دعاء رفع الهم والغم وقضاء الحاجة:
"اللهم إني أعوذ بك من الهم والحزن، وأعوذ بك من العجز والكسل، وأعوذ بك من الجبن والبخل، وأعوذ بك من غلبة الدين وقهر الرجال"...
دعاء رفع الهم والغم وقضاء الحاجة:
"اللهم إني أعوذ بك من الهم والحزن، وأعوذ بك من العجز والكسل، وأعوذ بك من الجبن والبخل، وأعوذ بك من غلبة الدين وقهر الرجال"
هذا الدعاء العظيم يُستحب قوله في أوقات الحاجة ورفع الهموم، وهناك أوقات مستحبّة محددة وردت في السنة لتأثير الدعاء فيها أعظم:
1. بعد صلاة الفجر والمغرب:
كان النبي ﷺ يكثر من هذا الدعاء في الصباح والمساء، لما فيه من طمأنينة وراحة للقلوب.
2. في أوقات الشدة والكرب:
إذا شعر الإنسان بالهم أو الحزن أو الضغط النفسي، فالدعاء وقت الحاجة يكون أقرب للإجابة.
3. عند التعرض للديون أو الظلم:
لأنه يشمل طلب النجاة من غلبة الدين وقهر الرجال، فقراءته بصدق تزيد الأمل والتوكل على الله.
4. قبل النوم:
من السنة أن يختتم العبد يومه بالدعاء، ليأخذ راحة نفسية ويترك الأمر لله عز وجل.
5. في السفر أو أي موقف صعب:
حيث يشعر الإنسان بالعجز أو الخوف، فهذا الدعاء يرفع الهم ويزيد الثقة بالله.
ملحوظة مهمة:
ليس هناك وقت محدد يمنع الدعاء، فكل وقت صالح للدعاء، ولكن الصباح والمساء وأوقات القرب من الله مثل بعد الصلاة أو في الثلث الأخير من الليل له فضل أكبر.
قصة عن ملائكة الجنة
بعد عمرٍ طويل من الطاعة والصبر، توفي رجل صالح كان لا يترك صلاةً ولا يرد محتاجًا ولا ينام إلا وقد سامح الناس جميعًا.
وفي يوم القيامة، وبعد أن منّ الله عليه بالنجاة، وقف أمام باب الجنة ينتظر الإذن بالدخول، وقلبه يخفق شوقًا لرؤية ما وعد الله به عباده المؤمنين.
وفجأة، فُتحت أبواب الجنة العظيمة، وخرجت منها ملائكةٌ وجوههم مشرقة كالقمر، وثيابهم من نور، تفوح منهم رائحة لم يشم مثلها قط.
اقترب أحد الملائكة منه وقال بلطف:
"سلام عليكم بما صبرتم، فنعم عقبى الدار."
شعر الرجل بسعادة لم يعرفها في حياته كلها، لكن المفاجأة لم تنتهِ.
فقد رأى الملائكة يحملون له هدايا عظيمة من نعيم الجنة، ويقودونه إلى قصرٍ لم ترَ عينٌ مثله، ولم يخطر على قلب بشر.
وبينما هو يسير معهم، سأل أحد الملائكة:
"هل تعرف لماذا أكرمك الله بهذا كله؟"
فقال الرجل:
"برحمة الله أولًا، ثم لا أدري."
فقال المَلَك:
"أتذكر يومًا كنت تسير فيه تحت المطر فرأيت رجلًا فقيرًا يرتجف من البرد؟"
قال: "نعم."
قال المَلَك:
"أعطيته معطفك وعدت إلى بيتك ترتجف أنت من البرد."
ثم قال:
"وأتذكر يومًا أخطأ في حقك رجل فكنت قادرًا على الانتقام منه، لكنك عفوت عنه لوجه الله؟"
قال: "نعم."
فقال المَلَك مبتسمًا:
"هذه الأعمال الصغيرة التي نسيتها أنت، لم ينساها الله."
فبكى الرجل من شدة الفرح وقال:
"يا رب، ما أعظم كرمك!"
عندها قالت الملائكة:
"في الجنة لا حزن بعد اليوم، ولا فراق، ولا مرض، ولا خوف... هذا هو الخلود الذي وعد الله به المؤمنين."
ودخل الرجل الجنة وهو يعلم أن كل خير فعله في الدنيا، مهما بدا صغيرًا، وجده عند الله أعظم مما كان يتخيل.
سؤال للتفاعل: لو أخبرك مَلَك أن عملًا واحدًا من أعمالك سيدخلك الجنة بإذن الله، فما العمل الذي تتمنى أن يكون في ميزان حسناتك؟
هو الصحابي أنس بن النضر رضي الله عنه، صحابي من الأنصار، من بني عدي بن النجار من الخزرج، ولم يشهد مع النبي صلى الله عليه وسلم غزوة بدر.
تخلّف الصحابي الجليل أنس بن النضر عن الانضمام إلى جيش المسلمين، فحزن حزنًا شديدًا، وقال: والله لئن أراني الله مشهدًا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما بعد، ليرينَّ الله مني ما أصنع. وظل في اشتياق إلى الجهاد في سبيل الله حتى جاءت غزوة أُحد في العام الذي يليه، فخرج فيها.
وكما تعلمون ما حدث في هذه الغزوة، حيث انكشف المسلمون، وجُرح النبي صلى الله عليه وسلم، وكُسرت رباعيته، وأُشيع بين الناس أن النبي قد قُتل.
وفي غزوة أُحد، ولما وجد فرار المسلمين بعد الهزيمة، قال: «اللهم إني أعتذر إليك مما صنع هؤلاء - يعني أصحابه -، وأبرأ إليك مما صنع هؤلاء - يعني قريشًا -».
فهناك من فرّ من الصحابة، وهناك من جلس على الأرض حزينًا، وعمّت الفوضى في جيش المسلمين.
ولكن كما يخرج الذهب من بوتقة اللهب المستعر، في الأزمات تظهر معادن الأبطال. قام أنس بن النضر ليبرَّ بقسمه، فلم يأبه بانهزام المسلمين، ولم تثنه الشائعات، فقام وحمل سيفه، وانطلق كالسهم يقاتل أعداء الله.
وبينما هو في طريقه رأى بعض الصحابة، فقال: ما يقعدكم؟
قالوا: قُتل رسول الله صلى الله عليه وسلم.
قال: فما تصنعون بالحياة بعده؟ قوموا فموتوا على ما مات عليه.
ثم مضى بسيفه، فلقيه سعد بن معاذ، فقال: أي سعد، والذي نفسي بيده، إني لأجد ريح الجنة دون أُحد.
ثم انطلق يشق بسيفه جحافل الكفر، غير مكترث بكثرتهم، وظل يقاتل كي يبرَّ بقسمه حتى اصطفاه الله من الشهداء.
ويصف سيدنا سعد بن معاذ للنبي صلى الله عليه وسلم ما فعله أنس، فيقول: فما استطعت، يا رسول الله، ما صنع!
وبعد المعركة وجدوه وقد قتله الكفار، ومثلوا بجثته، ووجدوا في جسده أكثر من ثمانين جرحًا، ما بين ضربة بسيف، أو طعنة برمح، أو رمية بسهم، حتى إنهم لم يعرفوه إلا من بنانه.
عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: نرى هذه الآية نزلت في أنس بن النضر:
تمر على الإنسان سنوات البرزخ وهو في قبره حتى يأتي اليوم الذي وعد الله به الأولين والآخرين يوم تنتهي الدنيا ويبدأ الحساب يوم لا يبقى ملك ولا سلطان إلا لله الواحد القهار.
ثم يأذن الله بقيام الساعة فينفخ في الصور النفخة التي يبعث الله بها جميع الخلائق من قبورهم قال الله تعالى ﴿ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرَىٰ فَإِذَا هُمْ قِيَامٌ يَنظُرُونَ﴾.
وفي لحظة واحدة تتحرك القبور التي سكنت آلاف السنين فيخرج منها كل إنسان منذ خلق الله آدم عليه السلام إلى آخر من مات في الدنيا فلا ينسى الله أحدًا ولا يغيب عنه أحد قال الله تعالى ﴿يَوْمَ يَدْعُوكُمْ فَتَسْتَجِيبُونَ بِحَمْدِهِ وَتَظُنُّونَ إِن لَّبِثْتُمْ إِلَّا قَلِيلًا﴾.
ويأمر الله الأرض أن تخرج ما في بطنها من الأموات فتتشقق القبور عن أصحابها قال الله تعالى ﴿وَأَخْرَجَتِ الْأَرْضُ أَثْقَالَهَا﴾.
ويخرج الناس جميعًا مسرعين لا يستطيع أحد أن يتخلف أو يختبئ أو يعود إلى قبره قال الله تعالى ﴿وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَإِذَا هُمْ مِنَ الْأَجْدَاثِ إِلَىٰ رَبِّهِمْ يَنسِلُونَ﴾.
وينظر الإنسان حوله فإذا الأرض ليست هي الأرض التي عاش عليها فقد غيرها الله سبحانه وتعالى قال تعالى ﴿يَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ غَيْرَ الْأَرْضِ وَالسَّمَاوَاتُ وَبَرَزُوا لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ﴾.
ويخرج الناس في دهشة عظيمة وقد امتلأت قلوبهم خوفًا فيقول الكافرون والمكذبون حين يرون ما كانوا ينكرونه ﴿يَا وَيْلَنَا مَن بَعَثَنَا مِن مَّرْقَدِنَا ۜ هَٰذَا مَا وَعَدَ الرَّحْمَٰنُ وَصَدَقَ الْمُرْسَلُونَ﴾.
ولا يحتاج الأمر إلى وقت طويل ولا إلى نداء يتكرر وإنما هي صيحة واحدة فإذا الخلائق كلها واقفة بين يدي الله قال سبحانه ﴿إِن كَانَتْ إِلَّا صَيْحَةً وَاحِدَةً فَإِذَا هُمْ جَمِيعٌ لَّدَيْنَا مُحْضَرُونَ﴾.
ويخرج الناس حفاة عراة غير مختونين كما خلقهم الله أول مرة لا يحملون شيئًا من متاع الدنيا ولا يلبسون ما كانوا يتزينون به ولا يملكون شيئًا من أموالهم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (إنكم محشورون حفاةً عراةً غُرْلًا).
ولما سمعت أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها ذلك قالت يا رسول الله الرجال والنساء جميعًا ينظر بعضهم إلى بعض فقال صلى الله عليه وسلم (الأمر أشد من أن يهمهم ذلك).
ثم يسير الناس جميعًا إلى أرض المحشر لا يلتفت أحد إلى أحد فقد شغل كل إنسان بنفسه وبمصيره قال الله تعالى ﴿يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ وَصَاحِبَتِهِ وَبَنِيهِ لِكُلِّ امْرِئٍ مِّنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ﴾.
ويصف الله سرعة خروجهم من القبور بقوله ﴿يَوْمَ يَخْرُجُونَ مِنَ الْأَجْدَاثِ سِرَاعًا كَأَنَّهُمْ إِلَىٰ نُصُبٍ يُوفِضُونَ خَاشِعَةً أَبْصَارُهُمْ تَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ ۚ ذَٰلِكَ الْيَوْمُ الَّذِي كَانُوا يُوعَدُونَ﴾.
وفي ذلك الموقف يدرك الإنسان أن الدنيا التي كان يتنافس عليها قد انتهت وأن الوعد الذي أخبرت به الرسل حق وأن الساعة التي كان بعض الناس يكذبون بها قد وقعت بالفعل وأنه لا طريق للعودة ولا فرصة لعمل جديد وإنما هو يوم الجزاء.
وهكذا ينتهي مشهد الخروج من القبور ويبدأ مشهد آخر أعظم منه وهو اجتماع الخلائق جميعًا في أرض المحشر ينتظرون القضاء بينهم من رب العالمين.
في مملكة قديمة، كان يعيش صياد فقير يدعى سالم، يمضي أيامه على شاطئ البحر، يلقي شباكه وينتظر رزق الله، وفي يوم من الأيام، أمسكت شباكه بشيء ثقيل، وعندما انتشلها وجد سمكةً ضخمة لم ير مثلها في حياته، تألقت حراشفها تحت أشعة الشمس كأنها قطع من الذهب، فعرف أنها ليست سمكة عادية، فأسرع بها إلى قصر الملك، لعله ينال مكافأة تعينه على أيامه العجاف.
