-
- إنضم
- 7 يوليو 2025
-
- المشاركات
- 1,758
-
- مستوى التفاعل
- 626
- مجموع اﻻوسمة
- 5
نحن بخير // سيرة الاحتمال على حافة المعنى
مدخل : نسخة لغوية من الصبر ، تستعمل خارج نطاق الكفاءة المتوقعة ، لأن التعليمات مفقودة منذ فنرة ،
فالأمور لا تسوء فجأة ، هي تتحسن بما يكفي كي لا نغادر ، وتسوء بما يكفي كي لا نرتاح ،
توازن دقيق بين ما نحتمله ، وما لا نملك شجاعة رفضه ، نحن مازلنا نؤدي الدور ..
الفوضى موجودة والأمور لا تنهار ، والتعب موزع بعدد ساعات اليوم ، نُصادقه كونه الوحيد الذي لا يخون المواعيد ،
الأحلام مؤجلة احترامًا للظروف ، نضعها على الرف العالي كـ قطعة ديكور نادرة ممنوعة من اللمس ،
والفرح زائر موسمي يأتي في المناسبات ، ويغادر قبل أن نطلب منه البقاء .
حتى الألم لم يعد دراميًا ، صار مُهذبًا ، يطرق بخفة ، يجلس قليلًا ، ثم يترك أثره ويغادر دون ضجيج .
والغضب أيضًا تعلم الانضباط ، لم يعد يثور، صار يتنحنح يظهر في شكل ملل .
وتتراكم الأيام ، كما تتراكم الملفات المنسية ، نعرف أنها موجودة ، نعرف أنها مُهمة ،
لكننا نؤجل فتحها كي لا تُربك النظام ، فالترتيب حتى لو كان ترتيب خواء ، إلا أنه يمنحنا أحينًا وهم السيطرة .
نحن لا نخاف من النهاية ، بل من المعنى ، لأن النهاية واضحة ، أما المعنى فيتطلب شجاعة لا تناسب جدولنا اليومي ،
لذا نختار الطريق الأسلم : أن نعيش بلا إعلان ونمضي بلا تفسير .
وعندما يسألنا أحدهم بصدق أو مجاملة : كيف الحال ؟
نأخذ جزء من الثانية لمراجعة كل شيء ، ثم نختار الاجابة الأقل إزعاجًا : نحن يخير ..
ثم نكتشف هي جملة عملية تؤدي الغرض وتحفظ ماء المعنى وتؤدي وظيفة الإغلاق من فضول مقبول اجتماعيًا لا يُغير شيئًا .
نُعيد تدوير أيامنا بمهارة ، اليوم يشبه الأمس بما يكفي ليُفهم ، ويختلف عنه بما يكفي ليُحتمل ، نُغير تفاصيل صغيرة كي نشعر بالحركة ،
طريق مختلف قليلًا ، مقهى آخر ، رأي مُؤجل ، لكن الجوهر يبقى في مكانه .
وعندما نفكر في التغيير الحقيقي ، لا ذاك الذي يُنشر في الصور ، نضعه في خانة " لاحقًا " ..
لاحقًا كلمة واسعة ، تسع كل ما لا نريد مواجهته الآن ، هي عبارة صغيرة ، لكنها تبني جدارًا كاملًا بيننا وبين الرغبة ،
فنعود إلى العبارة الأم ، نمسح عنها الغبار ، ونستخدمها كما ينبغي : عادي جدً .. أي لم نُهزم علنًا ولم ننتصر سرًا ،
بل على مزيج مُتقن من الاعتياد ، بالوقوف طويلًا أمام المرآة ، لم نعد نحب الإضاءة فيها ، فنكتفي بالمعرفة السطحية : نحن بخير ..
علاقتنا مع الحياة تحولت إلى تفاهم صامت ، نشيخ دون إعلان رسمي ، لا نلاحظ التجاعيد أولًا ، بل نُلاحظ إنخفاض الحماس ،
وفي نهاية المطاف حين تُصفى كل الجمل ، وتُسحب كل التبريرات ، وتبقى الحقيقة وحيدة بلا زينة ،
لا نجد أفضل من العودة إلى العبارة التي احتملت كل هذا الحمل : نحن بخير .
