تواصل معنا

تهويدة الشيطان نم يا صغيري… فالليل لا يعضّ من يغمض عينيه. نم… فالموت لا يأتي دائمًا حاملاً سكينًا، أحيانًا يأتي في هيئة امرأة تحبها، وأحيانًا في هيئة...

A.M.A.H

مشرف اقسام الشعر والقصة
الاشراف
إنضم
10 أغسطس 2021
المشاركات
15,763
مستوى التفاعل
2,177
مقبرة الشيطان A.M.A.H
تهويدة الشيطان

نم يا صغيري…
فالليل لا يعضّ من يغمض عينيه.

نم…
فالموت لا يأتي دائمًا حاملاً سكينًا،
أحيانًا يأتي في هيئة امرأة تحبها،
وأحيانًا في هيئة طريقٍ ظننته نجاة،
وأحيانًا… يأتيك من داخلك.

نم يا صغيري…

فالحياة لعبةٌ لا يفوز فيها أحد،
لكن بعضهم يتقن خسارته.

ضع رأسك على صدر الليل،
واسمع دقات قلبك.

واحدةٌ للحياة…

وأخرى للموت…

والثالثة؟

تلك للشيطان.

لا تخف منه.

هو لا يريد روحك.

الروح التي يخاف عليها الإنسان
ليست أكثر من اسمٍ جميل
لشيء لا يعرف كيف يتركه.

نم…

وحين تستيقظ،
لا تسأل:
لماذا أنا هنا؟

اسأل السؤال الأصعب:

لماذا ما زلت هنا؟

ثم راهن.

فإن ربحت… عشت.

وإن خسرت…

ستعرف أخيرًا
من كنت.

كان اسمه ظل.

لم يكن ذلك اسمه الذي أعطته له أمه، لكنه الاسم الوحيد الذي بقي معه حين سقطت عنه جميع الأسماء.

كان الناس يرونه فيقولون:

رجل غريب.

وكان هو يرى نفسه فيقول:

احتمال.

لم يكن يؤمن بالحظ، لكنه كان يقامر به.

لم يكن يؤمن بالموت، لكنه كان يراهن عليه.

ولم يكن يكره الحياة، بل كان يشك في أنها تستحق كل هذا الخوف.

منذ طفولته اكتشف شيئًا لم يستطع نسيانه:

أن الإنسان لا يخسر حين يموت.

الإنسان يخسر حين يبدأ بالخوف من الموت.

ولهذا عاش ظل كما لو أن الموت واقف خلفه طوال الوقت، يراقب خطواته ويبتسم.

كان إذا وصل إلى مفترق طريق، اختار الطريق الأخطر.

إذا أحب امرأة، أحبها حتى يصبح فراقها موتًا.

إذا وثق برجل، أعطاه أسراره كلها.

وإذا خسر، لم يحزن.

كان يضحك ويقول:

"كنت أريد أن أعرف إلى أي حد تستطيع الحياة أن تخدعني."

في إحدى الليالي، جلس ظل في حانة صغيرة عند طرف المدينة.

كان أمامه كوب ماء.

لم يكن يشرب.

كان يحدق في سطحه.

اقترب منه رجل عجوز وقال:

— أتنتظر شيئًا؟

قال ظل:

— نعم.

— ماذا؟

رفع عينيه إليه.

— أن يخطئ العالم مرة واحدة.

ضحك العجوز.

— والعالم لا يخطئ؟

قال ظل:

— بل نحن الذين نسمي أخطاءه قدرًا.

ثم أخرج قطعة نقدية ووضعها على الطاولة.

قال:

— وجهها ليوم آخر.

— وظهرها للموت.

قال العجوز:

— وما الرهان؟

ابتسم ظل.

— أن أقلبها.

قال الرجل:

— وماذا لو ظهرت الموت؟

قال ظل:

— أقلبها مرة أخرى.

---

مع السنوات، بدأ الناس يلاحظون شيئًا مخيفًا.

ظل لا يخسر.

كان يخسر المال، نعم.

ويخسر الناس.

ويخسر الأماكن.

ويخسر الحب.

لكنه كان دائمًا يخرج من كل شيء.

من موت أبيه خرج بفلسفة.

من خيانة صديقه خرج بالشك.

