مر رجل من بني إسرائيل على قرية قد تهدمت جدرانها، وسقطت سقوفها، وتناثرت عظام أهلها في كل مكان، فوقف يتأمل الخراب والصمت المخيم على المكان، فقال في نفسه متعجباً: أنى يحيي هذه الله بعد موتها؟ كيف تعود هذه العظام النخرة إلى الحياة؟ كيف تقوم هذه الأجساد من جديد؟
فأراد الله أن يريه قدرته، ويوقفه على حقيقة البعث والنشور، فأماته مائة عام كاملة، ثم بعثه من نومه الطويل.
فلما فتح عينيه ورأى نفسه حياً بعد هذا الموت الطويل، جاءه ملك في صورة بشر يسأله: كم لبثت؟
فقال الرجل: لبثت يوماً أو بعض يوم. فقد كان يظن أنه نام نومة قصيرة.
فقال له الملك: بل لبثت مائة عام كاملة. فانظر إلى طعامك وشرابك، كيف لم يتغير مع مر الزمن، وانظر إلى حمارك كيف أكل الموت عظامه وصار رفاتاً بالياً.
فنظر الرجل فإذا طعامه وشرابه كما هما، لم يفسدا، ورأى حماره وقد تفرقت عظامه وأصبحت أشلاء متناثرة.
ثم قال له الملك: انظر كيف نبعث العظام من موتها، كيف نجمعها ونكسوها لحماً.
فنظر الرجل فإذا بعظام حماره تتحرك من هنا وهناك، تتجمع وتتصل ببعضها، ثم تكسى لحماً وتنبض بالحياة، حتى قام الحمار واقفاً ينهق كما كان.
فلما رأى الرجل ذلك كله، أيقن أن الله على كل شيء قدير، وأن الساعة آتية لا ريب فيها، وأن الله يبعث من في القبور.
وخرج الرجل إلى قومه فوجدهم قد تغيروا وانقرضوا، ووجد قرية عامرة بغير الذين كانوا فيها، فآمنوا به وصدقوه حين أخبرهم بقصته.
تلك هي قصة الرجل الذي شك في قدرة الله على إحياء الموتى، فأراه الله آية عظيمة جعلته من الموقنين.
فإذا قرأت هذه القصة فتذكر أن قدرة الله فوق كل تصور، وأن البعث حق، وأن الموت ليس نهاية بل بداية لحياة جديدة، فلا تيأس من رحمة الله ولا تشك في قدرته.
قصة آدم عليه السلام أبو البشر وبداية الخلافة في الأرض
خلق الله تعالى آدم عليه السلام بحكمته وقدرته وجعله أصل البشرية وأول الأنبياء وكرمه تكريما عظيما فخلقه بيده ونفخ فيه من روحه وعلمه وفضله وأسجد له ملائكته سجود تكريم لا سجود عبادة ليبين مكانة الإنسان حين يطيع ربه ويسير على هديه
أخبر الله تعالى الملائكة أنه سيجعل في الأرض خليفة فتعجبوا وسألوا على سبيل الاستفهام لا الاعتراض كيف يكون خليفة من قد يفسد ويسفك الدماء وهم يسبحون بحمد الله ويقدسونه فكان الجواب الإلهي الحاسم إني أعلم ما لا تعلمون فالله يعلم من هذا المخلوق ما لا تعلمه الملائكة من قابلية للخير والإيمان والعلم والتوبة
خلق الله آدم من طين ومر بمراحل حتى سواه بشرا سويا ثم نفخ فيه من روحه فدبت فيه الحياة وأمر الله الملائكة بالسجود له فامتثلوا جميعا إلا إبليس وكان من الجن فاستكبر وعصى وقال متكبرا أنا خير منه خلقتني من نار وخلقته من طين فاستحق الطرد من رحمة الله واللعنة إلى يوم الدين بسبب الكبر والحسد
طلب إبليس الإمهال إلى يوم القيامة فأمهله الله لحكمة عظيمة فأقسم أن يغوي بني آدم إلا عباد الله المخلصين لتبدأ المعركة بين الحق والباطل مع وضوح الطريق والعاقبة لكل إنسان
