رجلان كانا في زمن مضى، آتاه الله مالاً كثيراً وزرعاً وفيراً، فكان لأحدهما جنتان عظيمتان، تكتنفهما النخيل الباسقات، وتتوسطهما الزرع الخضر، وفجر الله بينهما نهراً يجري بالماء العذب، فكانت الجنتان تدران الثمار كل عام من غير نقص ولا عيب، حتى صار صاحبهما من أثرى الأغنياء.
فبينما هو يمشي في جنتيه يوماً، مختالاً بماله، واثقاً بقوته، إذ جلس يتحدث مع صاحب له كان مؤمناً بالله، فطغت عليه نعمة الله فأنساه المنعم، فقال لصاحبه: أنا أكثر منك مالاً وأعز نفراً، وأنا أعلم أن هذه الجنة لن تهلك أبداً، وما أظن الساعة قائمة، ولو رددت إلى ربي لأجدن خيراً منها منقلباً.
فنظر إليه صاحبه المؤمن وقال له: أكفرت بالذي خلقك من تراب ثم من نطفة ثم سواك رجلاً؟ لكن هو الله ربي ولا أشرك بربي أحداً، وهلا إذ دخلت جنتك قلت: ما شاء الله لا قوة إلا بالله، إن ترن أنا أقل منك مالاً وولداً، فعسى ربي أن يؤتين خيراً من جنتك ويرسل عليها حسباناً من السماء فتصبح صعيداً زلقاً.
فأعرض الغني عن كلام صاحبه، واستكبر بماله، وظن أن الدنيا باقية له.
فلما كان الليل أرسل الله على جنتيه ناراً من السماء، أو ريحاً عاتية، أو سيلاً جارفاً، فجعلها كالأرض الجرداء لا شيء فيها.
وأصبح الرجل الغني في الصباح فإذا جنتاه قد خربتا، وإذا بستانه قد تحول إلى أرض قاحلة لا زرع فيها ولا نخل ولا عنب، وإذا بأعنابه قد تساقطت على الأرض، ونخيله قد انكسرت جذوعه، وإذا هو يقف حيران يقلب كفيه على ما أنفق فيها، وهو يقول: يا ليتني لم أشرك بربي أحداً، وليس له من أنصار ينصرونه من دون الله.
وذلك أن ولاية الله وحده هي الباقية، وأن الثقة بالمال والجاه تذهب كما يذهب السراب، وأن العبد إذا نسي الله أنساه الله نفسه.
فإذا قرأت هذه القصة فتذكر أنك تمشي على أرض لا تملك منها شيئاً، وأنك تتنفس هواء لا تملك منه ذرة، وأن كل ما لديك هو عارية عندك، فإن شكرت بقيت، وإن كفرت ذهبت.
كان لأب صالح ثلاثة من الأبناء، وكانت له جنة عظيمة تمتد بطول البصر، فيها النخيل الباسقات والعنب المتدلي كأنه العقود، وكان إذا حان وقت الحصاد لا ينسى حق الفقراء والمساكين، يترك لهم ما يسد رمقهم ويفتح لهم الباب ليدخلوا ويأخذوا من ثمارها ما يشاءون.
فلما مات الأب الصالح ورثه أبناؤه الثلاثة، ورأوا الجنة وما فيها من خيرات لا تعد ولا تحصى، فقالوا فيما بينهم: لقد كان أبونا رجلاً ضعيفاً فقير الحيلة، فكيف يعطي هؤلاء المساكين من ثمارنا؟ والله لن نعطيهم شيئاً هذا العام، ولن ندع أحداً منهم يقترب من جنتنا.
واتفقوا فيما بينهم على أن يخرجوا في الصباح الباكر إلى جنتهم ليقطفوا ثمارها قبل أن يشعر بهم الفقراء والمساكين، وقالوا: لا تخبروا أحداً من المساكين بموعد حصادنا، وأقسموا فيما بينهم على ذلك.
فلما حل الليل أرسل الله على جنتهم ناراً من السماء فأحرقتها وأصبحت كالرماد الأسود، والأبناء الثلاثة نيام لا يشعرون بما حدث.
فلما بزغ الفجر نادى أحدهم على أصحابه: هيا بنا إلى جنتنا إن كنا صادمين.
فانطلقوا مسرعين وهم يحدثون بعضهم: لا تدعوا اليوم مسكيناً يدخل عليكم.
ويمشون وقد ملأت الثقة قلوبهم أنهم سيفعلون ما أرادوا، حتى وصلوا إلى مكان الجنة فإذا بها كالليل المظلم لا زرع ولا ثمر ولا خضرة، وإذا الجنة التي كانت تفيض بالخيرات قد أصبحت حرثاً يابساً لا خير فيه.
فنظروا إلى بعضهم وقالوا: لقد ضللنا الطريق، هذه ليست جنتنا.
ثم أعادوا النظر والتأمل فعرفوا أنها هي جنتهم، فصاحوا: بل نحن محرومون، لقد أصابنا الخراب والدمار بسبب ما قلناه وعقدنا العزم عليه.
فقال أوسطهم رأياً: ألم أقل لكم هلا تسبحون وتشكرون كما كان يفعل أبونا؟
فأجابوه: سبحان ربنا إنا كنا ظالمين، ثم أخذوا يلوم بعضهم بعضاً ويتحسرون على ما فعلوا، وكلما تذكروا نعمة فقدوها ازدادوا حسرة، يقولون: يا ليتنا لم نشرك بالله في أمرنا، وما كان لنا أن نمنع حق الفقراء والمساكين.
وذلك جزاء من يبخل وينسى أن المال كله لله، يهب من يشاء ويمنع من يشاء.
عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "يقول الله تعالى: أنا عند ظن عبدي بي، وأنا معه إذا ذكرني، فإن ذكرني في نفسه ذكرته في نفسي، وإن ذكرني في ملإ ذكرته في ملإ خير منهم، وإن تقرب إلي بشبر تقربت إليه ذراعا، وإن تقرب إلي ذراعا تقربت إليه باعا، وإن أتاني يمشي أتيته هرولة" [رواه البخاري ومسلم].
هذا الحديث القدسي العظيم يجسد أسمى معاني الرحمة الإلهية والقرب الرباني، إنه حديث يفيض بالبشائر والأمل، ويرسم أروع صورة لعلاقة العبد بربه، علاقة تقوم على الحب والرجاء والثقة بالله وحسن الظن به.
تأمل معي هذه الكلمات الإلهية العظيمة التي تخرج من رب العالمين لعباده المؤمنين، يعلن فيها أنه عند ظن عبده به، فالله سبحانه يجازي عبده على حسب ظنه به، إن ظن خيراً فله الخير، وإن ظن شراً فله الشر، وهو سبحانه أهل لتخاف منه وتتقيه، وأهل أن يرجى ويتوكل عليه.
ما أعظم هذا المعنى! إن الله تعالى يفتح لعباده باب الأمل ويقول لهم: كونوا معي على حسن ظن، فإني عند ظنكم بي، لا أردكم ولا أخيب رجاءكم، مهما كانت ذنوبكم ومعاصيكم، فظنوا بي خيراً تجدوني خيراً.
ثم يزيد سبحانه في بيان فضله وكرمه فيقول: "وأنا معه إذا ذكرني". فالله مع عبده بالحفظ والتأييد والنصرة والعناية، حين يذكره العبد بقلبه ولسانه وجوارحه، وهذه المعية خاصة تختلف عن المعية العامة لجميع الخلائق.
ثم يفصل سبحانه درجات الذكر ومراتبه، فيقول: "فإن ذكرني في نفسه ذكرته في نفسي". أي من استحضر عظمة الله في خلوته، وذكره سراً بينه وبين ربه، ذكره الله في نفسه وكافأه على هذا الذكر الخفي بأعظم الجزاء.
"وإن ذكرني في ملإ ذكرته في ملإ خير منهم". أي من ذكر الله في جمع من الناس، ذكرهم وعلمهم وعظم ربه بينهم، ذكره الله في الملأ الأعلى بين جبريل وميكائيل وسائر الملائكة المقربين، وأي شرف أعظم من أن يذكر العبد في محفل الملائكة الكرام؟
ثم ينتقل الحديث إلى أرقى درجات القرب، فيقول: "وإن تقرب إلي بشبر تقربت إليه ذراعا، وإن تقرب إلي ذراعا تقربت إليه باعا، وإن أتاني يمشي أتيته هرولة". وهذا من أعظم أبواب الفضل الإلهي، فالله سبحانه يزيد عبده من فضله، فإذا خطا العبد خطوة نحو ربه، خطا الله إليه خطوات بالرحمة والثواب والقبول.
هذه القصة العظيمة تفتح أمامنا أبواب الأمل والرجاء، وتعلمنا أن الله قريب منا، يستجيب لدعائنا، ويقبل توبتنا، ويرحم ضعفنا، ويجازي إحساننا بأكثر مما نستحق.
وهذه القصة تذكرنا بقصة أخرى وردت في الأثر عن رجل أذنب ذنباً فقال: يا رب أذنبت ذنباً فاغفره، فقال الله: علم عبدي أن له رباً يغفر الذنب ويأخذ به، قد غفرت لعبدي. ثم أذنب آخر فقال: يا رب أذنبت ذنباً فاغفره، فقال الله: علم عبدي أن له رباً يغفر الذنب ويأخذ به، قد غفرت لعبدي. ثم أذنب آخر فقال مثل ذلك، فقال الله: ليعمل عبدي ما شاء فقد غفرت له [رواه مسلم]. وهذا فيمن كان على حسن ظن بالله لا يصر على الذنب ولا يتخذها حجة على المعصية.
وتذكرنا أيضاً بقصة النبي صلى الله عليه وسلم مع شاب قال له: يا رسول الله أأذن لي في الزنا؟ فصاح به الناس، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: ادن، فدنا، فقال: أتحبه لأمك؟ قال: لا، قال: كذلك الناس لا يحبونه لأمهاتهم، أتحبه لابنتك؟ قال: لا، قال: كذلك الناس لا يحبونه لبناتهم، أتحبه لأختك؟ قال: لا، قال: كذلك الناس لا يحبونه لأخواتهم، ثم وضع يده على صدره وقال: اللهم طهر قلبه واغفر ذنبه وحصن فرجه [رواه أحمد].
هذه القصص كلها تصب في معنى حسن الظن بالله، والثقة برحمته، والرجاء في مغفرته، مع بذل الأسباب والعمل الصالح.
فيا من تقرأ هذه القصة، أحسن ظنك بربك، فهو أهل لأن يظن به الخير، وتذكر أن حسن الظن بالله ليس مجرد أمنية، بل هو ثمرة الإيمان والعمل الصالح، فاجتهد في طاعة ربك، وأكثر من ذكره، وتقرب إليه بطاعته، تجده أقرب إليك من كل قريب.