من فقد امرأة أحبها خرج باللامبالاة.

ومن وحدته خرج بمرآة.

وكانت المرآة أخطر ما امتلك.

لأن الإنسان حين ينظر إلى نفسه طويلًا، يبدأ في اكتشاف أن الوجه الذي أمامه ليس هو.

في إحدى الليالي، حدّق ظل في المرآة وسأل:

— من أنت؟

أجابه انعكاسه:

— أنا ما تبقى منك عندما لا يعود أحد بحاجة إليك.

اقترب ظل من المرآة.

— وهل أنت أنا؟

قال الانعكاس:

— لا.

— إذن من أنت؟

ابتسم.

— أنا الشيء الذي كنت تسميه طوال حياتك "أنا".

تراجع ظل.

ومنذ تلك الليلة بدأ يسمع صوتًا في رأسه.

لم يكن صوتًا بشريًا.

ولم يكن صوت شيطان.

كان أقدم من الاثنين.

صوتًا بلا لغة، لكنه كان يفهمه.

راهِن.

بدأ ظل يراهن على أشياء لا يمكن امتلاكها.

راهن ذات مرة على أن رجلًا يحتضر سيستيقظ.

استيقظ الرجل.

وراهن أن امرأة ستعود إلى رجل تركته.

عادت.

وراهن أن طفلًا تائهًا سيجد طريقه.

وجده.

فبدأ الناس يعتقدون أن ظل محظوظ.

لكن ظل كان يعرف الحقيقة.

لم يكن محظوظًا.

كان فقط يعرف شيئًا لا يعرفه الآخرون:

أن الإنسان يخلق نتائج رهانه من الطريقة التي يخوض بها الرهان.

كان يدخل الخطر وكأنه يعرف نهايته.

وحين لا يعرف النهاية، كان يتصرف وكأنه لا يحتاج إلى معرفتها.

وهنا بدأ خوفه الحقيقي.

لأن الحظ حين يطيعك طويلًا…

يبدأ في طلب ثمنه.

بعد أعوام، عاد ظل إلى الجبل.

الجبل الذي مات عند سفحه أبوه.

كان أبوه قد سقط منه وهو يحاول إنقاذه حين كان طفلًا.

ومنذ ذلك اليوم، ظل الجبل في ذاكرته أكثر حضورًا من والده نفسه.

كان يصعده كل عام.

وفي كل مرة كان يصل إلى الحافة، يتوقف.

لم يكن يخاف السقوط.

كان يخاف أن يكتشف أن السقوط لا يعني شيئًا.

وفي تلك الليلة، وجد عند القمة رجلًا أسود الثياب.

قال الرجل:

— تأخرت.

قال ظل:

— كنت أنتظر.

— ماذا؟

— الرهان الأخير.

ضحك الرجل.

ولأول مرة شعر ظل أن الضحكة ليست غريبة عنه.

قال:

— هل أنت الشيطان؟

أجابه الرجل:

— هذا الاسم الذي أعطاني إياه البشر لأنهم احتاجوا إلى شخص يلومونه.

— وماذا تريد؟

— لا أريد شيئًا.

— إذن لماذا أنت هنا؟

قال:

— لأنك وصلت أخيرًا إلى المكان الذي لا تستطيع فيه أن تراهن على أحد سواك.

نظر ظل إلى الأسفل.

كانت المدينة صغيرة.

الأضواء مثل نقاط بعيدة.

الحياة كلها تبدو من الأعلى كأنها خطأ هندسي جميل.

قال الشيطان:


— طوال حياتك راهنت على الموت.

— نعم.

— لكنك لم تراهن عليه حقًا.

التفت ظل.

— ماذا تقصد؟

قال:

— كنت دائمًا تعرف أنك ستنجو.

صمت ظل.

ثم فهم.

كل انتصاراته كانت كذبة.

لم يكن يقامر.

كان يختار المخاطر التي يعرف أنه يستطيع العودة منها.

كان شجاعًا فقط داخل حدود النجاة.

أما الآن…

فلم يكن هناك طريق للعودة.

قال الشيطان:

— هذه المرة لا يوجد وجه آخر للعملة.

نظر ظل إلى الحافة.

ثم قال:

— وما الرهان؟

قال:

— الجاذبية.

ابتسم ظل.

