تواصل معنا

دور الفتح الإسلامي في حماية الأرثوذكسية القبطية المصرية: دراسة في سياق اضطهاد بيزنطة ودور البابا بنيامين الأول ابن كفر مساعد - إيتاي البارود - بمحافظة...

LioN KinG

ملك الغابة
المدير العام
إنضم
5 مايو 2021
المشاركات
5,856
مستوى التفاعل
6,536
الإقامة
الكويت
مجموع اﻻوسمة
8
دور الفتح الإسلامي في حماية المسيحيين في مصر

دور الفتح الإسلامي في حماية الأرثوذكسية القبطية المصرية: دراسة في سياق اضطهاد بيزنطة ودور البابا بنيامين الأول ابن كفر مساعد - إيتاي البارود - بمحافظة البحيرة

شهدت مصر في القرون من الرابع إلى السابع الميلاديين تحولات دينية وسياسية عميقة، ارتبط معظمها بصراع مذهبي داخل المسيحية نفسها، أكثر مما ارتبط بصراع خارجي. تُظهر المصادر القبطية والعربية والغربية على السواء أن المرحلة البيزنطية (القرنان السادس والسابع) كانت من أشد الفترات قسوة على المصريين الأرثوذكس، وأن هذا الاضطهاد كان عاملاً مباشراً في استقبال الأقباط للفتح الإسلامي على أنه انتقال إلى وضع أكثر عدلاً واستقراراً.

تتخذ هذه الدراسة من سيرة البابا بنيامين الأول – المولود في قرية بيرشوط (كفر مساعد) مركز إيتاي البارود – محافظة البحيرة – نموذجاً أساسياً لفهم طبيعة الصراع وعلاقته بقدوم المسلمين إلى مصر.

أولًا: الإطار السياسي والديني لمصر في العصر البيزنطي

1. تبعية مباشرة للقسطنطينية

كانت مصر تحت الحكم البيزنطي تُعد ولاية تابعة للإمبراطور مباشرة، لا تمتلك استقلالًا إداريًا أو دينيًا، بل تُعامل باعتبارها مصدرًا للضرائب والقمح. وقد أدى هذا الوضع إلى تكوين فجوة عميقة بين السكان المحليين (الأقباط) وبين الطبقة الحاكمة اليونانية–الرومانية.

2. الانقسام العقائدي بين الملكانية والأرثوذكسية القبطية

كان الخلاف الجوهري بين المصريين الأرثوذكس (اليعاقبة) وبين الدولة البيزنطية خلافًا عقائديًا حول طبيعة المسيح. وقد اعتبرت القسطنطينية تمسك الأقباط بمذهبهم نوعًا من العصيان الديني والسياسي، مما أدى إلى تدخل إمبراطوري مباشر في شؤون الكنيسة المصرية.

---

ثانيًا: سياسات هرقل ومحاولة فرض المونوثيلية

1. محاولة توحيد المذاهب بالقوة

في القرن السابع الميلادي، حاول الإمبراطور هرقل فرض مذهب المونوثيلية بهدف إنهاء الخلاف العقائدي. وتشير المصادر القبطية – لا سيما كتاب تاريخ الأمة القبطية ليعقوب نخلة روفيلة – إلى أن مبعوث هرقل للأسكندرية استخدم العنف لفرض المذهب الجديد.

2. المذابح ضد الأقباط

تذكر المصادر القبطية، ومن بينها تاريخ البطاركة لساويرس بن المقفع، أن القوات البيزنطية نفذت عمليات قمـع واسعة استهدفت الكهنة والرهبان والعامة من المؤمنين الأرثوذكس. وبحسب هذه المصادر، فإن أحداث العـنف بلغت مستويات غير مسبوقة، أدت إلى نزوح جماعي داخل مصر بعد مقتـل أكثر من مائتي ألف قبطي في مذابـح لم تشهدها أرض مصر من قبل. (عدد سكان مصر وقتها كان يتراوح ما بين ٣ - ٤ مليون نسمة).

---

ثالثًا: سيرة البابا بنيامين الأول نموذجًا للصراع

1. الأصل والنشأة

وُلد البابا بنيامين الأول في بيرشوط – حالياً كفر مساعد، مركز إيتاي البارود بمحافظة البحيرة. وتدرج في السلك الكهنوتي إلى أن تولّى السدة المرقسية ليصبح البطريرك الثامن والثلاثين للكنيسة القبطية.