نسأل الله أن يحسن ظننا به، وأن يجعلنا من الذاكرين له في السر والعلن، وأن يتقرب إلينا كما تقربنا إليه، إنه سميع مجيب.
عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه في قوله تعالى: {فِيهِمَا عَيْنَانِ نَضَّاخَتَانِ} قال: تنضخان على أولياء الله بالمسك والعنبر والكافور في دور أهل الجنة كما ينضخ رش المطر [تفسير القرطبي].
هذه القصة العجيبة تأخذنا في رحلة إلى أعماق الجنة، إلى تلك الجنان التي أعدها الله لعباده المتقين، حيث العيون النضاختان اللتان وصفهما الله في كتابه العزيز، وجعلهما من نعيم أصحاب اليمين في الجنتين اللتين دون الجنتين الأوليين.
يقول الله تعالى في سورة الرحمن: {وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ * فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ * ذَوَاتَا أَفْنَانٍ * فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ * فِيهِمَا عَيْنَانِ تَجْرِيَانِ} [الرحمن: 46-50]. فهاتان جنتان للمقربين السابقين، فيهما عينان تجريان بقوة وسرعة.
ثم يصف الله بعد ذلك جنتين أخريين لمن دونهم من المؤمنين أصحاب اليمين، فيقول: {وَمِن دُونِهِمَا جَنَّتَانِ * فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ * مُدْهَامَّتَانِ * فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ * فِيهِمَا عَيْنَانِ نَضَّاخَتَانِ} [الرحمن: 62-66].
وقد اختلف المفسرون في معنى "نضاختان"، فقال ابن عباس رضي الله عنهما: نضاختان بالماء أي فوارتان [تفسير الطبري]. وقال الضحاك: ممتلئتان لا تنقطعان [تفسير الطبري]. وقال سعيد بن جبير: نضاختان بألوان الفاكهة [تفسير الطبري]. وقال ابن عباس في رواية أخرى: نضاختان بالخير والبركة [تفسير الطبري].
وقال ابن مسعود وأنس بن مالك رضي الله عنهما: تنضخان على أولياء الله بالمسك والعنبر والكافور في دور أهل الجنة كما ينضخ رش المطر [تفسير القرطبي]. وهذا وصف بديع، فالماء لا ينضخ فقط، بل ينضخ معه أطيب العطور وأزكى الروائح، فتفيض العينان على أهل الجنة برذاذ من مسك وعنبر وكافور، كما يفيض رذاذ المطر على الأرض.
وقال بعض المفسرين: تنضخان بألوان الفاكهة والنعم والجواري المزينات والدواب المسرجات والثياب الملونات [تفسير القرطبي]. فهاتان العينان ليستا للماء فقط، بل تنضخان بكل خير ونعيم.
وقد فرق العلماء بين العينين الجاريتين والعينين النضاختين، فقال ابن القيم رحمه الله: "الجارية السارحة وهي أحسن من الفوارة، فإنها تضمن الفوران والجريان" [حادي الأرواح]. فالأولى تجري بقوة وسرعة، والثانية تفور وتندفع بالماء اندفاعاً قوياً.
وقال الرازي: "النضخ دون الجري" [التفسير الكبير]. فالأوليان للمقربين، وهاتان لأصحاب اليمين، وكلاهما نعيم عظيم لا يدركه عقل.
وفي وصف هذه الجنتين، قال ابن عباس رضي الله عنهما: الجنتان اللتان تليان الجنتين الأوليين، فيهما عينان نضاختان، أي فوارتان بالماء لا تنقطعان، وهما دون الجنتين الأوليين في الفضل والمنزلة [تفسير ابن كثير].
هذه القصة العظيمة تذكرنا بأن الله أعد لعباده درجات متفاوتة من النعيم، كل على حسب عمله وإيمانه، وأن الجنة درجات، والنعيم فيها لا ينقطع، والعيون فيها لا تجف، والخير فيها لا ينفد.
فيا من تقرأ هذه القصة، تذكر أن الجنة غالية ثمنها العمل الصالح، والإيمان الخالص، والتقوى في السر والعلن، فاجتهد في طاعة ربك، وأكثر من ذكر الله وشكره، عسى أن تكون من أهل الجنة، وتنعم بما فيها من عيون نضاخة وأنهار جارية.
نسأل الله أن يرزقنا الجنة وما فيها من نعيم مقيم، وأن يجعلنا من الذين ينعمون بالعينين النضاختين، إنه سميع مجيب.
عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: جاء رجل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله، من أحق الناس بحسن صحابتي؟ قال: "أمك" قال: ثم من؟ قال: "أمك" قال: ثم من؟ قال: "أمك" قال: ثم من؟ قال: "أبوك" [متفق عليه]. وفي رواية لمسلم: "ثم أدناك أدناك".
هذه القصة العظيمة تجسد أعظم دروس البر والفضل، وتؤصل مكانة الأم في الإسلام، تلك المكانة التي لا تدانيها مكانة، وذلك الفضل الذي لا يعلوه فضل، إنها قصة تسأل فيها رجل النبي صلى الله عليه وسلم عن أحق الناس بحسن الصحبة، فكان الجواب صاعقاً في تكراره: أمك، أمك، أمك، ثم أبوك.
تأمل معي هذا المشهد النبوي العظيم، رجل يأتي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم يسأله عن أعظم الناس حقاً عليه، عن أكثرهم استحقاقاً لبره وإحسانه وصحبته الجميلة، فيجيبه النبي صلى الله عليه وسلم بثلاث مرات متتاليات: أمك، ثم في الرابعة: أبوك، لتعلم الأمة كلها أن للأم ثلاثة أضعاف ما للأب من حق وبر ورعاية.
لماذا كانت الأم بهذه المكانة العظيمة؟ لأنها حملته كرهاً ووضعته كرهاً، وحمله وفطامه ثلاثون شهراً، وهي التي أرضعته وسهرت الليالي على راحته، وتحملت الآلام والمتاعب من أجله، فكان جزاؤها أن يكون برها ثلاثة أضعاف بر الأب.
وليس معنى هذا أن الأب ليس له حق، بل له حق عظيم، ولكن حق الأم أعظم وأكبر، ولذلك قدمها النبي صلى الله عليه وسلم في الوصية والبر.
وقد وردت أحاديث كثيرة تؤكد هذا المعنى، فعن معاوية بن جاهمة السلمي أنه جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله، إني أردت أن أغزو وقد جئت أستشيرك، فقال: "هل لك من أم؟" قال: نعم، قال: "فالزمها فإن الجنة تحت رجليها" [رواه النسائي وصححه الألباني].
وعن عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "رضا الرب في رضا الوالد، وسخط الرب في سخط الوالد" [رواه الترمذي وصححه الألباني].
وفي حديث آخر: "والله لا يؤمن، والله لا يؤمن، والله لا يؤمن، قيل: من يا رسول الله؟ قال: من لا يأمن جاره بوائقه" [رواه البخاري]. وهكذا كان النبي صلى الله عليه وسلم يكرر التأكيد على الأمور العظيمة ثلاثاً.
وهذه القصة العظيمة تذكرنا بواجبنا نحو أمهاتنا، وتعلمنا أن بر الأم هو أعظم القربات، وأن خدمتها من أفضل الطاعات، وأن رضاها من رضا الله، وسخطها من سخطه.
وهذه القصة تذكرنا أيضاً بقصة الرجل الذي جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم يستأذنه في الجهاد، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: "أحي والداك؟" قال: نعم، قال: "ففيهما فجاهد" [متفق عليه]. فجعل النبي صلى الله عليه وسلم خدمة الوالدين وبرهما جهاداً في سبيل الله.
وتذكرنا بقصة آخر قال للنبي صلى الله عليه وسلم: إني شاب نشيط وأحب الجهاد ولا أستطيع أن أجمع بين الجهاد وبر أمي، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: "هل لك من أم؟" قال: نعم، قال: "الزم رجلها فثم الجنة" [رواه الطبراني].
إن بر الوالدين ليس مجرد كلمات تقال، بل هو عمل وجهاد وصبر، وهو مدرسة كبرى يتعلم فيها المسلم معاني الحب والعطاء والتضحية والإحسان، ويتدرب فيها على طاعة الله ورسوله.
وقد ضرب الصحابة والسلف أروع الأمثال في بر الوالدين، فعن ابن عمر رضي الله عنهما أنه رأى رجلاً يطوف بالبيت يحمل أمه على رقبته، فقال له: أتراني جزيتها؟ قال ابن عمر: ولا بطلقة واحدة، ولكن أحسنت وأجملت، والله لا يضيع أجر المحسنين.
وعن وهب بن منبه قال: نظر الله إلى رجل يطوف بالبيت ومعه أمه على ظهره، فقال له: أما إنك قد جزيتها، ولكن لا بطلقها.
هذه القصة العظيمة تملأ قلوبنا حباً لأمهاتنا، وتجعلنا ندرك قيمة هذه النعمة العظيمة، وتحثنا على برهن والإحسان إليهن، وخدمتهن، والتواضع لهن، وخفض الجناح لهن، وقول الكلمة الطيبة لهن، والإنفاق عليهن، والدعاء لهن، وزيارتهن، وإدخال السرور عليهن.
فيا من تقرأ هذه القصة، إن كانت أمك حية، فبادر إلى برها قبل فوات الأوان، واغتنم وجودها بين يديك، فهي الجنة تحت قدميها، وهي باب من أبواب الجنة، إن أطعته وبررتها دخلت من أي باب شئت.
وإن كانت أمك قد ماتت، فبرها بالدعاء لها، والاستغفار لها، والصدقة عنها، وصلة الرحم التي لا توصل إلا بها، وإكرام صديقاتها من بعدها.
نسأل الله أن يرزقنا بر والدينا، وأن يرضى عنا كما أرضاهم عنا، وأن يجعلنا من الأبرار، إنه سميع مجيب.
عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سئل: أي الناس أكرم؟ قال: "أكرمهم عند الله أتقاهم" قالوا: ليس عن هذا نسألك، قال: "فأكرم الناس يوسف نبي الله ابن نبي الله ابن نبي الله ابن خليل الله" [رواه البخاري].
هذه القصة العظيمة تحكي قصة نبي الله يوسف عليه السلام، ذلك النبي الكريم ابن النبي يعقوب ابن النبي إسحاق ابن النبي إبراهيم خليل الرحمن، تلك السلسلة الذهبية من النبوة والكرامة، التي تجلت في قصة يوسف التي وصفها الله بأنها أحسن القصص.