دخل سالم على الملك، وقدم له السمكة، ففرح بها الملك وأمر له بأربعة آلاف درهم، لكن زوجة الملك وقفت في وجه الكرم، وقالت بحنق: أيها الملك، كيف تعطي هذا الصياد المتسول كل هذا المال مقابل سمكة؟ لو أعطيت كل من يقدم لك هدية مثل هذا المال لنفدت خزائنك، إنه لا يستحق إلا دراهم معدودة، فهذا ليس من شيم الملوك، أنت تضع نفسك في موضع الضعف، فاغضب الملك وتغير مزاجه، وأمر باسترداد المال من الصياد وقال له خذ ألف درهم فقط واذهب.
خرج الصياد من القصر حزيناً، لكنه لم ييأس، بل قرر ألا يرد الإهانة إلا بذكاء، فعاد إلى الملك وقال له: أيها الملك العادل، إني لا أريد مالاً، لكن لي رجاءً واحداً، أحضر لي زوجة الملك لتسمع كلماتي، فضحك الملك من طلبه، لكنه استدعى زوجته، فلما حضرت قال لها الصياد: أيتها الملكة، رأيتُ في منامي الليلة أن زوجك الملك سيخلعك وينتزع تاجك، وسيتزوج امرأة غيرك، لأنك تحرضينه على البخل وسوء الرأي، وإني رأيت أنني لو أخبرتك بهذا ستضربيني وتطرديني، لكنني أردت أن أنصحك، فاعلمي أن الملك إذا أطاع النساء في غير موضعها ضلّ ملكه وخسر رعيته، فضحكت الملكة وقالت هذا كلام فارغ، لكن الصياد ردّ عليها بحكمة: جربتِ رأيك اليوم، فلما أمرتِ الملك برد هبتي خسرتُ أربعة آلاف درهم، والآن ستجربين رأيي، وإن نجح فعليك أن تعطيني ما ترينه مناسباً، وإلا فليكن ما تشائين.
فتعجبت الملكة من جرأته، وقالت له إن نجح رأيك فلك عندي عشرة آلاف درهم، فقال الصياد: اذهبي إلى الملك وقولي له أنك رأيتِ في منامك أنك لو أعطيت الصياد أربعة آلاف درهم أخرى ستزول عن المملكة كل علّة ووباء، وسينعم الله عليكم بالخيرات، فذهب الملكة إلى الملك وأخبرته بما قالت، فضحك الملك وقال هذا كلام النساء، لكنها ألحت عليه حتى وافق، وأمر بإعطاء الصياد أربعة آلاف درهم أخرى، فأخذها وخرج من القصر مبتسماً.
وهكذا كسب الصياد من حكمة الرد الجميل ومن فطنته ما كان قد خسره من قبل، وعاد إلى بيته باثني عشر ألف درهم، بعد أن بدأ بأربعة ثم خسر ثلاثة ثم ربح ضعف ما خسر، وأصبحت قصته تروى في الأسواق، ويقال من تدبر برأي النساء في غير موضعه خسر، ومن سلك طريق الفطنة والرد البليغ ربح، هذه القصة العظيمة إن وصلت إليك فلا تدعها تمر، انشرها بين الناس لتكون عبرة لكل من يظن أن المال يمنح بغير حق، ولتذكرنا بأن الذكاء والفطنة ينجيان من الهلاك، وبأن الكلمة الطيبة تفتح الأبواب المغلقة، شاركها لتعم الفائدة وتزدهر النفوس، وصلِّ على النبي وادعُ أن يرزقنا الحكمة في القول والعمل.
في قرية هادئة تحيط بها الحقول وتغفو على أنغام الريح، عاش مالك رجل الصدق والوفاء، تاجر حبوب يمر بين الناس بابتسامة لا تعرف الحقد، وتزوج من سهير التي أحبته حباً جارفاً لكنه كان مشوباً بغيرة عمياء لا تعرف حدوداً، كانت تغار من نظرات النساء ومن حديث الجارات، بل وصلت غيرتها إلى أنها كانت تغار عليه من الحور العين في الجنة وتدعو أن يحرم منها، وفي البداية تقبل مالك غيرتها على أنها دليل حب عميق، لكنها تحولت مع الوقت إلى قيد ثقيل يخنق روحه، حاول مراراً أن يفهمها أن الثقة أساس الحب وأن الغيرة إذا تجاوزت حدها تحولت إلى نار تحرق العلاقة، لكنها كانت تذرف دموعاً وتقول أخاف أن تفقدني أخاف أن أستيقظ ولا أجدك بجانبي، وكان يلتمس لها العذر لأنها كانت عاقراً لا تنجب، فعاشت في خوف دائم من أن يتركها ويتزوج بأخرى، لكنه ظل وفيّاً لها طوال سنين زواجهما.
ثم جاء يوم مرضها الأخير، وفي لحظة صفاء نادرة سألته هل ستتزوج من بعدي، فنظر إليها بعينين دامعتين وقال لن أكذب عليك، سأتزوج لأني أحتاج إلى من يؤنس وحدتي، فطلبت منه وصية غريبة، قالت لا تتزوج إلا بعد أن يجف قبري، فظن أنها تطلب ألا يتزوج سريعاً احتراماً لذكراها فوافق دون أن يدرك مغزاها، ماتت ودفنها تحت شجرة زيتون قديمة، وكان يزورها كل أسبوع ويدعو لها ويضع يده على التراب فيجده رطباً في كل مرة، فيتذكر وصيتها ويؤخر زواجه، مرت الشهور والسنوات والقبر لا يجف ومالك لا يتزوج حتى تعجب الناس من وفائه، وفي يوم من الأيام رأى رجلاً يرش الماء على القبر، فسأله ماذا تفعل، فقال إنني أنفذ وصية أختي سهير، فقد طلبت مني أن أرش الماء على قبرها كل يوم، فوقف مالك مذهولاً وقد فهم أنها رسمت خطة مع أخيها لتمنعه من الزواج بعد وفاتها، لتظل هي الوحيدة في قلبه حتى بعد الموت، لم يغضب بل ابتسم وقال أحبتني حتى الموت بل حتى بعد الموت، لكنه في اليوم التالي قرر أن يتزوج، لا لأنه نسيها بل لأنه أدرك أن الحياة لا تتوقف عند أحد وأن الحب لا يعني أن نطفئ شموع العمر في انتظار من رحل، فتزوج من ريحان التي عرفت قصة سهير واحترمت ذكراها، وكانت تقول له رحم الله من أحبك بصدق حتى بعد أن غادرت الحياة.
وهكذا عاش مالك بقلب يحمل حباً قديماً ووفاءً لا ينسى، وحكمة تقول إن الحب لا يقاس بطول الانتظار بل بصدق المشاعر، وإن الغيرة إذا تجاوزت حدها تحولت إلى قيد يكبل الأرواح حتى بعد الموت، ليست هذه الحكاية عن امرأة غارت ولا عن رجل وفى، بل عن حدود الحب والغيرة التي إن لم تضبط أفسدت العلاقات، وعن الوفاء الذي لا يقاس بالزمن بل بالنية والصدق، فلا تكن غيوراً حد الجنون ولا وفيّاً حد الجمود، بل كن متزناً تعرف متى تحب ومتى تسامح ومتى تكمل الطريق، هذه القصة إن وصلت إلى قلبك فلا تدعها تمر، انشرها لتكون عبرة لكل من يظن أن الحب يعني التملك، ولتذكرنا بأن الثقة هي أساس العلاقات، شاركها لتعم الفائدة وتزدهر القلوب، وصلِّ على النبي وادعُ أن يرزقنا الحب الصافي الذي لا يخنق ولا يكبل.
في صباح مشرق، بينما كان ضوء الشمس يتسلل بهدوء عبر نوافذ المدينة القديمة، وصلني خبر هزّ كياني وأفقدني توازني الداخلي، قرر والداي منى وباسل الانفصال، وذهبا إلى المحكمة لتوقيع أوراق الطلاق، شعرت في تلك اللحظة أن العالم تغير، وأن الأرض صارت أقل ثباتاً تحت قدمي، وعند عودتهما كانت ردود أفعالهما غريبة ومؤلمة، قالت أمي بحاولة تخفيف الطلاق ليس سيئاً بل هو فصل جديد، أما والدي فقال مازحاً أصدقاؤك لهم بيت واحد وأنت محظوظ سيكون لك بيتان، لكن قلبي لم يستوعب الكلمات، وشعرت أن جسدي يتجزأ، تركت غرفتي في بيت أمي وجهز لي والدي أخرى في بيته الجديد، كأنهما يوزعان أجزائي.
وفي أحد المساءات، أصبح الانقسام حقيقة ملموسة، كأنني قسمت بالسكين، نصف مع أمي ونصف مع أبي، وفي بيت أبي كان علي أن أخفي اشتياقي للنصف الآخر وإلا عوقبت، وفي بيت أمي كانت الغرف موصدة والنصف الآخر محبوساً، كل جزء مني يئن بصمت، حتى مدرس الألعاب رفضني لفريق كرة القدم لأنه يحتاج لاعباً بقدمين متساويتين، ولم يعلم أنني بروح واحدة ولكن بجسدين، كنت أعود بالنجاح وأرى والدي يحتضنان طفلهما الجديد، فتنهمر دموعي بصمت، عيني اليمنى تبتسم لأبي واليسرى لأمي، وقلبي يتأرجح في حيرة.
وفي مساء وحدتي، رأيت نفسي في المرآة نصف وجهي مختفياً في الظل، شعرت أنني نصف حي والنصف صورة، وأن روحي تنام في الشارع رغم أن لي بيتين وغرفتين، لكن مع الأيام تعلمت أن الحياة تمنح قوة داخلية لمن يختبر الألم، بدأت أعيش مع نفسي الممزقة وأقسم الحب بين النصفين، وفي أحد الأيام جاءني والدي بكرة وقال بصوت خافت اعلم أني أقدرك، فابتسمت بعيني اليمنى لكن قلبي قال أحبك يا أبي لكن نصفاً آخر يحب أمي، وفي البيت الآخر احتضنتني أمي وقالت أعلم أن قلبك مقسوم لكن اجعل كل جزء يختار الحب والنقاء، تعلمت أن الحياة تقسمنا لكنها تمنحنا القدرة على الحب بصدق، وأن الروح لا تقسم، والحب لا يقاس بعدد البيوت بل بصدق المشاعر.
العبرة يا قارئي أن الحياة لا تقاس بالظروف بل بالقوة من الألم، وبالقدرة على البقاء صافياً رغم الانقسام، كل قلب مهما تقسم يحمل نوراً لا يطفأ، هذه القصة إن وصلت إلى قلبك فلا تدعها تمر، انشرها لتصل لكل من يعيش الانقسام بين الحنان والغياب، شاركها لتعم الفائدة وتزدهر القلوب، وصلِّ على النبي وادعُ أن يجمع شملنا في الحب.
في مدينة قديمة يحيط بها سور عال من حجارة عتيقة، عاش تاجر يدعى نصير الدين عُرف بذكائه في التجارة وبخل لا يبارى، ولم يكن له من أهل سوى ابنته الوحيدة ليلى، الفتاة الرقيقة التي جمعت بين الجمال والعقل والرزانة، وكانت تعامل والدها ببر وطاعة وتتحمل صمته الغليظ وطباعه الحادة دون شكوى، كبرت ليلى وذاع صيتها بين شباب المدينة حتى أصبحوا يتسابقون إلى بيت أبيها راغبين في نيل رضاها، لكنهم ما إن يجلسوا أمامه حتى يعودوا خائبين، لأنه كان يطلب مهراً فاحشاً لا يطاق، وكلما تقدم خاطب رفع المبلغ أكثر، حتى قال الناس من أراد أن يشتري ذهباً فليذهب إلى نصير الدين ومن أراد ابنته فليحمل ماله كله، وفي أحد المساءات قالت ليلى لوالدها بهدوء لماذا ترد الخاطبين جميعاً، فأجابها لأنهم لا يعرفون قيمتك وأنا وحدي من أعرف كم كلفتني منذ ولادتك، وذهب إلى صندوق خشبي قديم وأخرج دفتراً سميكاً متهالكاً، وقال هذا دفتر حسابك، سجلت فيه كل درهم صرفته عليك من حليب وعلاج وتعليم، فوقفت ليلى مذهولة وقالت أتحسب حب الأب لأبنائه حساباً وتقيس العاطفة بالدنانير، فابتسم ابتسامة باردة وقال أنا تاجر لا أتعامل إلا بالميزان والدفتر، حتى في الأبوة لا أطيق الخسارة، فخرجت باكية.