ومن أعظم ما كرم الله به آدم أن علمه الأسماء كلها أي القدرة على التعلم والمعرفة والتعبير وهي الخصيصة التي ميز بها الإنسان وجعلته قادرا على عمارة الأرض وحمل الأمانة فلما عرض الله الأسماء على الملائكة اعترفوا بعجزهم وقالوا لا علم لنا إلا ما علمتنا فأظهر الله فضل آدم بالعلم وحكمته في جعله خليفة في الأرض
خلق الله لآدم زوجته حواء وأسكنهما الجنة وأباح لهما كل ما فيها إلا شجرة واحدة نهاهما عن الاقتراب منها اختبارا لطاعتهما لكن إبليس وسوس لهما وزين لهما الأكل منها فنسيا وأخطآ ولم يكن ذلك كفرا ولا استكبارا بل زلة بشرية
لم يلق القرآن الذنب على حواء وحدها بل حمل آدم المسؤولية فالقصة القرآنية عادلة منزهة عن التحريف وما إن وقع الخطأ حتى بادر آدم وحواء إلى التوبة والاستغفار فتاب الله عليهما برحمته ثم أنزلهما إلى الأرض لا إنزال إهانة بل إنزال مهمة وخلافة كما أراد الله منذ البداية فالأرض دار ابتلاء والعمل والجنة هي الغاية لمن أطاع الله واتبع هداه
وتعلمنا هذه القصة أن الإنسان لم يخلق للجنة ابتداء بل خلق للخلافة في الأرض وأن الخطأ لا يهلك صاحبه إذا تاب وأن عداوة الشيطان لبني آدم قائمة وأن النجاة في الإخلاص لله وأن العلم والإيمان أساس كرامة الإنسان ورفعة شأنه
هذه قصة آدم عليه السلام كما جاءت في القرآن الكريم نقية صحيحة عظيمة المعاني خالدة الدروس تضع أمام الإنسان طريق الهداية وطريق الضلال بوضوح
سيرة أبي بكر الصديق رضي الله عنه هي سيرة رجل سبق الأمة كلها إلى معالي الإيمان فكان عبد الله بن عثمان بن عامر القرشي التيمي الذي عرف بعتيق والصدِّيق وكان لقبه الصدِّيق لأنه صدق رسول الله صلى الله عليه وسلم تصديقا كاملا يوم كذبه الناس وقال كلمته الخالدة إن كان قال فقد صدق فصار مثلا في اليقين والثبات وكان رضي الله عنه رقيق القلب أسيفا كثير البكاء إذا قرأ القرآن أبيض نحيفا جميل الخلق عظيم الخلق ولد بعد عام الفيل بسنتين وستة أشهر فشب في مكة معروفا بالأمانة والفضل فلما بعث الله نبيه كان أول من آمن به من الرجال فلم يتردد ولم يتلعثم بل سبق إلى التصديق فحمل هم الدعوة وواسى النبي بنفسه وماله وتحمل الأذى في سبيل الله ورافقه في أشد المواقف يوم الهجرة فكان ثاني اثنين في الغار حين قال له النبي لا تحزن إن الله معنا فثبت قلبه واطمأن بوعد ربه وأنفق ماله كله في سبيل نصرة الدين وأعتق المستضعفين الذين يعذبون في الله فكان نصيرا للحق قبل أن تقوم للدولة قائمة
ولما مرض رسول الله صلى الله عليه وسلم أمره أن يصلي بالناس إشارة إلى مكانته وفضله فاجتمع الصحابة على بيعته بعد وفاة النبي فكان أول الخلفاء الراشدين فثبت الله به الدين يوم اضطربت القلوب وارتدت قبائل من العرب فمنعوا الزكاة فقام موقفا عظيما وقال كلمته المشهورة والله لأقاتلن من فرق بين الصلاة والزكاة فشرح الله صدره للحق فقاتل المرتدين حتى عاد للدين عزته ووحدته وفي عهده جمع القرآن حفظا لكلام الله وأنفذ جيش أسامة كما أراد النبي صلى الله عليه وسلم وبدأت الفتوحات في الشام والعراق فكان عهده القصير مليئا بالإنجازات العظيمة