تبدأ القصة بمنام رآه يوسف وهو صغير، فرآه كأن أحد عشر كوكباً والشمس والقمر له ساجدون، فقصه على أبيه يعقوب، فعرف أبوه أن الله سيصطفيه ويجتبيه ويعلمه من تأويل الأحاديث، ولكن خاف عليه من حسد إخوته، فأمره ألا يقص رؤياه عليهم.
وكان إخوة يوسف من أم أخرى، وكانوا يحسدونه على محبة أبيه له، فأجمعوا أمرهم على التخلص منه، فطلبوا من أبيه أن يرسله معهم ليرعى الغنم، وأكدوا له أنهم سيحفظونه، فأرسله معهم وهو حريص عليه.
فلما أبعدوا به، ألقوه في غيابات الجب، وجاءوا إلى أبيهم بالليل يبكون، وقالوا: إنا ذهبنا نستبق وتركنا يوسف عند متاعنا فأكله الذئب، وجاءوا على قميصه بدم كذب، فصدقهم يعقوب وهو يعلم أنهم كاذبون، لكنه صبر صبراً جميلاً، وقال: {فَصَبْرٌ جَمِيلٌ وَاللَّهُ الْمُسْتَعَانُ عَلَى مَا تَصِفُونَ} [يوسف: 18].
ومر بالجب سيارة من التجار، فأرسلوا واردهم فأدلى دلوه فإذا بيوسف، فأخذه التجار وباعوه في مصر بثمن بخس دراهم معدودة، وكانوا فيه من الزاهدين.
اشتراه عزيز مصر، وقال لامرأته: {أَكْرِمِي مَثْوَاهُ عَسَى أَن يَنفَعَنَا أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَدًا} [يوسف: 21]، فربياه في القصر، وأكرماه غاية الإكرام، وأعطاه الله من الحكمة والعلم ما لم يعط أحداً من قبل.
فلما بلغ أشده واستوى، راودته امرأة العزيز عن نفسه، فاستعصم بالله وقال: {مَعَاذَ اللَّهِ إِنَّهُ رَبِّي أَحْسَنَ مَثْوَايَ} [يوسف: 23]، وهرب منها إلى الباب، فاتهمته بأنه أراد بها سوءاً، وشهد شاهد من أهلها أن القميص إن كان قد من قُدَّم فصدقت وهو من الكاذبين، وإن كان قد من دُبُر فكذبت وهو من الصادقين، فلما رأى العزيز قميصه قد من دبر علم أن يوسف صادق وأن امرأته كاذبة.
وشاع الخبر في المدينة، واجتمعت النسوة يلمزن امرأة العزيز، فدعتهن وأكرمتهن، وأعطت كل واحدة منهن سكيناً لتقطع طعامها، ثم أمرت يوسف بالخروج عليهن، فلما رأينه أكبرنه وقطعن أيديهن وقلن: {حَاشَ لِلَّهِ مَا هَذَا بَشَرًا إِنْ هَذَا إِلَّا مَلَكٌ كَرِيمٌ} [يوسف: 31].
ولما يئست منه، هددته بالسجن إن لم يفعل ما تأمره به، فاختار السجن على المعصية، فسجن ظلماً سنوات طويلة، وفي السجن كان يدعو إلى الله ويفسر الرؤيا للمسجونين معه.
ورأى ملك مصر رؤيا عجيبة، فطلب من يفسرها، فتذكر الذي كان مع يوسف في السجن أن يوسف خير مفسر، فأرسل إليه الملك ففسر الرؤيا وأعطى الملك خطة لمواجهة سنوات القحط التي ستأتي، فأعجب الملك بحكمته وعلمه، وأخرجه من السجن وولاه خزائن الأرض.
وجاءت سنوات القحط، وجاء إخوة يوسف يطلبون الطعام، فعرفهم وهم له منكرون، فاختبرهم وأكرمهم ورد إليهم أخاهم بنيامين، ثم كشف لهم عن نفسه وقال: {أَنَا يُوسُفُ وَهَذَا أَخِي} [يوسف: 90]، فخجلوا وندموا، فعفا عنهم وقال: {لَا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ يَغْفِرُ اللَّهُ لَكُمْ وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ} [يوسف: 92].
ثم أرسل قميصه معهم ليلقوه على وجه أبيه فيعود بصيراً، وكان يعقوب قد فقد بصره من كثرة البكاء على يوسف، فلما جاء البشير وألقى القميص على وجهه ارتد بصيراً، ثم خرجوا جميعاً إلى مصر، ودخلوا على يوسف، ورفع أبويه على العرش، وخروا له سجداً، فقال يوسف: {هَذَا تَأْوِيلُ رُؤْيَايَ مِن قَبْلُ قَدْ جَعَلَهَا رَبِّي حَقًّا} [يوسف: 100].
هذه القصة العظيمة تعلّمنا دروساً عظيمة في الصبر على البلاء، والعفة عن الحرام، والتوكل على الله، وحسن الظن به، وأن العاقبة للمتقين، وأن الله ناصر عباده المؤمنين، مهما طالت عليهم السنون وتعاقبت عليهم المحن.
وتعلمنا أن الإخلاص لله ينجي صاحبه من كل كرب، وأن الصدق والأمانة يرفعان صاحبهما في الدنيا والآخرة، وأن العفو عن المسيء من شيم الكرام، وأن جمع الشمل بعد الفراق من أعظم نعم الله على عباده.
فيا من تقرأ هذه القصة، تأمل في حياة يوسف عليه السلام، وتعلم من صبره وعفته وإحسانه، واجعل قدوتك في الحياة الأنبياء والصالحين، فإنهم خير من يقتدى بهم، وأكرم من يسار على خطاهم.
نسأل الله أن يرزقنا الصبر على البلاء، والعفة عن الحرام، والإحسان إلى المسيء، وأن يجمع شملنا بأحبابنا في الدنيا والآخرة، إنه سميع مجيب.
عن عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "إن أول قضاء بين الناس يوم القيامة في الدماء" متفق عليه.
هذه قصة عظيمة يرويها الله تعالى في سورة المائدة، عن ابني آدم عليه السلام، تلك القصة التي كانت أول جريمة قتل شهدتها الأرض، لتكون عبرة للبشرية جمعاء، ولتبين كيف دخل الظلم والحسد إلى العالم، وكيف كانت نهاية كل من الظالم والمظلوم.
تقرب أحد ابني آدم بقربان طيب من ماله، وكان صاحب تقوى وإخلاص، فتقبل الله قربانه. وأما الآخر فتقرب بقربان لم يتقبله الله، فغضب غضباً شديداً، وقال لأخيه: لأقتلنك. فقال له أخوه: {إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ} [المائدة: 27].
ثم وعظه أخوه ونصحه، وقال له: {لَئِن بَسَطتَ إِلَيَّ يَدَكَ لِتَقْتُلَنِي مَا أَنَا بِبَاسِطٍ يَدِيَ إِلَيْكَ لَأَقْتُلَكَ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ} [المائدة: 28]، ثم حذره من سوء العاقبة فقال: {إِنِّي أُرِيدُ أَن تَبُوءَ بِإِثْمِي وَإِثْمِكَ فَتَكُونَ مِنْ أَصْحَابِ النَّارِ وَذَلِكَ جَزَاءُ الظَّالِمِينَ} [المائدة: 29].
ورغم هذه الموعظة، طاوعت النفس القاتلة صاحبها، فقتل أخاه. قال تعالى: {فَطَوَّعَتْ لَهُ نَفْسُهُ قَتْلَ أَخِيهِ فَقَتَلَهُ فَأَصْبَحَ مِنَ الْخَاسِرِينَ} [المائدة: 30].
وبعد أن قتله، ترك جثته ملقاة على الأرض لا يدري ما يفعل بها، فبعث الله غراباً يبحث في الأرض ليريه كيف يواري جثة أخيه. قال تعالى: {فَبَعَثَ اللَّهُ غُرَابًا يَبْحَثُ فِي الْأَرْضِ لِيُرِيَهُ كَيْفَ يُوَارِي سَوْءَةَ أَخِيهِ قَالَ يَا وَيْلَتَا أَعَجَزْتُ أَنْ أَكُونَ مِثْلَ هَذَا الْغُرَابِ فَأُوَارِيَ سَوْءَةَ أَخِي فَأَصْبَحَ مِنَ النَّادِمِينَ} [المائدة: 31].
وقد أخبر النبي صلى الله عليه وسلم أن هذا القاتل سن سنة سيئة، فقال: "لا تُقتل نفس ظلماً إلا كان على ابن آدم الأول كفل من دمها، لأنه أول من سن القتل" متفق عليه.
هذه القصة العظيمة تعلمنا دروساً عظيمة: أن التقوى هي أساس قبول الأعمال، وأن المؤمن لا يعتدي على أخيه مهما كان الظلم، وأن الظالم مهما طال عمره سيلقى جزاءه، وأن الندم لا ينفع إذا فات الأوان.
فيا من تقرأ هذه القصة، احذر من الحسد فإنه أول ذنب عصي به الله في الأرض، واجعل التقوى سبيلك، والإخلاص ديدنك، والصبر والإحسان خلقك، تكن من الفائزين.
نسأل الله أن يرزقنا القلوب السليمة من الحسد والبغضاء، وأن يجعلنا من المتقين الذين يتقبل الله منهم، إنه سميع مجيب.
عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "بينا أيوب يغتسل عرياناً فخر عليه جراد من ذهب، فجعل يحثي في ثوبه، فناداه ربه: يا أيوب ألم أكن أغنيتك عما ترى؟ قال: بلى وعزتك، ولكن لا غنى بي عن بركتك" [رواه البخاري].
هذه القصة العظيمة تحكي قصة نبي الله أيوب عليه السلام، ذلك النبي الذي ضرب أروع الأمثال في الصبر والثبات على الإيمان، مبتلى في جسده وماله وولده، فصبر صبراً جميلاً، حتى جاء الفرج من الله، فكانت عاقبته حميدة، وجزاؤه كريماً.
كان أيوب عليه السلام نبياً من أنبياء بني إسرائيل، آتاه الله مالاً كثيراً وولداً وزرعاً وأنعاماً، فكان من أشكر الناس لربه، وأكثرهم عبادة وتقوى، حتى حسده الشيطان فقال: يا رب، إن أيوب إنما يعبدك لماله وولده، فلو أخذت ماله وولده لترك عبادتك، فقال الله له: قد سلطتك على ماله وولده، وأبقيت جسده.
فذهب الشيطان وأهلك مال أيوب وولده، فصبر أيوب ولم يتغير شكره لله، فقال الشيطان: يا رب، إن أيوب إنما صبر لأنه يرجو أن تعوضه في آخرته، فسلطني على جسده حتى أختبر صبره، فأذن الله له.