ليس تهربًا ، ولا اسيتهزاءً كاملًا ، بل اعترافًا غير مُكتمل بأننا اخترنا الاستمرار على الفهم ،
قبل الاستسلام المُهذب في تدربنا على التنازل ، لا في ذروة المأساة بل بما يصعب توفيره .
وحين نُسأل في لحظة غير محسوبة : هل أنت راضٍ ؟
تأخذ ثانية أطول من اللازم ، ثم تختار الكلمة التي لا تفتح بابًا ولا تُغلقه تمامًا : عادي جدًا ..
عادي جدًا ، هي مساحة رمادية واسعة ، نُقيم فيها أعمارنا بهدوء محترم ، ونتصالح مع جملة " ليس الآن "
كتعديل قناعات على التوقع ، نعيش في منطقة آمنه من المعنى ، بمشاعر مُخففة التركيز ،
وأحلام محفوظة في درجة حرارة غُرفة الانتظار ، لا يعُلن فيها أحد عن الرحلات ،
نجلس فيها بأدب ، نحمل حقائب صغيرة من الأعذار ، ونتصرف كأن الجلوس خيار .
ونكتفي بموافقة ضمنية مجددة ، كل صباح نوقع على يوم جديد ، دون أن نقرأ الشروط ،
فالتجربة علمتنا أن القراءة لا تُغير البنود ، نستيقظ ، نأكل ، ننجز ، نؤجل ، ننام ، الدورة واضحة ،
وأي محاولة لكسرها تبدو كتصرف شخصي غير مسؤول .
نبتسم في الصور لأن الكاميرة لا تفهم التفاصيل ، تلتقط اللحظة كما تبدو ، لا كما تُدار من الداخل ،
ونحن نحب هذا السطح ، فهو يختصر الكثير من الشرح ، ويمنح الآخرين سببًا ليغادرونا مطمئنين .
وحين نُسأل أخيرًا ، في لحظة صدق نادرة لا شاهد عليها ، هل هذا ما أردت ؟
نصمت .. فالصمت هنا ليس عجزًا عن الجواب ، بل اعترافُا راقيًا بأن السؤال جاء مُتأخرًا جدًا .
نحن بخير لأن الانهيار لم يحدث بعد ، وهذه ليست طمأنة ، بل هي خلاصة تجربة ،
بأن الوجود يمكن احتماله إذا تخلينا عن فكرة ، إنه يجب أن يكون أكثر من ذلك .
نحن بخير لأننا لم نعد نثق بالقمم ، القمم تطلب صعودًا ، والصعود يفضح الرغبة ، والرغبة تُساء قراءتها ،
لذا اخترنا الأرض مستوية ، حيث لا أحد يسأل لماذا لم تطِر ؟!..
نحن بخير لأننا لم نعد نحتاج إلى بطولة ، والبطولة عبء سردي ، تفرض عليك نهاية واضحة ،
ونحن نفضل الحكايات المفتوحة التي يمكن مُغادرتها دون اعتذار .
نحن بخير لأن الوعي لم يختفِ ، بل خف صوته ، صار يهمس بدل أن يحتج .
نحن بخير لأننا لم نعد نُطالب الحياة أن تشرح نفسها ، قبلناها كظرف قائم ، كطقس متقلب ، لا يحب ولا يكره ، بل يُدار .
نحن بخير ، لأن الحلم لم يمت ، هو فقط تعلم الجلوس في الزاوية دون إزعاج .
نحن بخير لأن الالم صار مفهوم ، والمفهوم أقل إيلامًا من المجهول .
نحن بخير بما يكفي للاستمرار، وليس بما يكفي للدهشة .
نحن بخير لا بحماسة البدايات ، ولا بثقل النهايات .
التعديل الأخير:
اسم الموضوع : نحن بخير // سيرة الاحتمال على حافة المعنى
|
المصدر : خواطر بريشة الاعضاء