ومرت الشهور حتى عزف الجميع عن خطبتها، غير أن الأقدار خبأت لها يوماً مغايراً، ففي صباح ربيعي جاء إلى السوق شاب وسيم يدعى عادل بن سليم، سمع بما كان من أمر التاجر فذهب إليه ودق بابه، قال له جئت أطلب يد ابنتك، فقال التاجر أتعلم مهرها إنه ليس كأي مهر، فقال عادل قد بلغني وأنا مستعد له، فضحك التاجر وقال المهر يزيد الآن عشرين ديناراً، فقال عادل موافق لكنني أريد الدفع على أقساط راتبي نصفه لي ونصفه لك حتى أوفي المهر خلال ثمان سنوات، فقال التاجر بل عشر سنوات فالتأجيل له ثمن، فوافق عادل بشرط أن نكتب عقداً يحفظ حقي وحقك، فإن سددت كامل المهر أصبحت زوجة لي بحق وإن قصرت فلي عليك ما اتفقنا، فأعجب التاجر بالفكرة وأحضر ورقة وكتب الاتفاق ووقعا وشهد التجار، وبعد أيام تم الزواج في وليمة متواضعة، لم يكن زواجاً مفعماً بالحب بل اتفاقاً بين عقلين.
مرت الأعوام، وكان عادل زوجاً حنوناً يحب ليلى ويعاملها باحترام، وكان يأمرها أن تزور أباها كل أسبوع وتطبخ له ما يحب، ففعلت بإخلاص حتى صار ينتظرها كل جمعة كالعليل دواءه، مضت عشر سنوات، وفي السنة الأخيرة توقفت ليلى عن الزيارة فجأة، حاول الأب معرفة السبب لكنها لم تأت، أيام طويلة مرت عليه كالسنين، شعر بالوحشة تطرق قلبه لأول مرة، جلس أمام دفاتره فلم يجد فيها عزاء، أدرك أن الدنانير لا تشتري لحظة دفء، فحمل نفسه إلى بيتها وطرق الباب، خرج عادل وقال له ببرود هل نسيت العقد، لقد بعتني ابنتك بعشرة أعوام وأتممت الدفع فأصبحت ملكي بموجب الاتفاق، قال الأب مذعوراً ابنتي ليست سلعة، قال عادل هذه توقيعاتك وشهودك أحياء فلا حق لك فيها، جثا العجوز على ركبتيه باكياً أرجوك دعني أراها مرة وسأرد لك المال مضاعفاً، فقال عادل هل تظن أنك تستطيع شراءها الآن، أتراها سلعة كما كنت تراها، سقطت الكلمات كالسياط فأطرق رأسه وقال لا والله، أدركت كم كنت ظالماً حين وضعت قلب الأب في كفة والدرهم في الأخرى، فدخل عادل وأخرج ليلى فهرع إليها الأب واحتضنها وبكى حتى غمرت دموعه كتفيها، فقالت له غفرت لك منذ زمن لكني أردت أن تفهم أن الحب لا يقاس بالذهب، فاقترب عادل ومزق العقد أمام عينيه وقال ابنتك ليست سلعة بل أمانة ونعمة، ومن لا يصنها لا يستحقها، جلسوا تلك الليلة يتحدثون ويضحكون، وفي الغد أعلن التاجر أنه وهب ماله للفقراء وقال من أراد أن يتاجر فليتاجر مع الله، هو الربح الذي لا يخسر، ومنذ ذلك اليوم صار الناس يذكرون قصته ويقولون لأبنائهم احذروا دفتر الأثمان، فليس في الحياة ما يشترى سوى الندم إن باع المرء قلبه بثمن بخس.
رسالة إلى القارئ، قد تغريك الأرقام وتبهرك الموازين، لكن لا تنس أن القلب لا يقاس بالدنانير، وما تهمله اليوم من حب قد تطلبه غداً بثمن مضاعف ولن تجده، هذه القصة إن وصلت إلى قلبك فلا تدعها تمر، انشرها لتكون تذكيراً بأن الأبوة ليست تجارة والحب ليس سلعة، ولتذكر كل أب بأن ابنته ليست دفتر حسابات، شاركها لتعم الفائدة وتزدهر النفوس، وصلِّ على النبي وادعُ أن يرزقنا الحب الصافي الذي لا يباع ولا يشترى.
في تلك البقعة من الأرض التي شهدت أعنف المواجهات بين فارس والإسلام، وقف جيش المسلمين وجيش الفرس يستعدان لمعركة فاصلة، والجيشان يرصدان بعضهما بعيون تتلهب حزماً، إذ فوجئ المسلمون بمنظر هائل لم يكن في الحسبان، فقد أخرج الفرس أسداً ضخماً مدرباً على القتال، يزأر زئيراً يزلزل القلوب ويكشر عن أنيابه كأنها خناجر، ثم أطلقوه نحو صفوف المسلمين دون سابق إنذار، فاندفع الأسد كالصاعقة، يركض نحو الجيش الإسلامي بسرعة مرعبة، والجنود يتراجعون مذعورين أمام هذا الوحش الذي لا تطيقه السيوف، لكن في تلك اللحظة العصيبة، خرج من بين صفوف المسلمين رجل بقلب أسد، رجل لا يعرف الخوف طريقاً إلى قلبه، ركض نحو الأسد في مشهد أرعب الحاضرين وأذهل الفريقين، كيف لإنسان أن يركض نحو وحش مفترس، والتاريخ لم يشهد مثل هذه الجرأة، الجيشان ينظران في دهشة، يتساءلون كيف يمكن لأي كان أن يواجه أسداً بكل تلك القوة، لكن بطلنا كان كالريح، لا يهابه، يمضي بصدره المملوء بالإيمان والعزة، يعتقد أن الأسد هو من يجب أن يخاف منه، فقفز عليه كالليث على فريسته، وطعنه طعنات متتالية، حتى صرعه وأرداه قتيلاً، فتملك الرعب قلوب الفرس، كيف سيقاتلون رجالاً لا تهاب الأسود، وكيف يصمدون أمام من يذبحون الوحوش بأيديهم، ودحرهم المسلمون عن بكرة أبيهم، وانتصر الحق على الباطل.
بعد المعركة، ذهب سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه إلى ذلك البطل الأسطوري، وقبل رأسه تكريماً له، فانكب البطل بتواضع الفرسان على قدمي سعد وقبلهما، وقال ما مثلك أن يقبل رأسي، لقد كان ذلك الأسد هو هاشم بن عتبة بن أبي وقاص، قاتل الأسود، ذلك الفارس الذي لم يهاب الموت، ولم يخش الوحوش، جعل من الأسد عبرة لأعدائه، ومن شجاعته درساً للأجيال، هؤلاء هم الذين يجب أن ندرسهم لأبنائنا، لا أعداء الإسلام ومن سار على نهجهم، هم يريدون لنا أن ننسى أسودنا المسلمين، أن نطمس تاريخهم، وأن ننسى أننا كنا أمةً لا تخاف الأسود ولا تهاب الجيوش، لكننا لن ننساهم، بل سنعيد مجدهم بإذن الله، وسنربى أبناءنا على أن يكونوا كهاشم بن عتبة، يواجهون الصعاب بصدور مملوءة إيماناً، وينتصرون على المستحيل، هذه القصة العظيمة إن وصلت إلى قلبك وحركت فيك كبرياء الانتماء، فلا تدعها تمر، انشرها بين الناس، ليعلم الجيل أن أجدادهم كانوا يذبحون الأسود قبل أن يذبحوا الجيوش، ولتكون شعلة في قلوب الشباب، صلوا على الحبيب المصطفى، وشاركوا هذه الملحمة الخالدة، لتعم الفائدة وتزدهر العزة، فإن نشر سير الأبطال من أعظم الجهاد.
في قرية هادئة تحيط بها الحقول وتغفو على أنغام الريح، عاش مالك رجل الصدق والوفاء، تاجر حبوب يمر بين الناس بابتسامة لا تعرف الحقد، وتزوج من سهير التي أحبته حباً جارفاً لكنه كان مشوباً بغيرة عمياء لا تعرف حدوداً، كانت تغار من نظرات النساء ومن حديث الجارات، بل وصلت غيرتها إلى حد أنها كانت تغار عليه من الحور العين في الجنة وتدعو أن يحرم منها، وفي البداية تقبل مالك غيرتها على أنها دليل حب عميق، لكنها تحولت مع الوقت إلى قيد ثقيل يخنق روحه، حاول مراراً أن يفهمها أن الثقة أساس الحب وأن الغيرة إذا تجاوزت حدها تحولت إلى نار تحرق العلاقة، لكنها كانت تذرف دموعاً وتقول أخاف أن تفقدني أخاف أن أستيقظ ولا أجدك بجانبي، وكان يلتمس لها العذر لأنها كانت عاقراً لا تنجب، فعاشت في خوف دائم من أن يتركها ويتزوج بأخرى، لكنه ظل وفيّاً لها طوال سنين زواجهما.
ثم جاء يوم مرضها الأخير، وفي لحظة صفاء نادرة سألته هل ستتزوج من بعدي، فنظر إليها بعينين دامعتين وقال لن أكذب عليك، سأتزوج لأني أحتاج إلى من يؤنس وحدتي، فطلبت منه وصية غريبة، قالت لا تتزوج إلا بعد أن يجف قبري، فظن أنها تطلب ألا يتزوج سريعاً احتراماً لذكراها فوافق دون أن يدرك مغزاها، ماتت ودفنها تحت شجرة زيتون قديمة، وكان يزورها كل أسبوع ويدعو لها ويضع يده على التراب فيجده رطباً في كل مرة، فيتذكر وصيتها ويؤخر زواجه، مرت الشهور والسنوات والقبر لا يجف ومالك لا يتزوج حتى تعجب الناس من وفائه، وفي يوم من الأيام رأى رجلاً يرش الماء على القبر، فسأله ماذا تفعل، فقال إنني أنفذ وصية أختي سهير، فقد طلبت مني أن أرش الماء على قبرها كل يوم، فوقف مالك مذهولاً وقد فهم أنها رسمت خطة مع أخيها لتمنعه من الزواج بعد وفاتها، لتظل هي الوحيدة في قلبه حتى بعد الموت، لم يغضب بل ابتسم وقال أحبتني حتى الموت بل حتى بعد الموت، لكنه في اليوم التالي قرر أن يتزوج، لا لأنه نسيها بل لأنه أدرك أن الحياة لا تتوقف عند أحد وأن الحب لا يعني أن نطفئ شموع العمر في انتظار من رحل، فتزوج من ريحان التي عرفت قصة سهير واحترمت ذكراها، وكانت تقول له رحم الله من أحبك بصدق حتى بعد أن غادرت الحياة.
وهكذا عاش مالك بقلب يحمل حباً قديماً ووفاءً لا ينسى، وحكمة تقول إن الحب لا يقاس بطول الانتظار بل بصدق المشاعر، وإن الغيرة إذا تجاوزت حدها تحولت إلى قيد يكبل الأرواح حتى بعد الموت، ليست هذه الحكاية عن امرأة غارت ولا عن رجل وفى، بل عن حدود الحب والغيرة التي إن لم تضبط أفسدت العلاقات، وعن الوفاء الذي لا يقاس بالزمن بل بالنية والصدق، فلا تكن غيوراً حد الجنون ولا وفيّاً حد الجمود، بل كن متزناً تعرف متى تحب ومتى تسامح ومتى تكمل الطريق، هذه القصة إن وصلت إلى قلبك فلا تدعها تمر، انشرها لتكون عبرة لكل من يظن أن الحب يعني التملك، ولتذكرنا بأن الثقة هي أساس العلاقات، شاركها لتعم الفائدة وتزدهر القلوب، وصلِّ على النبي وادعُ أن يرزقنا الحب الصافي الذي لا يخنق ولا يكبل.
ما من إنسان يمشي على هذه الأرض إلا وله موعد كتبه الله لا يتقدم عنه لحظة ولا يتأخر عنه لحظة يعيش الإنسان سنوات طويلة يخطط ويبني ويجمع المال ويظن أن أمامه متسعًا من الوقت حتى تأتي اللحظة التي لا يستطيع أحد ردها قال الله تعالى ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ ۗ وَإِنَّمَا تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ۖ فَمَنْ زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ ۗ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ﴾.
وعندما يحين الأجل الذي كتبه الله لا يستطيع أحد أن يؤخره أو يقدمه كما قال سبحانه ﴿فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ لَا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلَا يَسْتَقْدِمُونَ﴾ وقال تعالى ﴿قُلْ يَتَوَفَّاكُمْ مَلَكُ الْمَوْتِ الَّذِي وُكِّلَ بِكُمْ ثُمَّ إِلَىٰ رَبِّكُمْ تُرْجَعُونَ﴾.