فنفخ الشيطان في جسد أيوب نفخة أمرضته مرضاً شديداً، حتى تقرح جسده وتقيح، وأصبح لا يقدر على الحركة، وبقي على هذه الحال سنين طويلة، ومكث في البلاء ثماني عشرة سنة، أو أكثر، حتى تآكل لحمه ولم يبق إلا عظم وجلد.
وكان أيوب في كل ذلك صابراً محتسباً، شاكراً لله، داعياً له، لا ييأس من رحمة الله، ولا يقنط من روح الله، وكانت امرأته صابرة معه، تخدمه وتصبر على رعايته، حتى اضطرت أن تقص شعرها وتبيعه لبعض الأغنياء لتأكل وتطعمه.
وفي آخر المطاف، لما طال البلاء، وأيقن أيوب أن رحمه الله قريبة، دعا ربه دعاءه المشهور الذي ذكره الله في القرآن: {وَأَيُّوبَ إِذْ نَادَى رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ وَأَنتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ} [الأنبياء: 83]. فاستجاب الله له، وأمره أن يركض برجله الأرض، ففعل فانفجرت عين ماء، وأمره أن يغتسل منها ويشرب، ففعل فذهب عنه كل داء وسقم، وعاد إليه صحته وشبابه، بل أعطاه الله أحسن مما كان.
ثم أعاد الله إليه ماله وولده، وأضعف له الأجر والثواب، وجعله عبرة للمؤمنين، وشكر له صبره الجميل، وأثنى عليه في كتابه العزيز.
والقصة التي في الحديث تصور لنا مشهداً من مشاهد نعيم الله على أيوب بعد أن شفاه وأغناه، فبينما هو يغتسل عرياناً، إذ أمطر الله عليه جراداً من ذهب، أي جراداً مصنوعاً من الذهب الخالص، يتساقط عليه من السماء، فجعل أيوب يلتقطه بسرعة ويحثو به في ثوبه، شكراً لله على نعمته، وحرصاً على بركته.
فناداه ربه متلطفاً به: يا أيوب، ألم أكن أغنيتك عما ترى؟ أي ألم أكن أعطيتك من المال والخير ما يغنيك عن هذا الذهب؟ فأجاب أيوب بلسان الشاكر القانع: بلى وعزتك، ولكن لا غنى بي عن بركتك. أي لا غنى لي عن فضلك ورحمتك، ولا أستغني عن نعمتك طرفة عين، فما أعطيتني وإن قل فهو خير مما منعتني وإن كثر.
هذه القصة العظيمة تعلّمنا دروساً عظيمة في الصبر على البلاء، وحسن الظن بالله، والثقة برحمته، وأن الفرج مع الكرب، وأن مع العسر يسراً، وأن العاقبة للمتقين.
وتعلمنا أن الشكر لا يكون باللسان فقط، بل بالقلب والجوارح، وأن المؤمن مهما أعطاه الله فهو محتاج إلى فضله وبركته، لا يستغني عنه طرفة عين.
وتعلمنا أن الابتلاء سنة الله في عباده، ليمحص الذين آمنوا ويمحق الكافرين، وأن الصبر مفتاح الفرج، وأن الله إذا أحب قوماً ابتلاهم، فمن رضي فله الرضا، ومن سخط فله السخط.
فيا من تقرأ هذه القصة، تذكر أن الابتلاء ليس نهاية الطريق، بل هو بداية الفرج، وأن الصبر على البلاء عبادة عظيمة، وأن عاقبة الصابرين الجنة، كما قال تعالى: {إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُم بِغَيْرِ حِسَابٍ} [الزمر: 10].
نسأل الله أن يرزقنا الصبر على البلاء، والشكر على النعماء، والرضا بالقضاء، إنه سميع مجيب.
عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "خَلَقَ اللَّهُ آدَمَ عَلَى صُورَتِهِ، طُولُهُ سِتُّونَ ذِرَاعًا، فَلَمَّا خَلَقَهُ قَالَ: اذْهَبْ فَسَلِّمْ عَلَى أُولَئِكَ النَّفَرِ مِنَ الْمَلَائِكَةِ، وَهُمْ جُلُوسٌ، فَاسْتَمِعْ مَا يُحَيُّونَكَ، فَإِنَّهَا تَحِيَّتُكَ وَتَحِيَّةُ ذُرِّيَّتِكَ، فَقَالَ: السَّلَامُ عَلَيْكُمْ، فَقَالُوا: السَّلَامُ عَلَيْكَ وَرَحْمَةُ اللَّهِ، فَزَادُوهُ: وَرَحْمَةُ اللَّهِ، فَكُلُّ مَنْ يَدْخُلُ الْجَنَّةَ عَلَى صُورَةِ آدَمَ، فَلَمْ يَزَلِ الْخَلْقُ يَنْقُصُ بَعْدَهُ حَتَّى الْآنَ" [متفق عليه].
هذه القصة العظيمة تأخذنا في رحلة إلى بداية الخلق، إلى تلك اللحظة الفريدة التي خلق الله فيها أبا البشر آدم عليه السلام بيده الكريمة، ونفخ فيه من روحه، وأسجد له ملائكته، وخلقه في أحسن تقويم، وأعطاه من الطول والجمال ما لم يعطه أحداً من ذريته من بعده.
تأمل معي هذا المشهد المهيب، الله تعالى يريد أن يخلق آدم، فيخبر الملائكة بذلك، يقول تعالى: {وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً} [البقرة: 30]. ثم يشرع في خلقه، فيأخذ قبضة من تراب الأرض، من جميع ألوانها، أبيضها وأسودها وأحمرها، وسهلها وحزنها، وطينتها، فخلق منها آدم، فجاء بنوه على ألوان الأرض المختلفة.
ثم لما سوى الله جسده ونفخ فيه الروح، أمره أن يذهب إلى الملائكة وهم جلوس، فيسلم عليهم، ليسمع ما يحيونه به، فتكون تحيته وتحبة ذريته من بعده. فيذهب آدم عليه السلام ويسلم عليهم، فيردون عليه السلام ويزيدونه رحمة الله، فتكون هذه التحية هي تحية الإسلام، تحية أهل الجنة يوم يلقونه.
وقد خلق الله آدم على صورته، أي على الصورة التي اختارها الله له، وقيل على صورة الرحمن، ولكن ليس على معنى التشبيه، بل على معنى أن الله خصه بهذه الصورة الحسنة الجميلة، أو على معنى أن الله خلق آدم على صورته التي كانت له في علم الله قبل أن يخلقه.
وكان طول آدم ستين ذراعاً، أي حوالي ثلاثين متراً، وهذا الطول العظيم يدل على عظمة هذا المخلوق الذي كرمه الله على سائر خلقه، وأسجد له ملائكته، وجعله خليفته في الأرض.
ثم يقول النبي صلى الله عليه وسلم: "فَلَمْ يَزَلِ الْخَلْقُ يَنْقُصُ بَعْدَهُ حَتَّى الْآنَ". أي أن ذرية آدم أخذت في النقصان تدريجياً حتى وصلت إلى هذه الأطوال التي نعرفها اليوم، وكلما تقدم الزمان نقص الخلق في أطوالهم وأحجامهم، حتى أصبحوا على ما هم عليه اليوم.
وبعد أن خلق الله آدم ونفخ فيه الروح، أمر الملائكة بالسجود له، فسجدوا جميعاً إلا إبليس كان من الجن ففسق عن أمر ربه، فرفض السجود استكباراً، وقال: {أَنَا خَيْرٌ مِّنْهُ خَلَقْتَنِي مِن نَّارٍ وَخَلَقْتَهُ مِن طِينٍ} [الأعراف: 12]. فكان هذا أول ذنب عصي به الله، وأول سبب لعداوة إبليس لآدم وذريته.
ثم أسكن الله آدم الجنة، وأباح له أن يأكل منها كل شيء إلا شجرة واحدة، فوسوس له الشيطان ليأكل منها، فأكل هو وزوجته حواء، فكانت تلك الزلة التي أخرجتهم من الجنة إلى الأرض، حيث هبط آدم في الهند وحواء في جدة، والتقوا بعد ذلك في عرفات.
وفي الأرض، تاب آدم على خطيئته، وتلقى من ربه كلمات فتاب عليه، ثم عاش في الأرض يبني ويعمر ويزرع ويربي ذريته، التي انتشرت في الأرض، وجاء منها الأنبياء والصالحون، والطالحون والعصاة، إلى يوم القيامة.
وقد خلق الله حواء من ضلع آدم الأيسر، وهو نائم، فاستيقظ فرآها، فأنس إليها وأنست إليه، وكانت هذه سنة الله في الخلق من بعده، أن يكون الرجل والمرأة زوجين يسكن بعضهم إلى بعض.
هذه القصة العظيمة تذكرنا بأصلنا وأبينا آدم عليه السلام، وتعلمنا فضل التواضع وأن الكبر هو الذي أخرج إبليس من الجنة، وأن العودة إلى الله بالتوبة تمحو الذنوب، وأن الله كرم بني آدم وفضلهم على كثير ممن خلق تفضيلاً.
فيا من تقرأ هذه القصة، تذكر أنك من ذرية آدم، وأن الله كرمك ورفع قدرك، فاحمد الله على هذه النعمة، واجتهد في طاعة ربك، واحذر من الشيطان الذي أقسم على إغواء بني آدم أجمعين، واستعن بالله عليه.
نسأل الله أن يجعلنا من عباده الصالحين، وأن يرزقنا الجنة كما أسكن أبونا آدم الجنة أولاً، إنه سميع مجيب.
عن صهيب الرومي رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "إِذَا دَخَلَ أَهْلُ الْجَنَّةِ الْجَنَّةَ، قَالَ: يَقُولُ اللَّهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى: تُرِيدُونَ شَيْئًا أَزِيدُكُمْ؟ فَيَقُولُونَ: أَلَمْ تُبَيِّضْ وُجُوهَنَا؟ أَلَمْ تُدْخِلْنَا الْجَنَّةَ وَتُنَجِّنَا مِنَ النَّارِ؟ قَالَ: فَيَكْشِفُ الْحِجَابَ، فَمَا أُعْطُوا شَيْئًا أَحَبَّ إِلَيْهِمْ مِنَ النَّظَرِ إِلَى رَبِّهِمْ عَزَّ وَجَلَّ" [رواه مسلم].
هذه القصة العظيمة تأخذنا في رحلة إلى أسمى وأعظم نعيم في الجنة، نعيم لا يعدله نعيم، ولذة لا تضاهيها لذة، إنها قصة رؤية المؤمنين لربهم في الجنة، تلك الرؤية التي هي أعظم جزاء وأكرم عطاء، تمنح لأهل الإيمان بعد أن يبلغوا الجنة ويستقروا فيها، فينالون ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر.
