
بعد وفاة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقعت على عاتقه مسؤولية لم يحملها أحد قبله. ارتدت قبائل، وادعى آخرون النبوة، ومنع قومٌ الزكاة، وكادت الجزيرة العربية أن تعود إلى الفوضى، لكن أبا بكر وقف ثابتًا كالجبال، وقال كلمته المشهورة: "والله لأقاتلن من فرّق بين الصلاة والزكاة." فحفظ الله به الدين، ووحّد به الأمة، وأعاد الأمن إلى بلاد المسلمين.
ولم يكتفِ بذلك، بل أمر بجمع القرآن الكريم في مصحف واحد بعدما استشهد عدد كبير من القرّاء، وكان هذا القرار من أعظم الأعمال التي حفظ الله بها كتابه إلى يوم القيامة.
ومع مرور السنين، بدأ المرض يشتد عليه. وفي السنة الثالثة عشرة للهجرة لزم فراشه أيامًا، وأحس أن لقاء ربه قد اقترب. ولم يكن أكبر همّه نفسه، بل كان يخشى على المسلمين أن يختلفوا بعده، لذلك استشار كبار الصحابة فيمن يلي أمر الأمة، فوجد أكثرهم يثنون على عمر بن الخطاب رضي الله عنه، لما عرفوا فيه من القوة والعدل والأمانة.
فكتب عهده للمسلمين، واستخلف عمر رضي الله عنه، ولم يُرد بذلك إلا جمع الكلمة وحفظ وحدة الأمة، ثم دعا الله أن يوفق من يتولى أمر المسلمين من بعده.
وكان رضي الله عنه شديد التواضع حتى في مرضه، فلم يترك لأهله مالًا ولا كنزًا، بل أوصى أن يُرد إلى بيت مال المسلمين كل ما كان قد استعمله من متاع الخلافة، ليقف بين يدي الله وليس في عنقه حق لأحد.
ولما حضرت وفاته، أوصى أن تُغسله زوجته أسماء بنت عميس رضي الله عنها، وأن يُكفن في ثوبيه اللذين كان يلبسهما، وقال: "إن الحيَّ أحوج إلى الجديد من الميت." فكانت حياته ومماته درسًا في الزهد والورع.
وفي ليلة الثلاثاء من جمادى الآخرة سنة ثلاث عشرة للهجرة، فاضت روحه الطاهرة عن ثلاثٍ وستين سنة، وهو العمر نفسه الذي توفي فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم. فحزن المسلمون حزنًا شديدًا، فقد ودعوا رجلًا كان أول الرجال إيمانًا، وأصدقهم صحبةً، وأعظمهم تضحيةً.
ودُفن أبو بكر رضي الله عنه في حجرة أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها، إلى جوار رسول الله صلى الله عليه وسلم، فكما لازمه في حياته، جمع الله بينهما بعد وفاته.
رحل الصديق، لكن سيرته بقيت مدرسةً في الصدق، والثبات، والعدل، والإخلاص، والزهد، وحسن القيادة. وسيظل اسمه خالدًا في صفحات التاريخ، لأنه نصر الدين في أصعب لحظاته، وثبت الأمة عندما اضطربت، وترك للأجيال مثالًا لا يتكرر في الوفاء لله ورسوله.
إذا أعجبتك هذه القصة، فانشرها بنية نشر السيرة الصحيحة، فلعلها تُعرّف مسلمًا بفضل خير هذه الأمة بعد نبيها، وتكون سببًا في زيادة محبة الصحابة رضي الله عنهم في القلوب. والدال على الخير كفاعله، ونشر العلم الصحيح من أفضل ما يُهدى للناس.
عندما انطلق سيف الله المسلول من دمشق جنوباً نحو أجنادين، كان يعلم أن جحافل الروم لن تتركه يسير بسلام، لكن خطته كانت محكمة؛ إذ ما إن تحرك بجيشه وجيش أبي عبيدة حتى خرجت حامية دمشق خلفهم تقاتل المؤخرة، لكن خالداً مضى بسرعة البرق، تاركاً أبا عبيدة ومن معه يواجهون حامية دمشق وحدهم، حتى كادوا ينهارون لولا أن الخبر لحق بقائدهم المعتصم بالله، فعاد خالد منهباً الأرض نهباً، ودق الروم بعضهم على بعض، وحرر حامية دمشق وشتت شملهم، ثم واصل طريقه إلى أجنادين متجنباً نهر الأردن خشية أن تخترق الميمنة الجيوش الرومية، فالتف حول البحر الميت ليصل إلى وجهته بأمان.