وفي تلك اللحظة يدرك الإنسان أن الدنيا التي شغلته قد انتهت وأنه انتقل إلى أول مراحل الآخرة فلا ينفعه مال ولا ولد إلا ما قدمه من إيمان وعمل صالح قال الله تعالى ﴿حَتَّىٰ إِذَا جَاءَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ رَبِّ ارْجِعُونِ لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحًا فِيمَا تَرَكْتُ ۚ كَلَّا ۚ إِنَّهَا كَلِمَةٌ هُوَ قَائِلُهَا ۖ وَمِنْ وَرَائِهِمْ بَرْزَخٌ إِلَىٰ يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾.
ثم يحمله أهله إلى قبره وقد فارقهم ولن يعود إليهم حتى يبعثه الله يوم القيامة ويبكي عليه من يحبه ثم ينصرف الجميع ويبقى وحده لا صاحب ولا قريب ولا مال ولا منصب وإنما عمله الذي قدمه في الدنيا.
وقد أخبر النبي صلى الله عليه وسلم بما يقع بعد انصراف الناس فقال (إن العبد إذا وُضِع في قبره وتولى عنه أصحابه إنه ليسمع قرع نعالهم).
ثم يأتيه الملكان فيجلسانه ويسألانه عن أعظم ما عاش الإنسان من أجله فيقال له من ربك وما دينك ومن نبيك فإن كان مؤمنًا أجاب بما ثبته الله عليه في الدنيا فيقول ربي الله وديني الإسلام ونبيي محمد صلى الله عليه وسلم فينادي مناد من السماء أن صدق عبدي.
وأما المنافق أو الكافر فإنه لا يستطيع الجواب فيقول كما أخبر النبي صلى الله عليه وسلم (هاه هاه لا أدري كنت أقول ما يقول الناس).
وقد أشار الله إلى تثبيت المؤمن في هذا المقام العظيم بقوله سبحانه ﴿يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ ۖ وَيُضِلُّ اللَّهُ الظَّالِمِينَ ۚ وَيَفْعَلُ اللَّهُ مَا يَشَاءُ﴾.
ثم يمكث الإنسان في قبره في عالم البرزخ إلى أن يأذن الله بقيام الساعة فإذا شاء الله نفخ في الصور فقام الناس جميعًا من قبورهم كما قال سبحانه ﴿وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَإِذَا هُمْ مِنَ الْأَجْدَاثِ إِلَىٰ رَبِّهِمْ يَنْسِلُونَ﴾ وقال تعالى ﴿يَوْمَ يَخْرُجُونَ مِنَ الْأَجْدَاثِ سِرَاعًا كَأَنَّهُمْ إِلَىٰ نُصُبٍ يُوفِضُونَ﴾.
وفي ذلك اليوم يقف الخلق جميعًا بين يدي الله لا يخفى عليه منهم شيء ولا يستطيع أحد أن ينكر عملًا عمله قال الله تعالى ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ﴾.
وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم (إذا مات الإنسان انقطع عمله إلا من ثلاث صدقة جارية أو علم ينتفع به أو ولد صالح يدعو له).
فهنيئًا لمن ملأ صحيفته بالإيمان والصلاة والصدق وبر الوالدين وصلة الرحم وتلاوة القرآن والإحسان إلى الناس والتوبة قبل فوات الأوان وويل لمن ضيع عمره في المعاصي والغفلة ثم تمنى الرجوع بعدما رأى الحقيقة فلا رجعة بعد الموت وإنما هو الحساب والجزاء.
اللهم أحسن خاتمتنا وثبتنا عند السؤال واجعل قبورنا روضة من رياض الجنة واجعل خير أعمالنا خواتيمها وخير أيامنا يوم نلقاك وأنت راضٍ عنا
لم تمضِ إلا أشهر قليلة على خروج المسلمين من شِعب أبي طالب حتى نزلت برسول الله صلى الله عليه وسلم مصيبتان عظيمتان، كان لهما أثر بالغ في نفسه وفي مسيرة الدعوة. ففي السنة العاشرة من البعثة توفي عمه أبو طالب، الذي ظل أكثر من أربعين عامًا يحوط ابن أخيه بالرعاية، ويدافع عنه أمام قريش، ويمنعهم من الوصول إليه، مع أنه لم يدخل في الإسلام.
اشتد مرض أبي طالب في أيامه الأخيرة، فدخل عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يرجو أن يختم الله له بالإيمان. وكان عنده بعض زعماء قريش، منهم و.
جلس النبي صلى الله عليه وسلم عند رأس عمه وقال له برفق ورحمة: «يا عم، قل: لا إله إلا الله، كلمةً أحاجُّ لك بها عند الله.»
لكن أبا جهل وعبد الله بن أبي أمية أخذا يكررَّان عليه: أترغب عن ملة عبد المطلب؟
وكان آخر ما قاله أبو طالب أنه على ملة عبد المطلب، ولم ينطق بالشهادتين. فحزن رسول الله صلى الله عليه وسلم حزنًا شديدًا، لأنه كان يحب عمه، ويرجو له النجاة.
وبعد وفاة أبي طالب، فقد رسول الله صلى الله عليه وسلم الحماية القبلية التي كانت تمنع قريشًا من الاعتداء عليه، فازداد أذى المشركين له، واشتدت جرأتهم عليه كما لم تكن من قبل.
ولم تكد تمر أيام حتى نزلت المصيبة الثانية، إذ مرضت زوجته الوفية رضي الله عنها، التي كانت أول من آمن به، وأول من صدقه، وأول من واساه حين نزل عليه الوحي، وأنفقت مالها في نصرة الإسلام، وشاركت المسلمين سنوات الحصار في شِعب أبي طالب بكل صبر ورضا.
اشتد بها المرض حتى توفيت رضي الله عنها، وكان عمرها يقارب خمسًا وستين سنة على المشهور. فحزن عليها رسول الله صلى الله عليه وسلم حزنًا عظيمًا، لأنها لم تكن زوجة فحسب، بل كانت صاحبة فضل وسندًا لا يفارقه في أشد المحن.
ولم ينسَ رسول الله صلى الله عليه وسلم فضلها طوال حياته، فكان يذكرها كثيرًا بعد وفاتها، ويكرم صديقاتها، ويقول: «إني قد رُزقت حبها.» وكان إذا ذبحت شاةً بعث منها إلى صديقات خديجة وفاءً لها.
واجتمع على رسول الله صلى الله عليه وسلم في عام واحد فقد عمه الذي كان يحميه، وفقد زوجته التي كانت تؤنسه وتخفف عنه، فسُمِّي ذلك العام عند أهل السيرة عام الحزن.
ورأت قريش أن الفرصة قد سنحت للنيل من رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد وفاة أبي طالب، فاشتد أذاهم، حتى إن بعض سفهائهم ألقى التراب على رأسه وهو عائد إلى بيته، فلم يزد على أن مضى صابرًا محتسبًا.
فلما دخل بيته، قامت إحدى بناته تغسل التراب عن رأسه وهي تبكي، فقال لها رسول الله صلى الله عليه وسلم كلمات ملأت قلبها طمأنينة: «لا تبكي يا بُنية، فإن الله مانع أباك.»
ورغم ما أصابه من الحزن والأذى، لم يتوقف عن دعوة الناس إلى الله، بل أخذ يبحث عن مكان آخر يحمل فيه الناس رسالة الإسلام، بعدما رأى إصرار أكثر أهل مكة على الكفر والعناد.
فاتجه ببصره إلى مدينة الطائف، التي كانت من أكبر مدن الحجاز، ويسكنها قوم ثقيف، وكان يأمل أن يجد فيها من يسمع دعوة الله ويؤمن بها، أو على الأقل يمنحه الحماية حتى يبلغ رسالة ربه.
خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى الطائف سيرًا على الأقدام، ومعه مولاه رضي الله عنه، ولم يكن يعلم أن رحلته تلك ستكون من أشد ما مر به من ابتلاء، لكنها ستكشف في الوقت نفسه عن أعظم صور الصبر والرحمة والثبات في حياة خاتم الأنبياء صلى الله عليه وسلم.
#المدينة_النائمة
______________( الجزء الأول )__________
دعتني الحكايات إلى بستان، دخلتُ وطلبتُ الأمان. لكل حكاية معناها، ولكم قَطفتُ أحلاها. عُدتُ إليكم أحكيها، وفي قلوبكم أُخفيها.
فليس أحبَّ على الآذان من قول: كان يا مكان.
السلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته،
أهلًا وسهلًا ومرحبًا بكم متابعي صفحة " #رحلةالىعالم_الحكايات ".
سعيدٌ بلقائكم أيها الأحبّة، واليوم أيها الأعزاء سأحكي لكم حكاية المدينة النائمة.
أرجو أن تنال الحكاية إعجابكم، وأن تستمتعوا بها، وألا تبخلوا علينا بدعمكم، فدعمكم هو وقود صفحتنا.
قراءة طيبة...
كان يا مكان في قديم الزمان، ولا يحلو الكلام إلّا بذكر العزيز الرحمن، والصلاة والسلام على المصطفى خير الأنام.
في مدينة "المرجان"، حيث كانت أبنية المدينة بيضاء كالثلج، تعكس زرقة السماء، وحيث كان شروق الشمس يلوّن الأفق بألوان الذهب والياقوت كل صباح.
كانت الحياة تدور حول البحر، هدير الأمواج الصامت هو الخلفية الدائمة لصخب الأسواق، حيث تُباع البهارات النادرة واللؤلؤ البحري الذي لا يُثمَّن.
كانت هذه المدينة ميناءً للعجائب والغرائب، لكنها كانت تُخفي بين طياتها أسرارًا لا يعلمها إلا القليلون.
كانت المدينة مشهورة بقصص الجنّ والبحر، وكان الناس يتداولون حكايات السفن التي تختفي بلا أثر، والمدن الغارقة التي ينام سكانها تحت الماء.
كانت هذه القصص تُروى على المقاهي في ليالي الشتاء الباردة، ويضحك منها بعض التجار، بينما يأخذها البحارة مأخذ الجدّ.
وفي هذه المدينة عاش شاب يُدعى "يونس".
كان يونس بحّارًا ماهرًا، قويّ البنية، شجاعًا لا يهاب الموج العاتي، وكان يتميّز بروح المغامرة التي لا ترضى بالهدوء والرتابة.
كان يونس يشعر بمللٍ غريب من الحياة اليومية، فرغم صخب الميناء وجمال المدينة، كان يرى أن كل يومٍ يشبه سابقه.
كان يحلم بالاستكشاف والأسرار التي لم تطأها قدم بشر.
لم يكن ماضي يونس عاديًا، فقد وُجد على الشاطئ وهو طفل رضيع، ملفوفًا بقماشٍ فاخر، وبجانبه صدفة بحرٍ غريبة الشكل، كبيرة الحجم، وملوّنة بألوانٍ لم تُشاهد في ميناء المدينة.
ربّاه صيّادٌ عجوز، وعاش حياة بسيطة.
كانت تلك الصدفة هي كل ما يربطه بماضيه الغامض.
ومنذ زمنٍ قريب، بدأ يونس يسمع منها صوتًا خافتًا جدًا لا يسمعه إلا هو، في ساعات الليل المتأخرة عندما ينام أهل المدينة ويهدأ البحر.
كان الصوت أنينًا غامضًا يهمس بكلماتٍ غير مفهومة عن النوم الطويل أو عن مدينة المرجان المنسيّة.
في ذلك اليوم بالذات، وبينما كان يونس في السوق يشتري بعض الحبال لسفينته الصغيرة، رأى مشهدًا كسر هدوء المدينة الزائف.
مجموعة من التجار كانوا يصرخون في فزعٍ وهلع، ويضربون بأيديهم على رؤوسهم.
_ صاح تاجرٌ كان يرتدي ملابس فاخرة ووجهه شاحب كالموتى:
«لقد اختفت القافلة كلها! اختفت!»
_ سأل يونس بفضول، وهو يضع يده على كتف التاجر:
«ماذا حدث يا أخي؟»
_ قال التاجر بصوتٍ مرتعش:
«لقد اختفت قافلة سيدي مروان البحرية، القافلة التي تحمل كنوز التوابل والحرير! لم نرَ أثرًا لها، لقد غادرت الميناء صباحًا واختفت على بعد أميال قليلة من الساحل، كأن البحر ابتلعها في لحظة! إنه عمل الجنّ، أقسم لكم!»
تذكّر يونس أن هذه هي القافلة الثانية التي تختفي في آخر شهر، دون أي علاماتٍ على العاصفة أو الغرق.
_ التفت يونس إلى صديقه البحّار الذي كان يرافقه وقال:
«كيف يمكن لسفنٍ ضخمة أن تختفي هكذا يا رجل؟ لابد أن هناك سرًّا عظيمًا وراء هذا البحر الهادئ.»