تأمل معي هذا المشهد العظيم، أهل الجنة قد استقر بهم المقام في جنات النعيم، وهم في أرفع درجات الرضا والسعادة، إذ بالنداء الإلهي يأتيهم من ربهم الكريم: هل تريدون شيئاً أزيدكم؟ فيتعجب المؤمنون من هذا السؤال، فماذا عساهم يريدون بعد أن أعطاهم الله كل شيء؟ فيقولون: ربنا، أي خير لم تعطنا؟ أي نعيم لم تمنحنا؟ لقد بيضت وجوهنا، وأدخلتنا الجنة، ونجيتنا من النار، فماذا تبقى لنا من أمنيات؟
في تلك اللحظة العظيمة، يفاجئهم الله تعالى بأعظم عطاء، فيكشف الحجاب بينه وبينهم، فينظرون إلى وجهه الكريم، فينسون كل نعيم كانوا فيه، وتذهلهم هذه اللحظة الفريدة التي طالما تمنوها واشتاقوا إليها، فيدركون أن هذه هي الزيادة التي وعدهم بها في قوله: {لِّلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَىٰ وَزِيَادَةٌ} [يونس: 26]، فقد فسر النبي صلى الله عليه وسلم "الزيادة" بأنها النظر إلى وجه الله الكريم.
ويصف النبي صلى الله عليه وسلم هذه اللحظة فيقول: "إِنَّكُمْ سَتَرَوْنَ رَبَّكُمْ كَمَا تَرَوْنَ الْقَمَرَ لَيْلَةَ الْبَدْرِ لَا تُضَامُّونَ فِي رُؤْيَتِهِ" [متفق عليه]. أي أن رؤية الله تكون واضحة جلية لا يشوبها ريب ولا شك، كما ترون القمر ليلة اكتماله دون عناء أو مشقة.
وفي الجنة، يتفاوت الناس في رؤية الله بحسب منازلهم وقربهم منه، فمنهم من يراه كل يوم، ومنهم من يراه في الجمعة مرة، ومنهم من يراه في الشهر مرة، بحسب أعمالهم ودرجاتهم في الجنة.
وقد ورد أن أدنى أهل الجنة منزلة من ينظر إلى الله في اليوم مرة، وأعلاهم من ينظر إليه بكرة وعشياً، كما قال تعالى: {وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَّاضِرَةٌ * إِلَىٰ رَبِّهَا نَاظِرَةٌ} [القيامة: 22-23].
وقد سئل النبي صلى الله عليه وسلم عن هذه الرؤية، فقال: "هَلْ تَضَارُّونَ فِي رُؤْيَةِ الشَّمْسِ فِي الظَّهِيرَةِ لَيْسَتْ فِي سَحَابَةٍ؟" قالوا: لا، قال: "وَهَلْ تَضَارُّونَ فِي رُؤْيَةِ الْقَمَرِ لَيْلَةَ الْبَدْرِ لَيْسَ فِي سَحَابَةٍ؟" قالوا: لا، قال: "فَإِنَّكُمْ تَرَوْنَهُ كَذَلِكَ" [متفق عليه].
وفي هذه الرؤية ينسى المؤمنون كل نعيم الجنة، حتى إن بعضهم يقول: رب، أدخلني النار ولا تحرمني النظر إلى وجهك، ولكن الله أكرم من أن يجمع على عبده النار والحرمان.
وعن ابن عمر رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "إِنَّ أَدْنَى أَهْلِ الْجَنَّةِ مَنْزِلَةً لَمَنْ يَنْظُرُ إِلَى جَنَّاتِهِ وَأَزْوَاجِهِ وَنَعِيمِهِ مَسِيرَةَ أَلْفِ سَنَةٍ، وَأَكْرَمَهُمْ عَلَى اللَّهِ مَنْ يَنْظُرُ إِلَى وَجْهِهِ غُدْوَةً وَعَشِيَّةً" [رواه الترمذي].
وعن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "بَيْنَمَا أَهْلُ الْجَنَّةِ فِي نَعِيمِهِمْ إِذْ سَطَعَ لَهُمْ نُورٌ، فَرَفَعُوا رُءُوسَهُمْ، فَإِذَا الرَّبُّ قَدْ أَشْرَفَ عَلَيْهِمْ مِنْ فَوْقِهِمْ، فَقَالَ: السَّلَامُ عَلَيْكُمْ يَا أَهْلَ الْجَنَّةِ، فَيَرُدُّونَ عَلَيْهِ السَّلَامَ، فَيَنْظُرُونَ إِلَيْهِ، فَيَمْلَؤُهُمْ نُورًا حَتَّى يَكَادُوا يَأْكُلُونَ مِنْهُ، ثُمَّ يَقُولُ: سَلُونِي أُعْطِكُمْ، قَالُوا: رَبَّنَا مَاذَا نَسْأَلُكَ وَنَحْنُ فِي النَّعِيمِ الَّذِي أَعْطَيْتَنَا؟ قَالَ: سَلُونِي أَزِدْكُمْ، قَالُوا: نَسْأَلُكَ رِضَاكَ، قَالَ: رِضَايَ أَنْزَلَكُمْ دَارِي، وَأَنَا أَنْظُرُ إِلَيْكُمْ" [رواه الدارمي].
هذه القصة العظيمة تملأ قلوب المؤمنين شوقاً إلى لقاء الله، وتجعلهم يتلهفون على تلك اللحظة التي يرون فيها وجه ربهم الكريم، فينسون كل تعب الدنيا ومشقتها، ويدركون أن هذا هو الفوز العظيم والنعيم المقيم.
فيا من تقرأ هذه القصة، تذكر أن أعظم نعيم الجنة هو رؤية الله، فاجتهد في طاعة ربك، وأكثر من ذكره وشكره، وأخلص له العمل، عسى أن تنال هذه المنزلة العظيمة، وترى وجه ربك في الجنة.
نسأل الله أن يرزقنا النظر إلى وجهه الكريم في الجنة، وأن يجعلنا من الذين يشتاقون إلى لقائه ويشتاق هو إلى لقائهم، إنه سميع مجيب.
ذمن دلائل صدق نبوة النبي صلى الله عليه وسلم أنه أخبر بأمورٍ لم تحدث في زمنه فوقعت كما أخبر، ومن ذلك ما قاله لأمير المؤمنين عثمان بن عفان رضي الله عنه:
"يا عثمان، إنه لعل الله يُقمِّصك قميصًا، فإن أرادك المنافقون على خلعه فلا تخلعه".
كانت هذه الكلمات إشارةً إلى الخلافة التي سيحملها عثمان من بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم، وتحذيرًا له من فتنةٍ ستثور عليه، مع وصيةٍ واضحة بالثبات والصبر.
ومرت السنوات، وتحققت البشارة، فبويع عثمان رضي الله عنه خليفةً للمسلمين بعد عمر بن الخطاب رضي الله عنه، فكان مثالًا للحاكم العادل، والعبد الزاهد، والراعي الأمين. في عهده اتسعت الفتوحات، وجُمِع الناس على المصحف، ووُسِّع المسجد النبوي، وكان سبّاقًا إلى الإنفاق في سبيل الله، جهّز الجيوش، وبذل ماله نصرةً للإسلام.
ثم جاءت الفتنة كما أخبر النبي صلى الله عليه وسلم، فاجتمع عليه أهل الأهواء وأصحاب الشبهات، وحاصروه في داره، ومنعوه الماء والطعام، وهو صابرٌ محتسب، متمسكٌ بوصية نبيه، يرفض أن يخلع القميص الذي ألبسه الله إياه. لم يدفع عن نفسه بجيش، ولم يأذن لأحدٍ أن يقاتل دونه، حرصًا على دماء المسلمين، حتى دخل عليه المعتدون فقتلوه مظلومًا شهيدًا وهو يتلو كتاب الله.
رحم الله عثمان، وجزاه عن الإسلام خير الجزاء، وجمعنا به في مستقر رحمته.
إن في هذه القصة عبرةً عظيمة: ثباتٌ على الحق، وصبرٌ عند البلاء، وتحقيقٌ لنبوءةٍ من نبوءات النبي صلى الله عليه وسلم، وتحذيرٌ من الفتن إذا اشتعلت كيف تمزق الصفوف وتريق الدماء.
من أعظم علامات نبوة نبينا محمد صلى الله عليه وسلم، أنه أخبر أمته بما سيكون إلى قيام الساعة، فكان كما قال، فها نحن نرى بأم أعيننا ما أخبر به الصادق المصدوق، حيث قال: "ليكونن من أمتي أقوام يستحلون الحر والحرير والخمر والمعازف..." وقد وقع ما أخبر به نبينا عليه الصلاة والسلام، فرأينا أقواماً ينتسبون إلى هذه الأمة، يستحلون ما حرم الله، فيشربون الخمر، ويعزفون بالمعازف، ويلبسون الحرير، بل ويتعدى الأمر إلى استحلال الزنا والفواحش، تحت مسميات براقة، وحجج داحضة، وكأنهم بذلك يتحدون الله ورسوله.
وهذا الذي نعيشه اليوم، من انتشار هذه المنكرات في أوساط المسلمين، بل واستحلالها والتساهل فيها، لهو دليل على أننا في آخر الزمان، حيث يرفع العلم، ويظهر الجهل، وتفشو المنكرات، ويقل المعروف، حتى إن المعروف ينكر والمنكر يعرف.
احذروا هذه الموبقات التي تهلك الأفراد والمجتمعات، وتمحق البركة، وتجلب غضب الرب، وأكثروا من التوبة والاستغفار، وتمسكوا بدينكم، واعتصموا بحبل الله، ولا تغتروا بكثرة الضالين.
اللهم إنا نسألك الثبات على الدين، والعافية من مضلات الفتن، ما ظهر منها وما بطن.
عن أنس بن مالك رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "شفاعتي لأهل الكبائر من أمتي" [رواه أبو داود والترمذي وقال حسن صحيح].
هذه القصة العظيمة تبشر برحمة الله الواسعة وشفاعة نبيه الكريم لأهل الذنوب من أمته، إنها قصة الشفاعة العظمى التي تلي الشفاعة الكبرى في فصل القضاء، إنها شفاعة النبي صلى الله عليه وسلم في إخراج الموحدين من النار بعد أن يدخلوها بذنوبهم، فيخرجون منها وقد امتحشوا وصاروا فحماً، فيصب عليهم ماء الحياة فينبتون كما ينبت الحب في حميل السيل.
تأمل معي هذا المشهد العظيم الذي يصوره النبي صلى الله عليه وسلم، بعد أن يفرغ الله من حساب الناس، ويدخل أهل الجنة الجنة وأهل النار النار، ويبقى في النار قوم من الموحدين عصاة دخلوها بذنوبهم، وقد استحقوا العذاب بقدر معاصيهم، فينادي الله نبيه محمداً صلى الله عليه وسلم ليشفع فيهم، فيشفع فيخرجهم من النار.
