الجوري خليني أفضفض لك شويّ…
أتعرفين ما هو الحنين؟
هو أن تكوني في مكانٍ آمن، لكن قلبك لا يشعر بالأمان.
أن تكوني محاطة بالضوء، لكن عيناكِ لا تبصران سوى ظلّ الذكريات.
هو أن تشتاقي لأشياء لم تعودي تملكينها
لأحاديث كانت تُقال لكِ دون أن تُطلبي، لضحكة كانت تسبق اسمكِ..!
للأمان حين كان وجهًا لا مسافة.
والتعب؟
ليس تعب الجسد، بل ذاك الإرهاق الذي يُقيم في أعماقكِ، أن تصبحي قوية لأن لا أحد سواكِ
أن تصمتي لأن الحديث لم يعُد يُجدي
أن تبتسمي لأن دموعكِ تُخيف من حولكِ.
وأما الوحدة…
فهي ليست غياب الناس، بل غياب الأثر
أن لا يجد قلبك من يشبهه
أن تمشين في الزحام ويزداد شعوركِ بأنكِ وحدكِ تمامًا.
أما بعد المسافات…
فذاك وجعٌ خاص
وجع لا يُفسَّر ولا يُروى
أن يكون من تحبينه على قيد الحياة
لكن ليس على قيد القُرب

إن الحنين ليس سوى خدعة بارعة من إرادة الحياة، تلك القوة العمياء التي تدفعنا بلا كلل نحو ما نظنه كمالاً مفقوداً. إنه انعكاس الوعي على جدار الألم، حيث تُعرض لحظات قديمة كما تُعرض مشاهد حلم لم يعد قابلاً للعودة. إننا لا نشتاق إلى الماضي، بل نشتاق إلى حالة وهمية من الرضى كنا نعتقد، خُدعنا بأننا نملكها.
التعب؟ إنه العقوبة التي يفرضها الوجود على من يحاول أن يفهم. التعب لا يسكن الجسد فقط، بل يتغلغل في صميم الإرادة، في رفضها المستمر لواقعها، في طموحها الأبدي إلى ما لا يمكن تحقيقه. كل خطوة نخطوها، يسبقها وعد بالسعادة، وتتبعها خيبة اسمها الحقيقة.
أما الوحدة، فهي الحقيقة الوحيدة الثابتة. نحن لا نعرف الآخر إلا بوصفه وهماً ضرورياً لإخفاء الفجوة داخل الذات. الإنسان، في جوهره، جزيرة، ولو كان وسط محيط من الوجوه. الوحدة ليست كارثة، بل هي شرط الوعي، ولعل أسوأ أشكال العزلة هي التي نختبرها في الزحام، حين نحمل على ظهورنا وجودنا كله دون أن يراه أحد.
وأما المسافات، فليست تلك التي تفصل المدن، بل التي تفصل القلب عن القلب، والذات عن ذاتها. إن أبعد المسافات هي تلك التي لا تقاس بالأمتار بل بالألم. هناك مَن يسكن الغرفة المجاورة، ويظل أبعد من قارة، لأننا لا نستطيع أن نكسر جدار الفردية الذي شيدته الطبيعة حول كل عقل بشري.
في النهاية، الحياة ليست مكاناً للراحة، بل مسرح للمعاناة الهادئة. نولد غرباء، نعيش متوهمين التقارب، ونرحل كما جئنا: وحيدين، متعبين، ونحن نحمل في أعماقنا الحنين إلى ما لم يكن أبداً.
ذكرتني بنص ذاكرة الرمل يصف كل هذا بلمحة