شعر يونس أن هناك رابطًا بين صوت الصدفة واختفاء القوافل.
أدرك أن اللغز لا يمكن حله بصيد الأسماك والرحلات العادية، كان عليه أن يلجأ إلى الرجل الذي يعرف أسرار المدينة والبحر، الحكيم العجوز سفيان، الرجل الذي يعيش في صومعته على قمة الجبل، ولا يزوره إلا من يبحث عن الحقيقة المُرّة.
كانت هذه هي الحادثة التي غيّرت المسار في حياة يونس.
عاد يونس إلى سفينته الصغيرة بعد سماعه خبر اختفاء القافلة، وقد زاد يقينه بأن هناك سرًّا غامضًا يكمن في أعماق هذا البحر الهادئ.
حمل يونس صدفة البحر الغريبة التي كانت تئنّ بالهمس، وقرّر أن يتوجه فورًا نحو صومعة الحكيم العجوز سفيان.
كانت صومعة سفيان تقع على قمة جبلٍ شاهق يُطل على المدينة، وكانت تُعرف بأنها مقرّ الحكمة والمعرفة بأسرار الجنّ والبحر.
كان الحكيم رجلًا نحيلًا، لكن عينيه كانتا تلمعان بذكاءٍ عميق كأنّه يرى ما وراء الجدران والزمن.
تسلق يونس الجبل بشقّ الأنفس، وعندما وصل إلى الصومعة المصنوعة من حجارة الجبل الخشنة، وجد الحكيم جالسًا يتأمل البحر.
لم ينطق يونس بكلمة، بل مدّ يده وقدّم له الصدفة الغامضة صامتًا.
_ ابتسم الحكيم ورفع الصدفة لتلامس أذنه، ثم أومأ برأسه وقال:
«أهلًا بك يا يونس، كنتُ أعلم أنك ستأتي عندما يزداد صوت النائمين.»
_ شعر يونس بالدهشة وقال:
«هل تسمع الصوت أيضًا يا سيدي؟ ما هذا السرّ؟ وما علاقة هذه الصدفة باختفاء القوافل؟»
_ أشار الحكيم ليونس بالجلوس، ثم بدأ يروي الحكاية ببطءٍ ووقار:
«يا يونس، هذه الصدفة ليست صدفةً عادية، بل هي أذن البحر، وهي مفتاح الدخول إلى مدينة الزمرد النائمة.
إنها مدينة قديمة كانت على ساحل البحر، لكنها أُغرقت بسحرٍ عظيم منذ مئات السنين.
هذه المدينة الآن تقع تحت جناح البحر، وينام كل سكانها نومًا طويلًا بفعل هذا السحر.»
_ سأل الشاب بفضول:
«ولكن ما علاقة هذه المدينة باختفاء القوافل؟»
_ قال الحكيم بجديّة:
«السحر الذي يغطي المدينة هو سحر الساحر الشرير كوشان، والذي كان يطمع في كنوز المدينة وأسرار ملوكها.
كوشان وضع المدينة في حالة نومٍ، وسيطر عليها، وبمرور الزمن أصبح يرسل مخلوقاتٍ بحرية مسحورة لتجذب القوافل والسفن الغنية إلى قاع البحر، ليضمّ كنوزها إلى كنوز المدينة النائمة. لقد أصبح البحر مملكته الخاصة.»
_ صاح يونس بإدراك:
«إذًا السفن المفقودة موجودة هناك، معلّقة تحت الماء!»
_ قال الحكيم:
«نعم يا يونس، وهي معلّقة في مكانٍ بين السماء والماء، لا يستطيع أن يصلها الغواصون، ولا تجذبها التيارات.
أما أنت، فلقد وُلدتَ وفي يدك مفتاح هذا السرّ. الصدفة هي دليلك، وعليك أن تذهب لإيقاظ المدينة، فبغير استيقاظهم لن ينتهي سحر كوشان.»
_ سأل يونس وقد شعر بثقل المهمّة:
«ولكن كيف لي أن أجد المدينة؟ وكيف أوقظ سكانها؟»
_ أشار الشيخ إلى الصدفة قائلًا:
«ضع الصدفة على مقود سفينتك، وستقودك إلى الممرّ السري.
وعندما تصل إلى المدينة، يجب أن تبحث عن جوهرة الصحوة، هذه الجوهرة هي قلب المدينة النابض، وبكسرها يستيقظ أهلها.
لكن حذارِ يا يونس، فإن كوشان قويّ، ولديه حارسةٌ خفية تحمي أسراره.»
كان هذا اللقاءُ هو الحادثةَ التي غيّرتِ المسار. لقد تحوّل "يونس" من بحّارٍ يبحث عن الإثارة إلى بطلٍ أسطوريٍّ يسعى لكسرِ سحرٍ قديم. أخذ "يونس" العهدَ على نفسه بإعادةِ السفنِ المفقودة وإيقاظِ المدينةِ النائمة، وودّع الحكيمَ لينطلقَ في رحلةِ الخيالِ والمغامرة.
لم يُضَيّع "يونس" وقتًا بعد لقائه بالحكيم "سفيان"، فعاد إلى الميناء في منتصفِ الليل، وأعدَّ سفينتَه الصغيرةَ للمغامرة. ربط الصدفةَ الغريبةَ بحبلٍ متين، ووضعها على مقدّمةِ المقود كما أرشده الحكيم. كانت المدينةُ نائمةً تحت نورِ القمر، وكان الهدوءُ الذي يسبقُ المغامراتِ يلفُّ كلَّ شيء.
انطلق "يونس" بسفينته الصغيرةِ وحيدًا نحو عرضِ البحر، وكانت الصدفةُ تترجّح ببطءٍ كأنها بوصلةٌ مسحورة. بدأت تتوهّجُ بضوءٍ أزرقَ خافت، وبدأ مقودُ السفينةِ يتحرّك من تلقاءِ نفسه، يقودُ "يونس" نحوَ مسارٍ لم يَعْهدهُ من قبل. شعر "يونس" برهبةِ المغامرة، وتركَ السفينةَ تسيرُ وفقَ إرادةِ الصدفة.
أبحرت السفينةُ بعيدًا عن السواحلِ المعروفة، حتى وصلت إلى منطقةٍ في عرض البحر كانت مياهُها غريبةً؛ فبدلًا من الزرقةِ المعتادة، كانت شفّافةً بشكلٍ مبالغٍ فيه، كأنها سائلٌ كريستاليٌّ ضخم. شعر أن السفينةَ بدأت تهبطُ ببطءٍ، كأنها تغوصُ في عمقٍ لا نهائيٍّ دون أن يشعرَ بضغطِ الماء المعتاد. كان هذا هو الممرَّ السِّرِّيَّ الذي تحدّث عنه الحكيم.
بدأ "يونس" يرى المشهدَ الغريب. كانت السفينةُ تهبطُ بهدوءٍ، ورأى فوق رأسه سقفًا من الماءِ الفيروزيّ، وتحته عالمًا آخر. اكتشف أن السفينةَ لم تغرق، بل أصبحت معلّقةً في طبقةٍ سحريةٍ بين قاع البحر والسطح. كان الماءُ مملوءًا بضوءٍ غريبٍ يشبه ضوءَ الفجر الأزرق، وأمام عينيه رأى المدينةَ النائمة.
كانت مدينةً عظيمةً، أبنيتُها ضخمةٌ، ومصنوعةٌ من المرجانِ النادرِ والزمردِ المضيء، وكأنها قلعةٌ خرافية. كلُّ شيءٍ فيها يبدو كاملًا، ولكن لا يوجدُ فيها صوتٌ أو حركة. كانت الشوارعُ مُصَفَّفةً باللؤلؤ، والبيوتُ مزينةً بالأصدافِ الثمينة، وكلُّ شيءٍ مغطّى بطبقةٍ رقيقةٍ من الطحالبِ الذهبية.
والأهمُّ من ذلك أنّ "يونس" رأى سكانَ المدينة معلقين في أماكنِهم، لا يتحرّكون، كأنهم تماثيلُ من اللحمِ والدم. كان هناك رجلٌ يتناولُ طعامَه بملعقةٍ في الهواء، وفتاةٌ تضحك، وطفلٌ يركض، وكلُّهم متوقّفون في اللحظةِ التي ضربهم فيها سحرُ "كوشان".
ثم رأى "يونس" ما يدلُّ على صحةِ كلامِ الحكيم حول القوافلِ المفقودة؛ فعلى أطرافِ المدينة كانت هناك سفنٌ وقوافلُ تجاريةٌ ضخمةٌ معلّقةٌ هي الأخرى في الهواء، مليئةٌ بالبضائعِ والتوابلِ والحرير، كأنها دخلت المدينةَ في اللحظةِ التي نامت فيها فنامت هي الأخرى.
شعر "يونس" بالصدمة، فهذه الكنوزُ المفقودةُ كلُّها موجودةٌ هنا!
نزل "يونس" من سفينته وسار على أرضِ المدينةِ النائمة. كان يشعرُ بخفّةٍ غريبةٍ في جسده، وكأنّ الجاذبيةَ تختلفُ هنا. بدأ يبحثُ عن جوهرةِ الصحوة التي تحدّث عنها الحكيم "سفيان"، لكن المشهدَ كان ضخمًا جدًّا، ولم يعلم من أين يبدأ.
وبينما كان يسيرُ بين المتاجرِ النائمةِ والقصورِ الصامتة، رأى شيئًا يتحرّك في طرفِ المدينة...
ظهرت امرأةٌ ذاتُ جمالٍ غامض، شعرها طويلٌ بلونِ اللؤلؤ، وملامحها هادئةٌ ولكن عينيها تلمعان ببريقٍ خفيّ...
--------------------------------------
#المدينة_النائمة
___________( الجزء الثاني و الأخير )________
من طرف المدينة ظهرت امرأة ذات جمالٍ خَلّاب، ترتدي ثيابًا برّاقةً من الحريرِ البحري، شعرُها ينسدلُ كالطحالبِ المُضيئة. كانت هذه المرأةُ هي الكائنَ الوحيدَ الذي يتحركُ في المدينةِ النائمة.
اقتربتِ المرأةُ بابتسامةٍ ساحرة، وكانت خطواتُها ناعمةً كحركاتِ تيارِ البحر. كانت هذه هي "زهيرة" الحارسة التي حذّر منها "سفيان".
_ سألت "زهيرة" بصوتٍ عذبٍ ومُغري:
أهلًا بك أيها الغريبُ الذي جاء من عالمِ اليقظة. اسمي "زهيرة"، وأنا هنا لأخدمَ الملكَ وأحمي كنوزَ المدينة. ما الذي جاء بك إلى مملكةِ الأحلامِ والسكينة؟
شعر "يونس" بالخطرِ يُحدقُ به، لكنه قرّر ألّا يكشفَ سرَّه.
_ قال:
جئتُ لأرى هذه العجائبَ التي تتحدثُ عنها قصصُ البحّارة. هل تسمحين لي بالبقاءِ هنا لأيام؟
_ قالت "زهيرة" وعيناها تلمعان بغموض:
بل أيامٌ وليالٍ يا "يونس"، تعالَ واسكنْ في قصرِ الملوك، وانسَ عالمَ اليقظاتِ والهموم. ولكن حذارِ، لا تحاولْ أن تكسرَ سكينةَ المدينة.
شعر "يونس" بالخطرِ يُحدقُ به من جمالِ "زهيرة" الغامض، وطريقتها المُغرية في الترحيب. كانت هي المواجهةَ التي حذّر منها الحكيمُ "سفيان". لقد أيقن "يونس" أن "زهيرة" لم تكن سوى حارسةً لـ"كوشان" الساحر الذي ينامُ على كنوزِ المدينة.
تابع "يونس" "زهيرة" وهي تسيرُ به بين أبنيةِ المدينةِ الزمرديّة. كانت تحاولُ إلهاءه بجمالِ القصرِ النائم، مُشيرةً إلى التماثيلِ البشريّةِ المتوقفةِ في لحظتها الأخيرةِ من اليقظة.
_ قالت بصوتٍ يفيضُ سحرًا:
انظر يا "يونس"، هذا هو ملكُنا الأخير، نامَ وهو يحمل سيفَه، وهذه هي زوجتهُ نامتْ وهي تُعدُّ طعامَ العشاء. يا لهم من سلامٍ أبديٍّ خالٍ من الصخبِ والجدال.
سأل "يونس" متظاهرًا بالفضول، بينما كان يبحثُ بعينيه عن أيِّ علامةٍ تدلُّ على جوهرةِ الصحوة.