في تلك الأثناء، كان شرحبيل بن حسنة في بصرى على بُعد يوم واحد من جيش وردان، فأمره خالد ألا يقاتل، وخشي إن عاد إلى أجنادين أن يلحقه وردان من الخلف، فاتجه بجيشه شرقاً إلى قلب الصحراء التي تأبى الروم اجتيازها، وما إن علم وردان بذلك حتى توقف خشية المطاردة في تلك البقاع الموحشة، ثم وصلته رسالة هرقل بالتوجه إلى جلق للالتحام بالجيش الرومي بأكمله والتوجه جميعاً إلى أجنادين، فاجتمعت هناك مئة ألف مقاتل من الروم، بينما بلغت الجيوش الإسلامية كلها ثلاثة وثلاثين ألف مجاهد فقط، وكان آخر الواصلين إليها جيش شرحبيل بعد خروجه من الصحراء.
اختار الروم أجنادين للتجمع لا للقتال، فهي مفترق طرق تؤدي إلى بيت المقدس ودمشق والبحر المتوسط والرملة وغزة، تيسر اجتماع جيوشهم، لكنها لم تكن حصينة ولا ذات أسوار منيعة، ففاجأهم خالد بوصوله السريع هو وبقية الجيوش بأمر القائد الأعلى، وقبل أن تبدأ المعركة أرسل الروم جاسوساً من العرب الموالين لهم يدعى ابن هازرز، فمكث في معسكر المسلمين يوماً وليلة ثم عاد إلى قائده تذارق يصف ما رأى بعجب: إنهم رهبان في الليل، فرسان في النهار، لو سرق أميرهم لقطعوا يده، ولو زنى لرجمونه، يتشوقون للموت شوقاً، دويهم في معسكراتهم كدوي النحل، يذكرون الله قياماً وقعوداً وعلى جنوبهم، ويبكون بين يدي ربهم والناس نيام، كأنهم راهب انقطع عن الدنيا، فإذا طلع النهار كانوا فرساناً ذوي همة وتدريبات قتالية ومهارات فائقة، متوكلين على الله في العبادة، ومعتدين العدة في النهار، يبتسمون بالعدل المطلق، فلما سمع القائد الرومي هذا الكلام ارتعد وقال: لئن كنت صدقتني، فلبطن الأرض خير من لقاء هؤلاء على ظهرها، ولوجدت أن حظي من الله أن يخلي بيني وبينهم فلا ينصرني عليهم ولا ينصرهم علي.
وجاء السابع والعشرون من جمادى الأولى عام ثلاثة عشر للهجرة، يوم السبت، موعد الموقعة الفاصلة، نظم خالد جيشه فجعل على الميمنة معاذ بن جبل، وعلى الميسرة سعيد بن عامر، وقسم قلب الجيش نصفين، نصفاً للمشاة بقيادة أبي عبيدة في المؤخرة، ونصفاً للخيل بقيادة سعيد بن زيد في المقدمة، ووقف خالد بنفسه في صدارة الجيش، واشترط أن لا يقاتل أحد حتى يرونه هو يحمل على القوم، فكانت إشارته هي المعركة، أما الروم فجعلوا قائدهم وردان في المؤخرة كعادتهم ليؤمنوا حياته، بينما استخدم خالد سلاحاً معنوياً فريداً بوضع نساء المسلمين وأبناءهم خلف الجيش، يوثن المقاتلين ويحثونهم على القتال ويدعون لهم بالنصر، وأخذ خالد يطوف على القبائل والطوائف يوصيهم بتقوى الله ويقول: قاتلوا في الله من كفر بالله، ولا تنكصوا على أعقابكم، ولا تهنوا من عدوكم، اقدموا كإقدام الأسد وأنتم أحرار كرام، ولا يهولنكم كثرتهم فإن الله منزل عليهم رجسه وعقابه، يا معشر المسلمين، إذا حملت على القوم فاحملوا معي، الله أكبر.