يصف النبي صلى الله عليه وسلم هذا المشهد في حديث طويل رواه البخاري ومسلم عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه، فيقول: "أما أهل النار الذين هم أهلها فإنهم لا يموتون فيها ولا يحيون، ولكن ناس أصابتهم النار بذنوبهم أو قال بخطاياهم فأماتهم الله إماتة حتى إذا صاروا فحماً أذن في الشفاعة، فيؤتى بهم ضبائر ضبائر فيبثون على أنهار الجنة، ثم يقال: يا أهل الجنة أفيضوا عليهم، فينبتون نبات الحبة تكون في حميل السيل".
ويقول النبي صلى الله عليه وسلم في حديث آخر: "يخرج من النار من قال لا إله إلا الله وفي قلبه وزن شعيرة من خير، ويخرج من النار من قال لا إله إلا الله وفي قلبه وزن برة من خير، ويخرج من النار من قال لا إله إلا الله وفي قلبه وزن ذرة من خير" [متفق عليه].
وهذه الشفاعة هي خاصة بنبينا محمد صلى الله عليه وسلم، وقد أعطاه الله إياها تكريماً له وفضلًا، وهي من المقام المحمود الذي وعده الله إياه، كما قال تعالى: {عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَّحْمُودًا} [الإسراء: 79].
وقد اختلف العلماء في هذه الشفاعة، فمنهم من قال إنها فيمن استحق النار من عصاة الموحدين أن لا يدخلها، ومنهم من قال إنها فيمن دخلها أن يخرج منها، والراجح أنها تشمل الأمرين معاً، ولكن أشهرها وأعظمها هي الشفاعة في إخراج الموحدين من النار بعد أن يدخلوها.
ويصف النبي صلى الله عليه وسلم حال هؤلاء الخارجين من النار فيقول: "إنه يخرج أقوام من النار بعد ما مسهم منها سفع، فيدخلون الجنة فيسميهم أهل الجنة الجهنميين" [رواه البخاري]. والسفع هو السواد الذي يعلو الوجوه من أثر النار، فيدخلون الجنة وقد اسودت جلودهم، فيدعون الله أن يزيل هذا الأثر، فيغتسلون في نهر في الجنة يسمى نهر الحياة، فيخرجون منه كالقمر ليلة البدر بياضاً ونقاءً.
وفي حديث آخر، يصف النبي صلى الله عليه وسلم نهراً في الجنة يسمى نهر الحياة، يغتسل فيه الخارجون من النار، فينبتون كما ينبت الغثاء في حميل السيل، ثم يذهب ما في وجوههم من أثر النار، ويكونون من أهل الجنة.
وهذه الشفاعة العظيمة هي رحمة من الله بعباده المؤمنين الذين عصوه ثم تابوا، أو ماتوا على التوحيد ولم يتوبوا من بعض الذنوب، فيرحمهم الله بشفاعة نبيه صلى الله عليه وسلم، ويكرم نبيه بهذه الشفاعة.
ولكن هذه الشفاعة ليست لكل أحد، وإنما هي لمن مات على التوحيد وإن أتى بالكبائر، فأما من مات على الشرك فلا تنفعه شفاعة، كما قال تعالى: {فَمَا تَنفَعُهُمْ شَفَاعَةُ الشَّافِعِينَ} [المدثر: 48].
وقد حذر النبي صلى الله عليه وسلم أمته من الذنوب التي تمنع الشفاعة، وحثهم على التوبة والاستغفار، ورغبهم في الأعمال الصالحة التي تقربهم إلى الله.
هذه القصة العظيمة تملأ قلوب المؤمنين رجاءً في رحمة الله، وتجعلهم يتعلقون بشفاعة نبيهم صلى الله عليه وسلم، وتحثهم على التوحيد والإخلاص، فإن من مات على لا إله إلا الله ولو كان في قلبه ذرة من إيمان، فإنه لا يخلد في النار، وسيخرجه الله منها بشفاعة النبي صلى الله عليه وسلم.
فيا من تقرأ هذه القصة، تذكر أن رحمة الله واسعة، وأن شفاعة النبي صلى الله عليه وسلم حق، ولكن لا تغتر فتمادي في المعاصي، بل اجتهد في طاعة الله، وأكثر من التوبة والاستغفار، وتعلق بحبل الله، واعلم أن النجاة في اتباع سنة النبي صلى الله عليه وسلم والثبات على الدين حتى الممات.
نسأل الله أن يرزقنا شفاعة نبيه محمد صلى الله عليه وسلم، وأن يجعلنا من أهل الجنة ونعيمها، إنه سميع مجيب.
عثمان بن عفان رضي الله عنه في زمن القحط
في عهد الخليفة عثمان بن عفان رضي الله عنه، أصاب أهل المدينة قحط شديد، وشعر الناس بالعوز، فذهبوا إلى عثمان رضي الله عنه يشكون حالهم ويطلبون العون. فقال لهم عثمان:
«اصبروا، فإني أرجو الله أن يفرّج عنكم».
وفي أيام هذا القحط، وصلت إلى المدينة قافلة من الشام محمّلة بالقمح والزيت والدقيق، وقد كانت القافلة قادمة لتبيع بضائعها في السوق. عندما علم عثمان بذلك، لم ينتظر أن يشتري التجار لها مكاناً، بل ذهب بنفسه واشترى القافلة كلها لوجه الله تعالى، لتكون صدقة للفقراء والمساكين.
ثم دعا التجار قائلاً:
«ما تشاءون من الثمن؟»
فأجابوا: «على قدر ما تحب يا أمير المؤمنين».
فقال عثمان: «اشتريتها لله تعالى، لتكون صدقة على الفقراء والمساكين».
روى ابن عباس رضي الله عنه أنه رأى رسول الله ﷺ في المنام وقال له:
«إن عثمان قد تصدق بصدقة، والله قد قبلها منه».
وهكذا، كانت القافلة موجودة أصلاً للشراء والبيع، لكن عثمان رضي الله عنه استثمرها لخدمة الأمة، محوّلاً تجارة عادية إلى صدقة وبركة.
العبرة
الصدقة في وقت الحاجة سبب رحمة وبركة من الله.
الإيثار على النفس وخدمة الناس دليل على قوة الإيمان والخلق الكريم.
القائد الصالح يضع مصلحة رعيته قبل مصلحته الشخصية، ويثق بأن الله هو الرزاق.
عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "أنا سيد الناس يوم القيامة، وهل تدرون بم ذاك؟ يجمع الله يوم القيامة الأولين والآخرين في صعيد واحد، فيسمعهم الداعي، وينفذهم البصر، وتدنو الشمس منهم، فيبلغ الناس من الغم والكرب ما لا يطيقون ولا يحتملون" [رواه البخاري].
هذه القصة العظيمة تأخذنا في رحلة إلى ذلك المشهد المهول الذي يلي اجتماع الخلائق في أرض المحشر، إنها قصة الوقوف الطويل وانتظار الحساب، ذلك الموقف الذي يقف فيه الناس خمسين ألف سنة، لا يدرون ما يفعل بهم، والشمس تدنو منهم على قدر ميل، والعرق يغشاهم على قدر أعمالهم، والكرب يشتد، والقلوب تبلغ الحناجر، والنفوس تضيق بما لا تطيق.
تأمل معي هذا المشهد العظيم، الناس مجتمعون في صعيد واحد، الأولون والآخرون من لدن آدم إلى آخر إنسان، أكثر من مائة ألف نبي وأممهم، والملائكة صفوف صفوف حولهم، والسماء تمور، والأرض ترتجف، والجبال تسير، والشمس تدنو حتى تصير منهم على قدر ميل، فتلتهب الرؤوس، ويتصبب العرق، ويكثر العطش، ويشتد الجوع، ويبلغ الكرب منتهاه.
في هذا الموقف العصيب، يختلف الناس في شدة العرق بحسب أعمالهم، فمن الناس من يبلغ عرقه كعبيه، ومنهم من يبلغ إلى ركبتيه، ومنهم من يبلغ إلى حقويه، ومنهم من يلجمه العرق إلجاماً، أي يغطيه حتى يصير كاللجام في فمه، فلا يستطيع أن يفتح فاه من شدة العرق.
ويطول الوقوف بهم، حتى إن بعضهم يقول: ألا ترون ما نحن فيه؟ ألا ترون ما قد بلغنا؟ ألا تنظرون من يشفع لنا إلى ربنا فيقضي بيننا ويخرجنا من هذا الموقف؟ فيتفقون على أن يذهبوا إلى الأنبياء ليشفعوا لهم عند الله.
يذهبون إلى آدم عليه السلام أبو البشر، فيقولون: يا آدم، أنت أبو البشر، خلقك الله بيده، ونفخ فيك من روحه، وأمر الملائكة فسجدوا لك، اشفع لنا إلى ربك، ألا ترى ما نحن فيه؟ فيعتذر آدم عليه السلام ويقول: إن ربي قد غضب اليوم غضباً لم يغضب قبله مثله ولن يغضب بعده مثله، وإنه نهاني عن الشجرة فعصيته، نفسي نفسي نفسي، اذهبوا إلى غيري، اذهبوا إلى نوح.
فيأتون نوحاً عليه السلام، فيقولون: يا نوح، أنت أول الرسل إلى أهل الأرض، وسماك الله عبداً شكوراً، اشفع لنا إلى ربك، ألا ترى ما نحن فيه؟ فيعتذر نوح ويقول: إني دعوت على قومي دعوة أهلكتهم، نفسي نفسي نفسي، اذهبوا إلى إبراهيم.
فيأتون إبراهيم عليه السلام، فيقولون: يا إبراهيم، أنت خليل الله من أهل الأرض، اشفع لنا إلى ربك، ألا ترى ما نحن فيه؟ فيعتذر إبراهيم ويقول: إني كذبت ثلاث كذبات، وفي رواية: كلما قال كذبة إلا أنه قالها في ذات الله، قوله: {إِنِّي سَقِيمٌ} [الصافات: 89]، وقوله: {بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَذَا} [الأنبياء: 63]، وقوله لسارة: أختي، نفسي نفسي نفسي، اذهبوا إلى موسى.
فيأتون موسى عليه السلام، فيقولون: يا موسى، أنت رسول الله، اصطفاك الله برسالاته وبتكليمه على الناس، اشفع لنا إلى ربك، ألا ترى ما نحن فيه؟ فيعتذر موسى ويقول: إني قتلت نفساً لم أؤمر بقتلها، نفسي نفسي نفسي، اذهبوا إلى عيسى.