_ ما سرُّ هذا النوم؟ وهل يمكن أن يستيقظوا يومًا ما؟
_ قالت "زهيرة" بخطأٍ متعمَّدٍ في اسم الساحر:
النومُ هو سرُّ السعادةِ يا "يونس"، وسرُّ هذا النومِ هو سحرٌ قويٌّ لا يستطيعُ أحدٌ كسرَه. إنَّه سحرُ "سربوت"، ساحرِ البحرِ العظيم.
لاحظ "يونس" أن "زهيرة" تستخدمُ اسمًا مختلفًا للساحر: "سربوت" بدلًا من "كوشان"، وهذا زادَ من شكوكِه، فقرَّر أن يدفعَها نحو كشفِ الحقيقة.
_ سأل "يونس" بحدَّةٍ مفاجئة:
أخبريني يا "زهيرة"، هل الساحرُ "سربوت" هو من يُرسلُ المخلوقاتِ البحريَّة التي تجذبُ القوافلَ من سطحِ الأرضِ إلى هنا؟
تغيَّر لونُ وجهِ "زهيرة"، واهتزَّتْ يداها قليلًا، وقالتْ بصوتٍ مرتبك:
_ ماذا تقول؟ لا أحدَ يأتي إلى هنا. هذه السفنُ المنهارةُ حول المدينةِ هي سفنٌ قديمةٌ غرقتْ منذ زمن.
_ صاح "يونس" وهو يُشيرُ بإصبعه نحوها:
بل هي سفنٌ اختفتْ في الشهرِ الأخير يا "زهيرة"، سفنُ مدينةِ "المرجان"، وأنا أعلمُ أن الساحرَ الذي يحكمُ هذا المكانَ هو "كوشان"، وليس "سربوت" كما قلتِ.
في تلك اللحظةِ تحوَّل جمالُ "زهيرة" إلى غضب، اختفتْ ابتساماتُها الساحرة، وعيناها لمعتا ببريقٍ بارد.
_ صاحت:
كيف عرفتَ اسمَ سيدي "كوشان" أيها البحَّارُ المتطفِّل؟ ومن الذي دلَّك على هذا المكان؟
أدرك "يونس" أن اللعبَ قد انتهى.
_ قال وهو يسحبُ خنجرَه الصغيرَ من حزامِه:
دلَّتني الصدفةُ، ودلَّني ضميري. أنا هنا لإيقاظِ هذه المدينةِ وكسرِ سحرِ "كوشان".
عندما رأته "زهيرة" يرفعُ سلاحَه، ضحكتْ ضحكةً ساخرةً مريرةً هزَّتْ جدرانَ المدينةِ الصامتة.
_ قالت:
يا لكَ من مغرورٍ أيها البشري، هل تظنُّ أن خنجرَك البالي يكسرُ سحرًا عمرُه مئاتُ السنين! لقد أوقعتَ بنفسِك، وأتيتَ بقدميكَ لتُصبحَ تمثالًا كالآخرين.
_ صاح "يونس":
بل سأجدُ جوهرةَ الصحوة!
ضحكت "زهيرة" ضحكةً ثانية، ثم أشارت بيدِها نحو قُبّةِ القصرِ الكبرى.
_ قالت:
يا لكَ من ساذج! إن جوهرةَ الصحوةِ ليست حجرًا كريمًا تبحثُ عنه، بل هي أنا... أنا جوهرةُ الصحوة! لقد سُجِنتْ روحي في هذا الجسدِ الساحر لأحمي نومَ المدينة، والآن سأريكَ مصيرَ من يتحدّى سيدي "كوشان"!
اندفعت نحوه بسرعةِ البرق، وبدأت في إطلاقِ كراتٍ من الضوءِ الأزرقِ الساحر نحوه. كان الموقفُ صعبًا، فالمفتاحُ الوحيدُ للنجاةِ كان هو العدوَّ الذي أمامه، وعليه أن يجدَ حيلةً سريعةً للنجاةِ من سحرِها القاتل.
كانت المواجهةُ بين "يونس" و"زهيرة" صراعًا بين الشجاعةِ البشريةِ والقوةِ الساحرة. كانت هي تُطلقُ كراتَ الضوءِ الأزرق نحوه، بينما كان هو يُراوغُ ويتفادى الضربات. إنه لا يمكنه هزيمةُ قوةِ السحرِ بسلاحِه العادي.
وفي أثناءِ مراوغاتِه، لاحظ "يونس" أمرًا غريبًا: كلّما وجّهت "زهيرة" نحوه كرةَ ضوء، ظهرت على وجهِها علاماتُ الحزنِ والألم، وكان السحرُ يُؤذيها هي أيضًا.
تذكّر "يونس" كلماتَ "زهيرة" بأنّها سُجِنتْ في هذا الجسدِ الساحر، وأنّها جوهرةُ الصحوة. قرّر "يونس" أن يُخاطر، بدلًا من محاولةِ إصابتِها، فألقى بخنجرِه على الأرض، وصرخ بأعلى صوتِه:
_ أيتها الأميرةُ الأسيرة، لا أريدُ قتالَك! أنا لستُ عدوّك، العدوُّ هو "كوشان"! أخبريني من أنتِ حقًّا؟ وهل أنتِ حقًّا ابنةُ ملكِ هذه المدينةِ النائمة؟
توقّفت "زهيرة" عن إطلاقِ كراتِ الضوء، وشعرت بالتردّد. نظر إليها "يونس" بنظرةٍ صادقةٍ تخلو من الخوف.
_ قال بصوتٍ خافت:
أنتِ لستِ حارسةً للساحر، بل أنتِ أسيرة. أنا هنا لأُوقِظَ المدينة، لأُعيدَ إليكِ حريّتَك.
في تلك اللحظة، انهار حاجزُ السحرِ قليلًا، وسالت دمعةٌ من عينِ "زهيرة" وتحولت دمعتها إلى قطرة مرجان متوهِّجة وسقطت على أرض المدينة.
بكت الفتاة وقالت بصوت يملؤه اليأس والحزن:
_ نعم، أنا "زهيرة" ابنة آخر ملوك هذه المدينة.
سحرني "كوشان" وحوّلني إلى ساحرةٍ لسجنه، لقد سلب مني إرادتي وسجن روحي في هذا الجسد المغري لأحميه من أي متسلّل.
كان هذا هو السرّ العظيم الذي كشفه "يونس" بشجاعته وبصيرته.
لقد كانت "زهيرة" هي جوهرة الصحوة، بمعنى أنها كانت المفتاح لإيقاظ المدينة، وقد سُجنت لتصبح عدوًّا لنفسها.
توصل "يونس" و"زهيرة" إلى تحالفٍ مشترك.
قدّمت "زهيرة" لـ"يونس" تفاصيل عن حكم "كوشان" الشرير وطريقة عمله.
قالت بلهجةٍ حزينة:
_ يا "يونس"، إنّ "كوشان" يعلم أن المدينة لن تستيقظ إلا إذا تم تدمير قلبه السحري، وقلبه السحري ليس حجرًا كريمًا بل هو سيف الضباب، وهو سيفٌ قديمٌ مسحور يستمد منه "كوشان" كل قوّته ويُبقي به المدينة في حالة نومٍ دائم.
سأل "يونس" بحماس:
_ وأين هذا السيف؟
قالت هي:
_ إنه مخبّأ في قاعة العرش العُليا، حيث يجلس "كوشان" في هذه الأثناء وهو يمارس سحره لجمع المزيد من كنوز القوافل المفقودة. لكن سيف الضباب محميٌّ بقوةٍ لا تُقهر.
لكن، يا "يونس"، لن تتمكن من هزيمة "كوشان" وسيفه بالقوة وحدك، يجب أن نجعل سكان المدينة النائمين يستيقظون؛ فقوّتهم الجماعية هي السحر الوحيد الذي يمكن أن يكسر سحر "كوشان".
لكنهم لن يستيقظوا إلا عند شروق الشمس، وهو الموعد الذي حدده "كوشان" لتدمير مدينة المرجان.
أدرك "يونس" أن الوقت ينفد بسرعةٍ مذهلة، وأن مهمته لم تعد مجرد إيقاظ مدينة، بل إنقاذ مدينة المرجان أيضًا من دمارٍ محقّق يخطط له "كوشان".
كان على "يونس" الآن أن يصل إلى قاعة العرش ويواجه "كوشان" مباشرةً، وأن يجد طريقةً لكسب الوقت حتى طلوع شمس اليوم التالي.
بعد أن اتفق "يونس" مع "زهيرة" على خطة العمل المشتركة، أدرك أن الوقت أصبح عدوه الأكبر، وأن عليه أن يصل إلى قاعة العرش العليا قبل شروق الشمس.
دعت "زهيرة" أن تساعده في إيجاد الطريق الآمن عبر دهاليز القصر.
تبعها "يونس" وهي تتسلّل بهدوءٍ بين أروقة القصر الفخمة، وكان كل شيءٍ متوقفًا، والزمن متجمّدًا في هذه القاعات.
كانا يمران بجوار الحرس الملكي النائم، ورجال الحاشية المتوقفين في منتصف حركتهم.
همست "زهيرة" له في حذر:
_ يا "يونس"، يجب أن تكون حذرًا للغاية، فـ"كوشان" لا ينام، وقلبه مملوء بالشرّ، إنه يراقب كل شيءٍ من قاعة العرش العليا.
سألها "يونس":
_ ولكن كيف يمكنني أن أقاتله وأنا لا أملك قوةً سحرية؟
ردّت هي:
_ قوتك يا "يونس" هي الصدفة التي تحمل صوت البحر، وهي الشيء الوحيد الذي يمكن أن يربك تركيزه، استخدمها عندما تراه.
وصل أخيرًا إلى قاعة العرش العليا، وكانت قاعةً ضخمة، وفي وسطها كان يجلس الساحر "كوشان" على عرش الملوك النائمين.
كان "كوشان" رجلًا نحيلًا يرتدي ثيابًا سوداء داكنة، وعلى رأسه تاجٌ من العظام، وكان يمسك بيده سيف الضباب، وهو سيفٌ أسود ينبعث منه دخانٌ خفيف، كان يستخدمه لجمع كنوز القوافل المفقودة وتوجيه السحر لتدمير مدينة المرجان.
في تلك اللحظة شعر "كوشان" بوجودهما، رفع رأسه ونظر إلى "يونس" و"زهيرة" وقال بابتسامةٍ خبيثة:
_ أهلًا بك أيها البحّار الغريب، وها هي الجوهرة النائمة تستيقظ!
هل ظننتما أنكما تستطيعان التسلّل إليّ بهذه السذاجة؟ لقد رأيتُ قدومك منذ أن عبرتَ الممرّ السري يا "يونس".
صاح "يونس" وهو يتقدّم بشجاعة ممسكًا بصدفته الغريبة:
_ لن نسمح لك بتدمير مدينة المرجان، ولن تسرق كنوز القوافل المفقودة!
ضحك "كوشان" بصوتٍ عالٍ وقال:
_ أيها الساذج، كنوز القوافل لي! وقوتك البحرية لن تنفع أمام قوتي السحرية!
وبدأ "كوشان" يهاجمهما بوابلٍ من الطاقة السوداء الخارجة من سيف الضباب.
كانت المواجهة خطيرة، وحاول "يونس" أن يتفادى الضربات السحرية، بينما كانت "زهيرة" تستخدم ما تبقّى لديها من قوةٍ مسحورةٍ لتبطئ حركة "كوشان".
تذكّر "يونس" نصيحة "زهيرة"، وأخرج الصدفة الغريبة، رفعها نحو "كوشان"، وفي لحظةٍ ضربها بقوةٍ بيده.
لم يعرف لماذا فعل ذلك، ولكن انبعث من الصدفة صوتٌ مدوٍّ شديد الارتفاع، ليس صوت موجٍ بل صوت آلاف الأصوات النائمة وهي تئنّ وتصرخ معًا!
ارتبك "كوشان" بشدّة وتشتّت تركيزه، كان صوت الأنين السماعي يؤذيه ويضعف قوّته.
استغل "يونس" اللحظة واندفع نحو "كوشان" بخنجره محاولًا إصابة سيف الضباب.
صرخت "زهيرة":
_ يجب أن تكسر السيف يا "يونس"! إنه قلبه السحري!
تمكّن "يونس" من توجيه ضربةٍ خاطفةٍ إلى سيف الضباب، لكن السيف كان صلبًا للغاية.
اهتزّ السيف وخرج منه ضبابٌ أسود كثيف غطّى القاعة كلّها، لكنه لم ينكسر.