في صبيحة السبت وعند صلاة الظهر، وكان خالد يفضل القتال بعدها، بادر الروم بالهجوم، فهاجمت ميمنتهم على ميسرة سعيد بن عامر فثبتت، وهاجمت ميسرتهم على ميمنة معاذ بن جبل فثبتت أيضاً، وظل الحال كذلك حتى قال سعيد بن زيد لخالد: يا خالد، إن رماح الروم تنال منا وقد بلغ الجهد، فرد عليه خالد: اصبر فإن في الصبر رجاء، وكان يرى أن تقدم جناحي الروم سيكشف قلبهم، فيسهل عليه اقتحامه والوصول.
#الجزء_الثاني
إلى قائدهم في المؤخرة، وعندما تحقق ذلك، حمل خالد بنفسه وصاح: احملوا عباد الله على من كفر بالله، فكان كمن أزاح صخرة أمام طوفان، فاقتحم المسلمون قلب جيش الروم كالسيل الهادر، وقاتلوهم قتالاً عنيفاً، وهتف معاذ بن جبل: يا معشر المسلمين، اشتروا أنفسكم اليوم لله، فإنكم إن هزمتموهم اليوم كانت لكم هذه البلاد دار الإسلام أبداً مع رضوان الله.
يقول الرواة: فما صبر لهم الروم فواقاً، أي قدر حلب ناقة، فلم تستطع تلك المئة ألف أن تصمد أمام رمح الإسلام اللامع، ووصل الجيش الإسلامي إلى خيمة القائد الرومي الذي قال في آخر لحظاته: والله ما رأيت يوماً في الدنيا أشد علي من هذا، ثم اجتث رأسه بعدها، بلغ عدد قتلى الروم ثلاثة آلاف قتيل، وبمجرد مقتل قائدهم فروا هاربين عبر الطرق المتشعبة حول أجنادين، فتتبعهم المسلمون قتلاً وأسراً، بينما لم يرتفع عدد شهداء المسلمين عن أربعة وعشرين شهيداً على اختلاف الروايات، وكان ممن نال الشهادة في هذه المعركة عكرمة بن أبي جهل، كلل الله جهود أربع سنوات من إيمانه بخاتمة السيف، ثم كتب خالد بن الوليد إلى خليفة رسول الله أبي بكر الصديق في المدينة يبشره: بسم الله الرحمن الرحيم، لعبد الله أبي بكر خليفة رسول الله من خالد بن الوليد سيف الله المسلول على المشركين، أما بعد، فإني أحمد الله إليك الذي لا إله إلا هو، أما بعد، فإني أخبرك أيها الصديق إنا قد التقينا نحن والمشركين وقد جمعوا لنا جموعاً جمة بأجنادين، ورفعوا صلبهم ونشروا كتبهم وتقاسموا بالله لا يسيرون حتى يفنوا أو يخرجون من بلادهم، فخرجنا إليهم واثقين بالله متوكلين على الله، فطاعناهم بالرماح ثم صرنا إلى السيوف، فقارعناهم في كل فج وفي كل طريق، فاحمد الله على إعزاز دينه وإذلال عدوه وحسن الصنيع لأوليائه، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته، فلما قرأها الصديق فرح وقال: الحمد لله الذي نصر المسلمين وأقر عيني بذلك، وكانت عينه لا تنام، ليس لانتظار الفتح فحسب، بل لأنه نقل خالداً من العراق رغم معارضة عمر، وكان يرجو الله أن تكلل هذه الخطوة بالنجاح حتى لا يخيب ظنه، فكان النصر، وكانت الدماء التي رويت بها أرض الشام شهادة لأمة لا تعرف المستحيل.
هذه ملحمة لا تبرح الأسماع، سيرة من نور خطها الأبطال بأسيافهم ودموعهم في جوف الليل، إنها قصة الإيمان يهزم العدد والعتاد، قصة رجال يتشوقون للقاء ربهم كما يتشوق الظمآن للماء، فانشر هذه التحفة الخالدة، وأذكِ في قلوب الأجيال نار العزة التي لا تخبو، واحملها على الألسنة وفي المجالس، فهي درس لكل من يقرأ التاريخ أن النصر ليس بكثرة الجند، بل بصدق التوكل وقوة اليقين
اهل الجنة ياحسين
سينو قضى الله حوائجك
بجاه سيدنا الحسين