2. الهروب والاختفاء

بعد رفضه الخضوع لسياسة هرقل الدينية، أصدر الحاكم البيزنطي أمرًا بالقبض عليه. تشير المصادر القبطية إلى أنه:

هرب إلى صعيد مصر
عاش متخفياً 13 سنة
عمل في بعض فترات اختفائه خادمًا في حظائر الحيوانات لدى الأهالي
تعرّض شقيقه مينا للتعـذيب والقـتل حـرقا وغـرقا لإجباره على الإفصاح عن مكانه

3. أهمية هذه المرحلة

يعكس سلوك بيزنطة تجاه رأس الكنيسة القبطية غياب استقلال ديني كامل للأقباط، واعتبارهم جزءًا تابعًا للسياسة الإمبراطورية لا أكثر.
---

رابعًا: الفتح الإسلامي لمصر واستقبال الأقباط له

1. دخول عمرو بن العاص وسياسة عدم التدخل

عند دخول المسلمين مصر، لم يتخذ عمرو بن العاص موقفًا عقائديًا من الخلافات المسيحية، بل اتخذ منهجًا إداريًا يقوم على:

التسامح الديني المطلق
احترام البنية الكنسية
عدم فرض أي مذهب ديني
منح القيادات القبطية استقلالاً في إدارة شؤونها

2. كتاب الأمان للبابا بنيامين

يحفظ كتاب السنكسار وتاريخ البطاركة نصًّا صريحًا لكتاب عمرو بن العاص:

"الموضع الذي فيه بنيامين، بطريرك النصارى القبط، له العهد والأمان والسلام. فليحضر آمناً مطمئناً ليدبر شعبه وكنائسه."

عاد بنيامين بناءً على هذا العهد إلى الإسكندرية بعد ثلاثة عشر عامًا من المطاردة، واستعاد كرسيه المرقسي بصورة كانت مستحيلة خلال الحكم البيزنطي.

3. شهادة المؤرخين الغربيين

يقول المؤرخ البريطاني ألفرد بتلر:

“استقبل الأقباط الفتح العربي باعتباره خلاصًا من الحكم البيزنطي وأن الفتح العربي عقوبة الرب لبيزنطة.”
(The Arab Conquest of Egypt, p. 284)

ويؤكد المستشرق الألماني أوتو ميناردوس أن الكنيسة القبطية تمتعت لأول مرة بعد الفتح بـ"استقلال إداري وروحي لم تعرفه منذ قرون".

---

خامسًا: نتائج الفتح الإسلامي على الكنيسة القبطية

1. استعادة البطريرك لكنيسته بعد عزله قسرًا

2. رفع التدخل الإمبراطوري في اختيار البطاركة

3. اختفاء الاضطهاد العقائدي المرتبط بفرض مذهب بيزنطة ووقف المذابح الضخمة ضد المصريين.

4. استمرار الكنيسة القبطية حتى اليوم بخصوصيتها المذهبية الفريدة

5. تحول مصر إلى مركز مسيحي شرقي مستقرّ داخل دولة إسلامية متعددة الأديان

---

الخاتمة

تشير مجمل الأدلة التاريخية إلى أن الفتح الإسلامي لمصر لعب دورًا حاسمًا في إنهاء مرحلة طويلة من الاضطهاد البيزنطي للأقباط الأرثوذكس. وتقدم سيرة البابا بنيامين الأول ابن كفر مساعد بحيرة مثالًا واضحًا على انتقال الكنيسة القبطية من حالة المطاردة والقمع إلى وضع من الحماية والانضباط الإداري في ظل تسامح ديني غير مسبوق.

إن تقييم هذه المرحلة تاريخيًا يقتضي النظر في واقع الاضطهاد السابق، وفي التحول الذي شهده المجتمع القبطي بعد سنة 640م، وهو تحول تعترف به المصادر القبطية والغربية على السواء بوصفه نقطة انفصال عن المرحلة البيزنطية وبداية حقبة من الاستقرار المؤسسي
 

نص عقل

شهب الغابة المضيئ 💎
عضو مميز
إنضم
31 ديسمبر 2024
المشاركات
21,546
مستوى التفاعل
6,008
مجموع اﻻوسمة
8
دور الفتح الإسلامي في حماية المسيحيين في مصر
الإسلام دين السلام
موضوع رائع وراقي ومفيد
تحيتي وتقديري مديرنا الفاضل
 
Comment

LioN KinG

ملك الغابة
المدير العام
إنضم
5 مايو 2021
المشاركات
5,856
مستوى التفاعل
6,536
الإقامة
الكويت
مجموع اﻻوسمة
8
دور الفتح الإسلامي في حماية المسيحيين في مصر
تسلم لمرورك الرائع
 
Comment

المواضيع المتشابهة

sitemap      sitemap

أعلى