في تلك اللحظة أدرك "يونس" أن لديه فرصةً واحدةً أخيرة، فاندفع نحو النافذة الكبيرة المطلة على البحر وصرخ بأعلى صوته نحو الأفق البعيد:
_ يا شمس الحق! يا شمس الصباح! أشرقي الآن على المدينة النائمة، وأنهي هذا الظلم!
اشتعلت قاعة العرش صراعًا بين قوة السحر وظلام "كوشان" وشجاعة "يونس" المتهوّرة.
أدّى صراخ "يونس" القوي نحو شمس الصباح إلى تشتيت ذهن "كوشان"، مما منحه لحظاتٍ ثمينةً لكسب الوقت.
ضحك "كوشان" باستهزاء وقال:
_ أيها الساذج، شمس الصباح لن تشرق قبل ساعتين، وخلال هاتين الساعتين سأحوّلك أنت وجوهرتي إلى تماثيل من العظام!
لكن "يونس" كان قد قرّر المخاطرة بكل شيء، فأمسك بصدفته واندفع نحو سيف الضباب المعلّق في يد "كوشان".
كان يعلم أن ضربةً واحدةً من السيف يمكن أن تنهي حياته، لكنه كان يقاتل الآن من أجل مدينتين.
في تلك اللحظة، وبينما كان "يونس" و"كوشان" يتصارعان، بدأت "زهيرة" تستعيد بعضًا من قوتها الروحية بفضل وجود "يونس" وصدقه.
رفعت "زهيرة" يدها وراحت تصرخ باسم "يونس" وباسم المدينة النائمة، فتضاعفت قوة "يونس" وتمكّن من توجيه ضربةٍ مدوّيةٍ بصدفته نحو سيف الضباب.
اهتزّ السيف بعنف، وخرج منه دخانٌ أسود كثيف، وحدث صوت انفجارٍ سحريٍّ هائل.
لم ينكسر السيف تمامًا، لكن الضربة كانت كافيةً لتشتيت سحر النوم الجماعي.
وفي تلك اللحظة، وفيما يشبه المعجزة، بدأ نور الصباح يتسلّل إلى المدينة النائمة من خلال الشقوق الصخرية والسقف المائي.
لقد أشرقت شمس الحقيقة أخيرًا!
ومع أول خيطٍ من أشعة الشمس بدأ سكان المدينة النائمة يستيقظون...
الرجل الذي كان يتناول طعامه عاد ليمضغ، والمرأة التي كانت تضحك أتمّت ضحكتها، والطفل الذي كان يركض أكمل خطوته.
استيقظت المدينة بأكملها، وأصبحت قاعة العرش مليئة بحرس الملك المستيقظين.
شعر "كوشان" بالرعب المطلق، فقد تحطّمت قوّته!
وبمجرّد استيقاظ السكان، تحوّلت قوّته السحرية التي كانت تحمي السيف إلى ضعفٍ وهباء.
ترك "كوشان" سيف الضباب من يده، فسقط السيف على الأرض وانكسر إلى قطعٍ صغيرة.
انهزم "كوشان" أمام قوّة الجماعة المستيقظة.
أسرع حرس الملك المستيقظون للقبض على "كوشان" الذي فقد كل قواه، وألقوا به في قاع البحر، لينتهي سحره إلى الأبد.
هدأت الأصوات في مدينة الزمرد النائمة، لقد عادت الحياة إلى المدينة، واستعاد سكانها ملكهم السابق بعد أن أُزيل عنهم سحر النوم الطويل.
وكان أول ما فعله سكان المدينة هو شكر "يونس" و"زهيرة" التي عادت إلى شكلها الطبيعي كأميرةٍ جميلة بعد أن كُسر سحر "كوشان" عنها.
لم يلبث "يونس" و"زهيرة" في المدينة طويلًا، فقاما بجمع كنوز القوافل والسفن المفقودة التي كانت معلّقة تحت الماء، ثم قادا سكان المدينة في رحلة عودةٍ إلى سطح الأرض، حيث أعادوا بناء مدينتهم القديمة على الساحل، ولكن هذه المرة بأسلوبٍ جديدٍ وأكثر إشراقًا.
عاد "يونس" إلى مدينة المرجان، ليس كبحّارٍ بسيط، بل كبطل الملحمة وقائد المدينة النائمة التي استيقظت.
تزوّج "يونس" الأميرة "زهيرة"، وعاشا في سلام، وأصبح "يونس" ملكًا على مدينةٍ تجري في عروقها الحكمة والسحر.
وظلّت صدفة البحر الساحرة مع "يونس" يتأمّلها في المساء، وهي تهمس له الآن بصوت أنين فرحٍ بدلًا من أنين الحزن.
لقد علم "يونس" أن القوة لا تكمن دائمًا في السيف، بل في الحكمة التي ترى ما لا يراه الآخرون، وفي إيقاظ القلوب النائمة من سباتها، وأن أعتى السحر ينكسر أمام نور شمس الحقيقة والتعاون الجماعي.
دمتم في رعاية الله وحفظه.
مع السلامة
-------------------------------------
قصة #سعيدبنالحارث.. قصة تقشعر منها الابدان:
يرويها هشام ابن يحيي الكناني سنة 38 من الهجرة .
عن رافع ابن عبد الله قال : قال لي هشام ابن يحي الكناني لأحدثنك حديثا رأيته بعيني وشهدت بنفسي .
قلت حدثني يا أبا الوليد
قال:
غزونا أرض الروم سنة 38 وكنا رفقه من أهل البصرة وأهل الكبيرة وكنا نتناوب الخدمة والحراسة وإعداد الطعام كان معنا رجل يقال له سعيد بن الحارث ذو حظ من عبادة يصوم بالنهار ويقوم الليل وكنا نحرص على تخفيق النوبة عليه وذلك لطول قيامه بالليل وكثرة صيامه بالنهار
فكان يأبى إلا أن يقوم بجميع المهمات وما رأيته في الليل ولا في النهار إلا في حالة جد واجتهاد فأدركني وإياه النوبة ذات ليلة في الحراسة وكنا قد حاصرنا حصنا من حصون الروم فاستصعب الأمر علينا ورأيت من سعيد في تلك الليلة من الجلد والصبر على العبادة ما جعلني أحقتر نفسي ...
إنه فضل الله يؤتيه من يشاء
فلما أصبح الصباح ولم ينم قلت له : خفف على نفسك فلنفسك عليك حق والنبي صلى الله عليه وسلم يقول (إكتفوا من العمل لما تطيقون)
فقال لي :
يا أخي إنما هي أنفاس تعد وعمر يفنى وأيام تنقضي وأنا رجل أنتظر الموت في أي لحظة
فبكيت من جوابه ودعوت الله لي وله بالعون والتثبيت ثم قلت نم قليلا لتستريح فإنك ما تدري ما يحدث من أمر العدو
فنام تحت ظل خيمته وتفرق أصحابنا في أرض المعركة وأقمت في موضعي أحرس وأصلح الطعام فبينما أنا كذلك
إذا سمعت كلاما يأتي من ناحية الخيمة فعجبت فليس هناك إلاسعيد نائم فظننت أن أحدا قد جاءه ولم أره، فذهبت إلى جانب الخيمة فلم أرى أحدا وسعيد على حاله نائما إلا أنه كان يتكلم في نومه ويضحك، أصغيت إليه وحفظت كلامه ثم مد يده وهو نائم كأنه يأخذ شيئا ثم ردها بلطف وهو يضحك ثم قال الليلة إذا؟
ثم استيقظ من نومه وهو يرتعد خائفا فاحتضنته إلى صدري حتى سكن وهدأ وجعل يهلل ويكبر ويحمد الله!
فقلت ما شأنك؟ لقد رأيت منك عجبا فحدثني بما رأيت...
قال إعفني من ذلك؟
فذكرته حق الصحبة وقلت لعل الله ينفعني بما تقول ..
فحدثني عما رأى في منامه
قال: جاءني رجلان لم أرى مثل صورتهما قط
فقال الملكان: أبشر يا سعيد
لقد غُفر ذنبك وشٌكرسعيك وقُبل عملك واستجيب دعائك وعُجل لك البشرى في حياتك..
فانطلق معنا حتى ترى ما أعد الله لك من النعيم!
فقال #سعيد:
أتينا على حور وقصور وجواري وأنهار وأشجار وغلمان فأدخلوني في قصر ودور ثم انتهيت إلى سرير عليه واحدة من الحور العين كأنها اللؤلؤ المكنون.
فقالت لي: قد طال إنتظارنا إياك.
فقلت لها: أين أنا ؟
قالت: أنت في جنة المأوى.
قلت: ومن أنت؟
قالت: أنا زوجتك الخالده فمددُت يدي إليها فردتها بلطف وقالت :
أما اليوم فلا ...
إنك راجع إلى الدنيا ..
قلت: لا، لاأريد الرجوع.
فقالت: لابد من ذلك، وستقيم هناك - يعني في الدنيا- ثلاثا ثم تُفطر عندنا إن شاء الله تعالى.
فقلت: بل الليلة.
قالت: إنه كان أمرا مقضيا، ثم قامت من مجلسها.
ثم أنا استيقظت!!
و انا اسألك بالله لا تحدث بحديثي هذا واسترني ما حييت ..
قلت: ( أبشر .. فلقد كشف الله لك ثواب عملك ).
ثم قام فتطهر واغتسل ومس طيبا ثم حمل سلاحه ونزل إلى أرض القتال وهو صائم وظل يقاتل حتى الليل فلما رجع أصحابه وهو فيهم
قالوا: يأبا الوليد لقد رأينا من هذا الرجل عجبا، حرص على الشهادة وطرح نفسه تحت السهام والرماح وكل ذلك يذرف عنه.
قلت في نفسي :
لو تعلمون خبره لضحكتم قليلا ولبكيتم كثيرا
قال: فأفطر على قليل من الطعام وبات ليلته صائما فلما أصبح صنع كصنيعه في الأمس وفي اخر النهار جاء أصحابه وهو معهم وذكروا عنه ما ذكروه بالأمس
حتى إذا كان اليوم الثالث انطلقت معه...
وقلت: لابد أن أشهد أمره وأرى ما يكون فلم يزل يقاتل ويُكبد العدو الخسائر ويُنكل فيها وهو يبحث عن القتل والموت وأنا أراه وأراه بعيني ولا أستطيع الدنو منه حتى إذا نزلت الشمس عند الغروب وهو أنشط ما يكون
......
فإذا برجل من أعداءه من فوق الحصن قد تعمده بسهم فوقع في نحره فخر سريعا، فانطلقت إليه وصحت بالناس فحملوه وبه رمق من حياة وجاءوا به يحملونه، فقلت له:
هنيئا لك ما ستفطر عليه الليلة ياليتني كنت معك فأفوز فوزا عظيما.
فحرك يده اليسرى وأومأ ببصره وهو يقول:
أكتم أمري والملتقى الجنة، ثم قال:
"وقالوا الحمد لله الذي صدقنا وعده واورثنا الارض نتبوا من الجنة حيث نشاء فنعم اجر العاملين".
وفاضت روحه إلى بارئها.
بعد عودة رسول الله صلى الله عليه وسلم من الطائف، بقي في مكة يدعو الناس إلى الله كما كان من قبل، لا يمل ولا ييأس، رغم ما لقيه من تكذيب وأذى. وكان يعرض الإسلام على القبائل التي تأتي إلى مكة في مواسم الحج والأسواق، فيقرأ عليهم القرآن، ويدعوهم إلى عبادة الله وحده، ويطلب منهم أن يؤووه ويحموه حتى يبلغ رسالة ربه.
وفي تلك الفترة، أراد الله سبحانه أن يكرم نبيه صلى الله عليه وسلم بعد ما أصابه من الحزن والأذى، فأراه من آياته الكبرى في رحلة عظيمة لم يشهد التاريخ مثلها، وهي رحلة الإسراء والمعراج، وقد ثبتت بنص القرآن الكريم والأحاديث الصحيحة.
في ليلة من الليالي، جاء عليه السلام إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم بأمر من الله، وأحضِرَت له الدابة المباركة البراق، وهي دابة بيضاء فوق الحمار ودون البغل، تضع حافرها عند منتهى طرفها.
فركب رسول الله صلى الله عليه وسلم البراق بصحبة جبريل عليه السلام، وانطلقا من المسجد الحرام في مكة إلى ، في رحلة سماها الله تعالى الإسراء، فقال سبحانه:
ولما وصل رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المسجد الأقصى، ربط البراق في الحلقة التي كان الأنبياء يربطون عندها دوابهم، ثم دخل المسجد، فاجتمع له الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، فصلى بهم إمامًا، وكان في ذلك إشارة إلى أنه خاتم الأنبياء وإمامهم.
