تواصل معنا

في منتصف القرن العشرين، وبينما كان العالم منقسمًا بين معسكرين متصارعين، الشرق والغرب، لم تكن أخطر المعارك تُخاض في ساحات القتال، بل في المكاتب المغلقة،...

LioN KinG

ملك الغابة
المدير العام
إنضم
5 مايو 2021
المشاركات
6,118
مستوى التفاعل
6,629
الإقامة
الكويت
مجموع اﻻوسمة
8
كيم فيلبي: الجاسوس الذي عاش داخل المخابرات البريطانية ودمّرها من الداخل

في منتصف القرن العشرين، وبينما كان العالم منقسمًا بين معسكرين متصارعين، الشرق والغرب، لم تكن أخطر المعارك تُخاض في ساحات القتال، بل في المكاتب المغلقة، والملفات السرية، والعقول الهادئة التي تجيد الكذب بإتقان. من بين كل قصص الجاسوسية التي كُشفت لاحقًا، تبقى قصة كيم فيلبي واحدة من أخطر وأعمق عمليات الاختراق الاستخباراتي في التاريخ الحديث.

وُلد هارولد أدريان راسل فيلبي، المعروف باسم كيم فيلبي، عام 1912 في بريطانيا، داخل عائلة مثقفة ذات نفوذ اجتماعي. تلقى تعليمه في أرقى المدارس، ثم التحق بجامعة كامبريدج، حيث بدأ تحوله الفكري في ثلاثينيات القرن الماضي، متأثرًا بالأفكار الشيوعية التي كانت تنتشر بين بعض النخب الأوروبية آنذاك.

في تلك الفترة، لم يكن أحد يشك أن هذا الشاب الهادئ، الأنيق، صاحب العلاقات الواسعة، سيتحول لاحقًا إلى أخطر عميل مزدوج عرفته المخابرات البريطانية.

خلال سنوات دراسته، تم تجنيد فيلبي سرًا من قبل الاستخبارات السوفيتية. لم يُطلب منه آنذاك أي عمل فوري، بل تلقى تعليمات واضحة: انسَ الشيوعية علنًا، وابدأ في بناء صورة رجل محافظ موالٍ لبريطانيا. كانت الخطة طويلة المدى، ونجحت بشكل مرعب.

بعد تخرجه، بدأ فيلبي مسيرته الصحفية، ثم التحق خلال الحرب العالمية الثانية بجهاز الاستخبارات البريطانية MI6. لم يكن دخوله سهلًا، لكن خلفيته الاجتماعية وشخصيته المقنعة فتحت له الأبواب سريعًا. وبمرور الوقت، لم يصبح مجرد موظف، بل صعد إلى مواقع شديدة الحساسية داخل الجهاز.

في واحدة من أكثر المفارقات رعبًا، عُيّن كيم فيلبي رئيسًا لقسم مكافحة التجسس السوفيتي داخل MI6. أي أن الرجل الذي يعمل سرًا لصالح موسكو، كان مسؤولًا عن كشف الجواسيس السوفييت.

من هذا الموقع، بدأ فيلبي في تدمير عمليات كاملة دون إطلاق رصاصة واحدة. كان يطلع على أخطر الملفات، وأسماء العملاء، وخطط العمليات السرية في أوروبا الشرقية، ثم ينقل كل شيء بدقة إلى السوفييت. عشرات العملاء الغربيين كُشفوا، اعتُقلوا، أو أُعدموا بسبب المعلومات التي سربها.

لكن الأخطر من ذلك، أن فيلبي لم يكن يعمل وحده. فقد كان جزءًا من شبكة تجسس عُرفت لاحقًا باسم "خماسي كامبريدج"، وهي مجموعة من الجواسيس البريطانيين الذين تسللوا إلى أعلى المستويات الأمنية والسياسية، وكلهم يعملون لصالح الاتحاد السوفيتي.

مع نهاية الأربعينيات، بدأت الشكوك تظهر لأول مرة. بعض العمليات فشلت بشكل غير مفهوم، وأسماء عملاء سقطت بسرعة مريبة. إلا أن فيلبي كان بارعًا في تشتيت الانتباه، بل وكان يشارك بنفسه في التحقيقات التي تبحث عن الخائن.

في عام 1951، هرب اثنان من زملائه في شبكة كامبريدج إلى موسكو، مما أشعل الشبهات حول فيلبي. تم استجوابه، ووُضع تحت المراقبة، لكنه أنكر كل شيء بثبات مذهل. لم تكن هناك أدلة قاطعة، وتمت تبرئته رسميًا، بل وعاد للعمل لاحقًا في مهام خارجية.

الأكثر صدمة أن الحكومة البريطانية عقدت مؤتمرًا صحفيًا أعلنت فيه براءته، ليخرج فيلبي منتصرًا، بينما كان السوفييت يحتفلون بأعظم انتصار استخباراتي لهم.

لكن اللعبة لم تنتهِ بعد.

في أوائل الستينيات، ظهرت معلومات جديدة من منشقين سوفييت، أكدت بما لا يدع مجالًا للشك أن فيلبي كان عميلًا مزدوجًا منذ عقود. هذه المرة، لم يعد الهروب ممكنًا عبر الإنكار فقط.

في عام 1963، وقبل أن يتم اعتقاله رسميًا، اختفى كيم فيلبي من بيروت، حيث كان يعمل مراسلًا صحفيًا. بعد أيام، ظهر في موسكو، ليعلن رسميًا انشقاقه إلى الاتحاد السوفيتي.

كان ذلك الحدث بمثابة فضيحة مدوية هزّت بريطانيا. كيف لرجل واحد أن يخترق جهازًا استخباراتيًا عريقًا، ويخدعه لأكثر من 30 عامًا؟ كيف فشل الجميع في كشفه رغم كل الإشارات؟

في موسكو، عاش فيلبي بقية حياته، لكنه لم ينل المجد الذي توقعه. عانى من العزلة، والإدمان، والشعور بالندم في سنواته الأخيرة. مات عام 1988، تاركًا خلفه إرثًا مظلمًا من الخيانة والدمار الاستخباراتي.

حتى اليوم، تُعتبر قضية كيم فيلبي درسًا قاسيًا في عالم الجاسوسية، يدرّس في الأكاديميات الأمنية حول العالم، كنموذج على أن أخطر الجواسيس ليسوا أولئك الذين يتسللون عبر الحدود، بل الذين يجلسون بثقة داخل قلب المؤسسة نفسها.

قصة فيلبي ليست مجرد حكاية خيانة، بل دليل على أن عالم الجاسوسية تحكمه العقول الباردة، والوجوه الهادئة، والأكاذيب التي تُقال بابتسامة.
 

رااشد

الصبر طيب شهب الغابة المضيئ 💎
مستشار الادارة
إنضم
5 يونيو 2022
المشاركات
112,580
مستوى التفاعل
17,772
مجموع اﻻوسمة
16
كيم فيلبي: الجاسوس الذي عاش داخل المخابرات البريطانية ودمّرها من الداخل
كل الشكر
سسعادة المدير
على جهودكم الطيبه
لاخلا ولاعدم
دمتم
 
Comment

sitemap      sitemap

اسرار
أعلى