وكان رضي الله عنه زاهدا ورعا لم تغره الدنيا ولا زخارف السلطان فلما حضرته الوفاة أوصى برد ما انتفع به من بيت المال وقال لقد أتعبت من جاء بعدك رضي الله عنه وأرضاه فقد عاش ثلاثا وستين سنة ملأها إيمانا وصدقا وبذلا وتضحية فصار قدوة للأمة في اليقين والتجرد والإخلاص
هذه سيرة رجل ما سبق بكثرة صلاة ولا صيام فقط ولكن بشيء وقر في قلبه من صدق الإيمان ومحبة الله ورسوله فانشر هذه السيرة ولا تجعلها تقف عندك فكم من قلب يحتاج إلى قدوة وكم من شاب يحتاج إلى نموذج في الثبات والتضحية والدال على الخير كفاعله ومن نشر فضائل الصالحين أحيا معاني العزة في النفوس فشاركها لعل الله أن ينفع بها غيرك ويكتب لك أجرها وأجر من عمل بها إلى يوم القيامة
الصحابية الجليلة أم كلثوم بنت عقبة بن أبي معيط الأموي القرشي ولدت في مكة المكرمة ونشأت في بيت كان من أشد بيوت قريش عداوة للإسلام فوالدها عقبة بن أبي معيط كان يؤذي رسول الله صلى الله عليه وسلم وأخوتها كانوا من أعداء الدعوة ومع ذلك أشرق نور الإيمان في قلبها فأسلمت في صمت وكتمت إيمانها خوفا من بطش أهلها لكنها كانت تزداد يقينا وثباتا يوما بعد يوم حتى لم يعد في قلبها موضع لشيء من زخارف الدنيا وصارت غايتها رضا الله والفوز بجنته
انتظرت حتى جاء صلح الحديبية فاغتنمت الفرصة وهاجرت وحدها من مكة إلى المدينة قاطعة الطريق الطويل بلا رفيق ولا حام تحركها قوة الإيمان وعظيم التوكل فكانت أول امرأة تهاجر بعد الصلح وفي طريقها لقيت قافلة من خزاعة وكان بينهم عهد مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فاطمأن قلبها وسارت معهم حتى وصلت إلى المدينة آمنة ثابتة لم تخش تهديدا ولم تلتفت إلى ما قد يفعله بها أهلها
ولما علم أخواها بخروجها لحقا بها يطلبان من رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يردها إليهما بحجة الشرط الذي كان في الصلح فخافت أن تعاد إلى الفتنة في دينها ووقفت تناشد رسول الله ألا يسلمها إليهم فأنزل الله في شأنها قرآنا يتلى إلى يوم القيامة يأمر بعدم رد المؤمنات إلى الكفار فكانت قصتها سببا في حكم عظيم يخلد صدق هجرتها ويثبت مكانتها
عاشت رضي الله عنها بعد ذلك بين المسلمين راوية للحديث سمعت من رسول الله صلى الله عليه وسلم وروت عنه ومن حديثها قوله ليس الكذاب الذي يصلح بين الناس فينمي خيرا أو يقول خيرا فجمعت بين شرف الصحبة وفضل الهجرة وشجاعة الموقف
تزوجت من زيد بن حارثة فاستشهد ثم تزوجت من الزبير بن العوام ثم من عبد الرحمن بن عوف وأنجبت منه ثم تزوجت من عمرو بن العاص رضي الله عنهم جميعا وعاشت حياة ملؤها الإيمان والصبر والثبات حتى توفيت في خلافة علي بن أبي طالب رضي الله عنه
هذه سيرة امرأة تحدت بيئة الكفر بقلب مؤمن وخرجت وحدها نصرة لدينها فكانت قدوة في الشجاعة والعفة والتضحية فانشر قصتها ولا تجعلها تقف عندك فكم من فتاة تحتاج أن تعرف معنى الثبات وكم من قلب يحتاج أن يرى نموذجا صادقا للتوكل على الله ومن دل على خير فله مثل أجر فاعله لعل الله أن يكتب لك أجر نشر سيرتها ويحيي بها قلوبا غافلة