فيأتون عيسى عليه السلام، فيقولون: يا عيسى، أنت رسول الله، وكلمته ألقاها إلى مريم وروح منه، وكلمت الناس في المهد، اشفع لنا إلى ربك، ألا ترى ما نحن فيه؟ فيعتذر عيسى ويقول: إن ربي قد غضب اليوم غضباً لم يغضب قبله مثله ولن يغضب بعده مثله، ولم يذكر له ذنباً، اذهبوا إلى محمد.
فيأتون إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فيقولون: يا محمد، أنت رسول الله، وخاتم الأنبياء، وقد غفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر، اشفع لنا إلى ربك، ألا ترى ما نحن فيه؟
عندها يقوم النبي صلى الله عليه وسلم، فينطلق إلى تحت العرش، فيخر ساجداً لربه، ويلهمه الله من المحامد وحسن الثناء عليه ما لم يفتحه على أحد قبله، فيحمده بتلك المحامد، ثم يقال له: يا محمد، ارفع رأسك، وسل تعطه، واشفع تشفع. فيرفع رأسه ويقول: يا رب، أمتي أمتي، يا رب، أمتي أمتي، يا رب، أمتي أمتي.
فيقول الله تعالى: يا محمد، أدخل الجنة من أمتك من لا حساب عليه من الباب الأيمن من أبواب الجنة، وهم شركاء الناس فيما سوى ذلك من الأبواب.
ثم يقول النبي صلى الله عليه وسلم: "والذي نفسي بيده، إن ما بين المصراعين من مصاريع الجنة كما بين مكة وهجر، أو كما بين مكة وبصرى" [رواه البخاري].
هذه الشفاعة العظمى هي المقام المحمود الذي وعده الله إياه في قوله: {عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا} [الإسراء: 79]، وهي خاصة بنبينا محمد صلى الله عليه وسلم دون غيره من الأنبياء.
وبعد هذه الشفاعة، يبدأ الحساب، وتنشر الصحف، وتوضع الموازين، ويمر الناس على الصراط، ويذهب كل فريق إلى مصيره، إما إلى جنة عرضها السموات والأرض أعدت للمتقين، وإما إلى نار وقودها الناس والحجارة أعدت للكافرين.
هذه القصة العظيمة تذكرنا جميعاً بأننا سنقف في هذا الموقف العظيم، وأننا سنحتاج إلى شفاعة النبي صلى الله عليه وسلم، وأن أعظم ما ينقذنا في ذلك اليوم هو الإيمان والعمل الصالح، والإخلاص لله وحده.
فيا من تقرأ هذه القصة، تذكر هذا الموقف العظيم، واستعد له بالإيمان والعمل الصالح، وأكثر من الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم، وتعلق به، فهو شفيعك يوم القيامة، واعمل بما يرضي الله عسى أن تكون من الذين تنالهم شفاعة النبي صلى الله عليه وسلم.
نسأل الله أن يرزقنا شفاعة نبيه محمد صلى الله عليه وسلم، وأن يخفف عنا أهوال ذلك اليوم، وأن يدخلنا الجنة برحمته، إنه سميع مجيب.
قصة جريج العابد
عن أبي هريرة-رضي الله عنه- قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "ما تكلم مولود من الناس في مهد إلا عيسى بن مريم صلى الله عليه وسلم وصاحب جريج"
قيل: يا نبي الله! وما صاحب جريج؟
قال: "فإن جريجا كان رجلاً راهباً في صومعة له، وكان راعي بقر يأوي إلى أسفل صومعته، وكانت امرأة من أهل القرية تختلف إلى الراعي، فأتت أمه يوما ، فقالت: يا جريج! وهو يصلى،
فقال في نفسه - وهو يصلي - أمي وصلاتي؟ فرأى أن يؤثر صلاته،
ثم صرخت به الثانية،
فقال في نفسه: أمي وصلاتى؟ فرأى أن يؤثر صلاته.
ثم صرخت به الثالثة
فقال: أمي وصلاتى. فرأى أن يؤثر صلاته.
فلما لم يجبها قالت: لا أماتك الله يا جريج! حتى تنظر في وجه المومسات.(وفي رواية مسلم :فَجَاءَتْ أُمُّهُ ، قَالَ حُمَيْدٌ : فَوَصَفَ لَنَا أَبُو رَافِعٍ صِفَةَ أَبِي هُرَيْرَةَ ، لِصِفَةِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أُمَّهُ حِينَ دَعَتْهُ كَيْفَ جَعَلَتْ كَفَّهَا فَوْقَ حَاجِبِهَا ، ثُمَّ رَفَعَتْ رَأْسَهَا إِلَيْهِ تَدْعُوهُ ، فَقَالَتْ يَا جُرَيْجُ : أَنَا أُمُّكَ كَلِّمْنِي ، فَصَادَفَتْهُ يُصَلِّي ،
فَقَالَ : اللَّهُمَّ أُمِّي وَصَلَاتِي ، فَاخْتَارَ صَلَاتَهُ ، فَرَجَعَتْ ،
ثُمَّ عَادَتْ فِي الثَّانِيَةِ ، فَقَالَتْ يَا جُرَيْجُ : أَنَا أُمُّكَ فَكَلِّمْنِي ،
قَالَ : اللَّهُمَّ أُمِّي وَصَلَاتِي ، فَاخْتَارَ صَلَاتَهُ ،
فَقَالَتْ : اللَّهُمَّ إِنَّ هَذَا جُرَيْجٌ وَهُوَ ابْنِي وَإِنِّي كَلَّمْتُهُ ، فَأَبَى أَنْ يُكَلِّمَنِي اللَّهُمَّ فَلَا تُمِتْهُ حَتَّى تُرِيَهُ الْمُومِسَاتِ ،
قَالَ : وَلَوْ دَعَتْ عَلَيْهِ أَنْ يُفْتَنَ لَفُتِنَ )، ثم انصرفت (وفي رواية مسلم : فَتَذَاكَرَ بَنُو إِسْرَائِيلَ جُرَيْجًا وَعِبَادَتَهُ ، وَكَانَتِ امْرَأَةٌ بَغِيٌّ يُتَمَثَّلُ بِحُسْنِهَا ،
فَقَالَتْ : إِنْ شِئْتُمْ لَأَفْتِنَنَّهُ لَكُمْ ،
قَالَ : فَتَعَرَّضَتْ لَهُ ، فَلَمْ يَلْتَفِتْ إِلَيْهَا ، فَأَتَتْ رَاعِيًا كَانَ يَأْوِي إِلَى صَوْمَعَتِهِ ، فَأَمْكَنَتْهُ مِنْ نَفْسِهَا فَوَقَعَ عَلَيْهَا فَحَمَلَتْ )، فأُتَيَ الملك بتلك المرأة ولدت . فقال: ممن؟ قالت: من جريج. قال: أصاحب الصومعة؟ قالت: نعم.
قال: اهدموا صومعته وأتوني به،
فضربوا صومعته بالفئوس، حتى وقعت. فجعلوا يده إلى عنقه بحبل؛ ثم انطلق به، فمر به على المومسات، فرآهن فتبسم، وهن ينظرن إليه في الناس.
فقال الملك: ما تزعم هذه؟
قال: ما تزعم؟
قال: تزعم أن ولدها منك.
قال: أنت تزعمين؟ قالت: نعم.
قال: أين هذا الصغير؟
قالوا: هذا في حجرها،
فأقبل عليه.(وفي رواية مسلم: فَقَالَ : دَعُونِي حَتَّى أُصَلِّيَ ، فَصَلَّى فَلَمَّا انْصَرَفَ أَتَى الصَّبِيَّ فَطَعَنَ فِي بَطْنِهِ ) فقال: من أبوك؟
قال: راعي البقر.
قال الملك: أنجعل صومعتك من ذهب؟
قال: لا.
قال: من فضة؟
قال: لا.
قال: فما نجعلها؟
قال: ردوها كما كانت.
قال: فما الذي تبسمت؟
قال: أمراً عرفته، أدركتنى دعوة أمي، ثم أخبرهم".
رواه البخاري في"الصحيح" وفي "الأدب المفرد" ، ومسلم في "الصحيح
إذا أتممت القراءه صل علي رسول الله صلى الله عليه وسلم
يروي الصحابي الجليل أسيد بن حضير رضي الله عنه موقفًا عجيبًا يدل على عظمة القرآن وفضل تلاوته.
ففي ليلةٍ هادئة من الليل، كان أسيد رضي الله عنه قائمًا يقرأ سورة البقرة في مربده، وكان فرسه مربوطًا قريبًا منه، وابنه الصغير يحيى نائمًا بجواره.
وبينما هو يتلو القرآن بخشوع، إذا بالفرس تضطرب وتتحرك حركة شديدة. فخشي أسيد على ابنه أن تطأه الفرس، فتوقف عن القراءة، فهدأت الفرس وسكنت. فلما عاد إلى القراءة، عادت الفرس تضطرب مرة أخرى. فسكت فسكنت، ثم قرأ مرة ثالثة فاشتد اضطرابها.
فانصرف أسيد رضي الله عنه مسرعًا إلى ابنه ليطمئن عليه، ثم رفع رأسه إلى السماء، فإذا به يرى مشهدًا مهيبًا أذهله؛ فقد رأى شيئًا كأنه سحابة أو ظلة عظيمة فيها أمثال المصابيح من النور، تملأ السماء وتتصاعد حتى غابت عن بصره.
فلما أصبح ذهب إلى النبي صلى الله عليه وسلم وقص عليه ما رأى. فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: "تلك الملائكة دنت لصوتك، ولو قرأت لأصبحت يراها الناس ما تستتر منهم."
يا لها من منقبة عظيمة! فهي تذكّرنا بعلو شأن القرآن الكريم، وبأن الملائكة تتنزل وتقترب من أهل القرآن الذين يتلونه بإخلاص وخشوع.
فالقرآن ليس مجرد كلمات تُقرأ، بل نور يملأ القلوب، ورحمة تتنزل على قارئه، وبركة تحف المكان الذي يُتلى فيه.
إن في هذه القصة تذكيرًا لنا بفضل كتاب الله، وبمكانة الصحابة رضي الله عنهم الذين عاشوا مع القرآن تلاوةً وتدبرًا وعملاً.
فإن وجدت في هذه القصة تذكيرًا لقلبك أو زيادة في محبتك للقرآن، فلا تبخل بنشرها. فلعلها تصل إلى شخصٍ فيبدأ بقراءة القرآن، أو تعيد قلبًا إلى كتاب الله، فيكون لك أجر ذلك كله.
وتذكر دائمًا قول النبي صلى الله عليه وسلم: "الدال على الخير كفاعله."
فلعل الله يكتب لك أجر كل من قرأ هذه القصة فتأثر بها أو عاد بسببها إلى القرآن.