ثم بدأت رحلة المعراج، فصعد جبريل بالنبي صلى الله عليه وسلم إلى السماوات العلا.
فلما وصلا إلى السماء الدنيا، استفتح جبريل، فقيل: من؟ قال: جبريل. قيل: ومن معك؟ قال: محمد. قيل: أوقد بُعث إليه؟ قال: نعم. ففُتح لهما، فإذا برسول الله صلى الله عليه وسلم يرى عليه السلام، فرحب به ودعا له بالخير.
ثم صعدا إلى السماء الثانية، فالتقى فيها بالنبيين و عليهما السلام، فرحبا به ودعوا له.
ثم صعد إلى السماء الثالثة، فوجد عليه السلام، وقد أوتي شطر الحسن، فرحب به ودعا له.
ثم إلى السماء الرابعة، فالتقى بالنبي عليه السلام.
ثم إلى السماء الخامسة، فوجد عليه السلام.
ثم إلى السماء السادسة، فالتقى بالنبي عليه السلام، فلما جاوزه بكى موسى، فقيل له: ما يبكيك؟ فقال: أبكي لأن غلامًا بُعث بعدي يدخل الجنة من أمته أكثر ممن يدخلها من أمتي.
ثم بلغ السماء السابعة، فوجد فيها عليه السلام، مسندًا ظهره إلى البيت المعمور، وهو بيت يدخله كل يوم سبعون ألف ملك لا يعودون إليه مرة أخرى لكثرة عدد الملائكة.
ثم ارتقى رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى سدرة المنتهى، وهي شجرة عظيمة فوق السماء السابعة، لا يعلم أحد حسنها وعظمتها إلا الله سبحانه، وهناك رأى من آيات ربه الكبرى ما لا يحيط به الوصف.
وفي تلك الليلة فرض الله على المسلمين الصلاة، فكانت أولًا خمسين صلاة في اليوم والليلة.
ثم نزل رسول الله صلى الله عليه وسلم، فمر بالنبي موسى عليه السلام، فسأله: ماذا فرض ربك على أمتك؟
قال: فرض عليهم خمسين صلاة.
فقال موسى: إن أمتك لن تطيق ذلك، وقد جربت بني إسرائيل، فارجع إلى ربك فاسأله التخفيف.
فرجع رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى ربه، فخفف عنه عددًا من الصلوات، ثم عاد إلى موسى، فما زال موسى يشير عليه بالرجوع، ورسول الله صلى الله عليه وسلم يرجع إلى ربه، حتى جعلها الله خمس صلوات في اليوم والليلة.
ثم قال الله سبحانه: هي خمس، وهي خمسون، لا يبدل القول لدي. فكانت الصلوات الخمس بأجر خمسين صلاة، رحمةً من الله بعباده.
ورأى رسول الله صلى الله عليه وسلم في تلك الليلة من آيات الله ما يزيد الإيمان، فرأى البيت المعمور، وسدرة المنتهى، والجنة، والنار، وبعض ما أعده الله للطائعين والعصاة، وكل ذلك مما ثبت في الأحاديث الصحيحة.
ثم عاد إلى مكة في الليلة نفسها.
ولما أصبح الصباح، أخبر قريشًا بما رأى، فازداد أكثرهم تكذيبًا وسخرية، وقالوا: كيف تذهب إلى بيت المقدس ثم تعود في ليلة واحدة، ونحن نقطع تلك المسافة في شهر ذهابًا وشهر إيابًا؟
وأخذوا يسألونه عن أوصاف المسجد الأقصى، فجلاه الله له حتى صار ينظر إليه، فأخذ يصفه لهم وصفًا دقيقًا، ويخبرهم عن بعض القوافل التي رآها في طريق عودته، فجاء الأمر كما أخبر.
ولما بلغ الخبر رضي الله عنه، قال كلمته المشهورة: إن كان قال ذلك فقد صدق. إني أصدقه في خبر السماء يأتيه صباحًا ومساءً، أفلا أصدقه في هذا؟ ومنذ ذلك اليوم لقبه رسول الله صلى الله عليه وسلم بـ الصديق لكمال تصديقه وإيمانه.
كانت رحلة الإسراء والمعراج تثبيتًا لقلب رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد سنوات من الابتلاء، وإعلانًا لمكانته عند ربه، كما كانت تشريعًا لأعظم أركان الإسلام بعد الشهادتين، وهي الصلاة، التي بقيت الصلة اليومية بين العبد وربه إلى قيام الساعة.
وبعد هذه المعجزة العظيمة، بدأت مرحلة جديدة من الدعوة، إذ أخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم يعرض الإسلام على القبائل القادمة إلى مكة في مواسم الحج، حتى شاء الله أن يلتقي بنفر من أهل يثرب، وكان ذلك اللقاء بداية الطريق إلى الهجرة وإقامة أول دولة للإسلام.
في مطلع القرن السابع الهجري، كانت الأرض ترتجف تحت وقع سنابك الخيل المغولية، وتمتد إمبراطورية جنكيز خان كالعاصفة التي لا تبقي ولا تذر، وكانت الدولة الخوارزمية من أعظم دول العالم الإسلامي، تمتد من نهر جيحون إلى مشارف العراق، يحكمها السلطان علاء الدين محمد خوارزم شاه، وفي سنة 615 هجرية وقعت حادثة أشعلت نار الحرب، حين أمر حاكم مدينة أترار بقتل قافلة تجارية مغولية ومصادرة أموالها بحجة أنهم جواسيس، فغضب جنكيز خان وأرسل يطالب بتسليم المسؤول، لكن السلطان رفض واعتبر الأمر شأناً داخلياً، بل ازداد التوتر بعد مقتل بعض رسل المغول، فانطلقت الجيوش المغولية كالسيل الجارف في سنة 616 هجرية، وسقطت مدن عظيمة كبخارى وسمرقند ومرو ونيسابور وبلخ وهراة، لم تكن مجرد هزائم عسكرية بل كارثة حضارية أحرقت فيها المكتبات وأبيد السكان، حتى وصفها المؤرخون بأنها من أعظم الكوارث التي عرفها البشر، وأخذ السلطان محمد ينسحب من مدينة إلى أخرى حتى لقي حتفه في جزيرة صغيرة ببحر قزوين سنة 617 هجرية، ولم يترك وراءه سوى وصية واحدة، الملك من بعدي لابني جلال الدين، وهكذا ورث جلال الدين منكبرني تاجاً بلا دولة وجيشاً ممزقاً وشعباً أنهكه الرعب، لكنه اختار طريقاً آخر غير الاستسلام، بدأ يجمع الناجين ويعيد تنظيم ما تبقى من الجيش ويزرع في رجاله أملاً كان الجميع يظن أنه مات، ولأول مرة منذ بدء الغزو المغولي حدث ما لم يتوقعه أحد، انتصر المسلمون، قاد جلال الدين جيشه إلى عدة مواجهات ناجحة كان أبرزها قرب غزنة حيث ألحق بالمغول هزيمة مؤلمة، تبعها انتصارات أخرى أعادت الثقة إلى الجنود وأثبتت أن جيش المغول ليس قوة لا تقهر، ووصلت أخبار هذه الانتصارات إلى أنحاء العالم الإسلامي فعادت الروح إلى الناس بعد سنوات من اليأس، لكن الانتصار الذي صنعه السيف كاد يضيعه الخلاف، إذ اختلف القادة والجنود على تقسيم الغنائم فتفكك الجيش وانصرف كثير من المقاتلين ولم يتبق مع السلطان إلا عدد قليل من رجاله، وكان ذلك ما انتظره جنكيز خان، قرر أن يقود الجيش بنفسه للقضاء على الرجل الذي تجرأ على هزيمة المغول، وفي سنة 618 هجرية التقى الجيشان عند ضفاف نهر السند في معركة غير متكافئة، جيش مغولي هائل يطوق قوات جلال الدين من كل جانب، ومع ذلك قاتل السلطان ورجاله حتى اللحظة الأخيرة وهم يعلمون أن الهزيمة تكاد تكون حتمية، وحين لم يبق سبيل للنجاة اندفع جلال الدين بفرسه نحو حافة الجرف المطلة على النهر وقفز من أعلى المنحدر بكل سلاحه ودرعه إلى المياه الهائجة، وسط دهشة الجميع عبر النهر سباحةً بينما كان جنكيز خان يشاهد المشهد من الضفة الأخرى، وتذكر المصادر التاريخية أن جنكيز أعجب بشجاعة خصمه حتى قيل إنه أشار إليه وقال ما معناه هكذا يكون الابن لأبيه، وتحول ذلك المشهد إلى واحدة من أشهر لقطات البطولة في التاريخ الإسلامي، لجأ جلال الدين إلى الهند وأمضى عدة سنوات يعيد بناء قوته، ثم جاءه الخبر الذي انتظره الجميع، مات جنكيز خان سنة 624 هجرية، فرأى جلال الدين أن الفرصة قد حانت فعاد سريعاً إلى بلاد فارس واستعاد أجزاء واسعة من أذربيجان وفارس وبعض خراسان، وأعاد بناء سلطانه من جديد، لكن الخطر هذه المرة لم يكن من المغول وحدهم، إذ بدلاً من توحيد القوى الإسلامية دخل جلال الدين في صراعات مع جيرانه، اشتبك مع السلاجقة والأيوبيين وخاض معارك مع خصوم مسلمين فانقسمت الصفوف وابتعد عنه كثير من القادة، وفي الوقت الذي كان المسلمون يتنازعون فيه كانت جيوش المغول تعيد تنظيم صفوفها وتستعد للعودة، وحين عادت لم تجد أمامها جبهة موحدة، ظل جلال الدين يقاتل متنقلاً بين الجبال والسهول ينتصر مرة وينكسر أخرى حتى لم يبق معه إلا نفر قليل من أتباعه، وفي سنة 628 هجرية كان مختبئاً في إحدى قرى منطقة ميافارقين شمال العراق، هناك تعرف عليه رجل كردي، وقيل إن بينه وبين بعض جنود الخوارزميين ثأراً قديماً، فاقترب من السلطان على حين غرة وضربه بفأس، فكانت تلك الضربة نهاية آخر سلاطين الدولة الخوارزمية، لم يمت في قصر ولم يمت فوق عرش بل مات في كوخ جبلي بعيداً عن جيوشه بعد سنوات طويلة من القتال المتواصل، انتهت الدولة الخوارزمية لكن اسم جلال الدين منكبرني بقي حاضراً في كتب التاريخ بوصفه أحد أكثر قادة عصره شجاعة وإصراراً، قد يختلف المؤرخون في تقييم بعض قراراته السياسية لكنهم يكادون يتفقون على أنه كان فارساً استثنائياً واجه أعظم قوة عسكرية في زمانه وقاتل حتى اللحظة الأخيرة، ويبقى مشهده وهو يقفز بفرسه إلى مياه نهر السند تحت أنظار جنكيز خان واحداً من أكثر المشاهد خلوداً في تاريخ الحروب، رمزاً لرجل رفض أن يستسلم حتى عندما بدا أن العالم كله قد انهار من حوله، إن هذه القصة ليست مجرد سرد تاريخي، بل هي درس في الصمود والعزيمة، وأن الهزيمة ليست نهاية الطريق، وأن الشجاعة تبقى خالدة حتى لو ضاع الملك، فإذا أثرت فيك هذه السطور وأحسست في قلبك شرارة إعجاب بهذه الهمة العالية، فلا تدعها تمر مرور الكرام، انشرها بين الناس تكن صدقة جارية في ميزانك، ولتصل إلى كل من يحتاج إلى جرعة يقين، وإلى كل شاب يظن أن أحلامه انتهت، وإلى كل قائد يبحث عن نموذج يحتذى به، واذكر الله وصلِّ على نبيه، وشارك هذه التحفة التاريخية لتعم الفائدة وتزدهر الهمم، فإن نشر الخير ونقل سير العظماء من أعظم القربات.
أنت لا تستطيع أن تُمسك كأس شايٍ ساخنٍ بيدك لثوانٍ معدودة...
فكيف تُغامر بذنبٍ قد يكون سببًا في نارٍ وقودها الناس والحجارة؟!
لا تقل: "سأتوب غدًا"... فكم من إنسانٍ قالها، ثم لم يُدرك الغد.
الدنيا قصيرة، والذنوب مهما صغرت إن أصرَّ عليها صاحبها أهلكته.
فارجع إلى الله الآن... واكسر باب الكِبر، وافتح باب التوبة، فما زال ربك ينادي: ﴿قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ﴾.
اللهم تب علينا قبل الموت، وثبتنا على طاعتك حتى نلقاك.