— الجاذبية؟

— أنت تقول طوال حياتك إن الإنسان يستطيع أن يتحدى قدره.

— نعم.

— إذن أثبت ذلك.

قال ظل:

— وماذا أربح؟

اقترب الشيطان منه وقال:

— لا شيء.

ضحك ظل.

— أفضل رهان خضته في حياتي.

ثم تقدم خطوة.

كانت الريح تعصف بثيابه.

خطوة أخرى.

وفي اللحظة التي أصبح فيها نصف قدمه فوق الفراغ، سمع صوتًا داخله.

ليس صوت أمه.

ولا صوت أبيه.

ولا صوت الشيطان.

بل صوت الطفل الذي كانه ذات يوم.

"نم يا صغيري…"

ابتسم.

ثم قال:

— لا.

وألقى بنفسه.

سقط ظل.

لم يسقط كمن يريد الموت.

بل كمن يريد أن يعرف إن كان الموت حقًا نهاية.

كان الجبل يصعد فوقه.

والسماء تنسحب منه.

والأرض تقترب.

وفي تلك الثواني القصيرة، مرّت حياته كلها أمامه.

كل وجه.

كل خيانة.

كل قبلة.

كل خسارة.

كل رهان.

كل مرة قال فيها "أنا لا أخاف".

ثم اكتشف الحقيقة.

لم يكن قد عاش ليهزم الموت.

كان يعيش ليصل إلى اللحظة التي يستطيع فيها أن ينظر إليه دون أن يكذب.

كان يسقط.

والجاذبية تنتصر.

والموت يفتح ذراعيه.

لكن ظل…

كان يضحك.

ضحكة هادئة أولًا.

ثم عالية.

ثم جنونية.

ضحك حتى صار صوته أعلى من الريح.

وعندما اقتربت الأرض من وجهه، قال:

— ربحت.

لم يكن أحد هناك ليسأله:

كيف؟

لكن ظل كان يعرف.

لقد خسر الحياة.

وربح الرهان.

لأن الموت، لأول مرة، لم يكن شيئًا يخشاه.

كان شيئًا اختاره.

وفي أعلى الجبل، وقف الشيطان وحده.

نظر إلى الأسفل.

ثم أخرج قطعة نقدية قديمة.

قلبها في الهواء.

سقطت على الأرض.

كان وجهها يحمل اسمًا واحدًا:

ظل.

وعلى الجانب الآخر…

لم يكن هناك شيء.

فقط كلمة محفورة بعمق:

الإنسان.

ومنذ ذلك اليوم، لم يعد أحد يعرف ماذا حدث لظل.

قال بعضهم إنه مات.

وقال بعضهم إنه نجا.

وقال آخرون إن الجبل ابتلعه.

لكن العجائز كانوا يحكون للأطفال، كلما جاء الليل، عن رجل راهن بالموت…



ثم ضحك وهو يسقط.

وكانوا يختمون الحكاية دائمًا بالجملة نفسها:

"لا تخافوا من الشيطان… فالشيطان الحقيقي هو الإنسان حين يكتشف أنه يستطيع أن يخسر كل شيء… ولا يزال يضحك."

ثم تبدأ التهويدة من جديد:

نم يا صغيري…

فالليل لا يعضّ من يغمض عينيه.

لكن إياك أن تنم طويلًا…

فقد تستيقظ ذات يوم،

وتكتشف أنك لم تكن تحلم…

بل كنت أنت الحلم.


A.M.A.H
 

فتنة العصر

أنثى تختصر النساء
مستشار الادارة
إنضم
6 يونيو 2025
المشاركات
172,104
مستوى التفاعل
10,962
مقبرة الشيطان A.M.A.H
ما أجمل هذه القصة!
سرد عميق وملئ بالغموض والتأمل
أخذني من أول سطر حتى النهاية
دون أن أشعر
أعجبتني الفكرة جدا
خصوصا طريقة ربط الحظ
بالاختيار والمسؤولية
والنهاية التي تترك القارئ
يفكر طويلا
في معنى الرهان الحقيقي


شكرا لك على هذا الإبداع الجميل
استمتعت بكل كلمة
وبانتظار المزيد من هذه الكتابات المميزة
ختمي واحترامي
 
Comment
أعلى