اصنع لي صورة مناسبة للقصة وتكون دون بشر ولا حيوانات ولا كتابة
يروي الصحابي الجليل أسيد بن حضير رضي الله عنه موقفًا عجيبًا يدل على عظمة القرآن وفضل تلاوته.
ففي ليلةٍ هادئة من الليل، كان أسيد رضي الله عنه قائمًا يقرأ سورة البقرة في مربده، وكان فرسه مربوطًا قريبًا منه، وابنه الصغير يحيى نائمًا بجواره.
وبينما هو يتلو القرآن بخشوع، إذا بالفرس تضطرب وتتحرك حركة شديدة. فخشي أسيد على ابنه أن تطأه الفرس، فتوقف عن القراءة، فهدأت الفرس وسكنت. فلما عاد إلى القراءة، عادت الفرس تضطرب مرة أخرى. فسكت فسكنت، ثم قرأ مرة ثالثة فاشتد اضطرابها.
فانصرف أسيد رضي الله عنه مسرعًا إلى ابنه ليطمئن عليه، ثم رفع رأسه إلى السماء، فإذا به يرى مشهدًا مهيبًا أذهله؛ فقد رأى شيئًا كأنه سحابة أو ظلة عظيمة فيها أمثال المصابيح من النور، تملأ السماء وتتصاعد حتى غابت عن بصره.
فلما أصبح ذهب إلى النبي صلى الله عليه وسلم وقص عليه ما رأى. فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: "تلك الملائكة دنت لصوتك، ولو قرأت لأصبحت يراها الناس ما تستتر منهم."
يا لها من منقبة عظيمة! فهي تذكّرنا بعلو شأن القرآن الكريم، وبأن الملائكة تتنزل وتقترب من أهل القرآن الذين يتلونه بإخلاص وخشوع.
فالقرآن ليس مجرد كلمات تُقرأ، بل نور يملأ القلوب، ورحمة تتنزل على قارئه، وبركة تحف المكان الذي يُتلى فيه.
إن في هذه القصة تذكيرًا لنا بفضل كتاب الله، وبمكانة الصحابة رضي الله عنهم الذين عاشوا مع القرآن تلاوةً وتدبرًا وعملاً.
فإن وجدت في هذه القصة تذكيرًا لقلبك أو زيادة في محبتك للقرآن، فلا تبخل بنشرها. فلعلها تصل إلى شخصٍ فيبدأ بقراءة القرآن، أو تعيد قلبًا إلى كتاب الله، فيكون لك أجر ذلك كله.
وتذكر دائمًا قول النبي صلى الله عليه وسلم: "الدال على الخير كفاعله."
يروي الصحابي الجليل أنس بن مالك رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم أخبر أصحابه في المدينة بخبر استشهاد قادة معركة مؤتة قبل أن يصلهم الخبر من أرض المعركة. قال صلى الله عليه وسلم:
"أخذ الراية زيد فأصيب، ثم أخذ الراية جعفر فأصيب، ثم أخذ الراية ابن رواحة فأصيب" وكانت عيناه صلى الله عليه وسلم تفيض بالدموع حزنا عليهم، ثم قال: "حتى أخذ الراية سيف من سيوف الله حتى فتح الله عليهم".
كانت هذه الأحداث في معركة مؤتة في السنة الثامنة للهجرة، حين خرج جيش المسلمين وعدده ثلاثة آلاف مقاتل لمواجهة جيش الروم ومن معهم من العرب، وكان عددهم كبيرا جدا مقارنة بجيش المسلمين. وقد جعل النبي صلى الله عليه وسلم القيادة لزيد بن حارثة، فإن استشهد فجعفر بن أبي طالب، فإن استشهد فعبد الله بن رواحة.
وبالفعل دارت معركة عظيمة ثبت فيها المسلمون رغم قلة عددهم. فحمل زيد بن حارثة الراية وقاتل حتى استشهد، ثم أخذها جعفر بن أبي طالب فقاتل بشجاعة نادرة حتى قطعت يمينه فأخذها بشماله، فقطعت شماله، فاحتضن الراية بعضديه حتى استشهد، وقد وجد في جسده عشرات الجراح. ثم حمل الراية عبد الله بن رواحة فقاتل حتى نال الشهادة هو الآخر.
وفي تلك اللحظات كان النبي صلى الله عليه وسلم في المدينة يخبر أصحابه بما يحدث في أرض المعركة، وكأنه يرى المشهد أمامه، مع أن المسافة بعيدة جدا، وهذا من دلائل نبوته صلى الله عليه وسلم، إذ لا يعلم الغيب إلا الله، لكنه سبحانه يطلع رسله على ما يشاء من الغيب ليكون دليلا على صدق رسالتهم.
ثم أخبرهم النبي صلى الله عليه وسلم أن الراية أخذها بعدهم "سيف من سيوف الله"، وهو خالد بن الوليد رضي الله عنه، فقاد الجيش بحكمة وشجاعة حتى نجح في إنقاذ المسلمين والانسحاب بهم بسلام.
إن هذه القصة ليست مجرد حدث تاريخي، بل هي تذكير بعظمة نبينا صلى الله عليه وسلم وبصدق رسالته، وأن ما أخبر به من أمور الغيب حق لا شك فيه. وهي كذلك دعوة لنا لزيادة الإيمان واليقين، والاستعداد للآخرة بالأعمال الصالحة، فالدنيا دار ممر والآخرة هي دار القرار.
في زمنٍ من أزمنة بني إسرائيل، وبين قومٍ عانوا الاستضعاف طويلًا، ظهر رجلٌ اسمه قارون. لم يكن غريبًا عنهم، بل كان واحدًا منهم، يعرفونه ويعرفهم، لكنه سلك طريقًا غير طريقهم، واختار لنفسه درب الكِبر بعدما فُتحت عليه أبواب الدنيا.
آتاه الله مالًا لم يُؤته كثيرًا من الناس؛ خزائن عامرة، وكنوز متراكمة، حتى إن مفاتيح خزائنه كانت تُحمل على ظهور الرجال الأقوياء فتثقلهم. ذهبٌ يلمع، وفضة تتكدس، وقصور تُشاد، وأراضٍ تُزرع، وخدمٌ يلبّون، وجاهٌ يزداد يومًا بعد يوم.
وذات يوم، خرج قارون على قومه في أبهى زينة؛ ثياب فاخرة، وحُليٌّ تتلألأ تحت الشمس، ومواكب تُحيط به من كل جانب. مشى متبخترًا، كأن الأرض خُلقت له، وكأن النعمة لا تزول أبدًا. رآه الناس، فاهتزت القلوب؛ بعضهم أُعجب، وبعضهم تمنّى، وقال الذين تعلقت قلوبهم بالدنيا:
يا ليت لنا مثل ما أوتي قارون، إنه لذو حظ عظيم!
لكن في وسط تلك الأصوات، ارتفع صوت آخر… صوت إيمان وبصيرة. قال أهل العلم واليقين:
ويحكم! لا تغرنّكم الدنيا وزينتها، فإن ما عند الله خيرٌ وأبقى. إن الثواب الحقيقي ليس في كنزٍ يُعدّ، ولا في قصرٍ يُشاد، بل في قلبٍ خاشع وعملٍ صالح.
ونصحوه قائلين:
لا تفرح فرح البطر والغرور، فإن الله لا يحب الفرحين. وابتغِ فيما آتاك الله الدار الآخرة، ولا تنس نصيبك من الدنيا، وأحسن كما أحسن الله إليك، ولا تسعَ في الأرض فسادًا.
لكن قارون لم يكن يسمع إلا صدى نفسه. نظر إلى ماله، ثم نظر إلى ناصحيه بازدراء، وقال بكلمةٍ كشفت ما في قلبه:
إنما أوتيته على علمٍ عندي.
كأنما نسب الفضل إلى نفسه، ونسي أن المنعم هو الله. ظنّ أن ذكاءه وحده هو الذي جمع المال، وأن قوته هي التي صنعت مجده، وأن النعمة حقٌّ مكتسب لا عطية مُعارة.
ازداد غروره، واشتدّ بغيه، وغفل عن أن النعمة إذا لم تُشكر انقلبت نقمة.
ثم جاء اليوم الذي لم يكن في حسبانه. لم يُسمع فيه صوت سيف، ولم تُرَ فيه جيوش، لكن أمر الله إذا جاء لا يرده أحد. اهتزت الأرض تحت قدميه، وانشقت فجأة، فبدأ يغوص فيها شيئًا فشيئًا. حاول أن يثبت، أن يتشبث، أن يصرخ… لكن الأرض كانت مأمورة، لا تعصي.
غاصت قدماه، ثم ساقاه، ثم جسده، وانهارت معه قصوره وخزائنه، وسقطت الكنوز في الشق العظيم، كأنها لم تكن يومًا زينة تُبهر العيون. ابتلعته الأرض وابتلعت داره، وسكنت الضوضاء فجأة، وبقي المكان صامتًا إلا من أثرٍ يروي قصة نهاية متكبر.
وأصبح الذين تمنوا مكانه بالأمس يقولون بقلوب مرتجفة:
ويكأن الله يبسط الرزق لمن يشاء من عباده ويقدر، لولا أن منّ الله علينا لخسف بنا، ويكأنه لا يفلح الكافرون.
أدركوا متأخرين أن الغنى ليس دليل رضا، وأن الفقر ليس علامة هوان، وأن المال إن لم يُسَخَّر لطاعة الله صار سبب هلاك صاحبه.
تلك ليست قصة رجلٍ مضى فحسب، بل مرآة لكل قلبٍ يُفتن بالمال، ولكل نفسٍ تُعجب بزينة الدنيا. فكم من نعمةٍ رفعت صاحبها بالشكر، وكم من نعمةٍ أردته أرضًا بالبطر.
فإذا قرأت هذه القصة، فتذكر:
أن الأرض التي تمشي عليها قد تنشق يومًا بأمر الله،
وأن المال الذي تجمعه ليس ملكك حقيقة، بل أمانة بين يديك،
وأن الزينة التي تخرج بها قد تفتنك قبل أن تفتن غيرك.
تواضع لربك، واشكره على ما أعطاك، وأحسن كما أحسن إليك، واجعل الدنيا في يدك لا في قلبك.
وإن رأيت في هذه القصة عبرةً أو تذكرة، فلا تبخل بها على غيرك.
انشرها، فلعلها تصل إلى قلبٍ غفل فاستيقظ، أو نفسٍ اغترّت فتراجعت، أو إنسانٍ نسي أن فوقه ربًا يخفض ويرفع.
كلمةٌ منك قد تكون سبب نجاة، ومشاركةٌ بسيطة قد تكون لك صدقة جارية.
فانشر الخير، وكن سببًا في إحياء القلوب.