في رحاب النص ..
]عن الفروسية بوصفها مجازًا للوعي]
[ بين الرمل والفكرة]
كلُّ ركضةٍ في الميدان ليست حركةَ جسد، بل تمرينٌ للروح على الفقد.
حين تركض الفارسة في النص، لا تسعى إلى الفوز،
بل إلى النجاة من بطء العالم في داخلها.
الركض عندها حركةٌ ضد الجمود الداخلي،
حركةٌ فلسفية أكثر من كونها رياضية.
كأنها تُعيد تعريف الزمن لا بخطوات الحصان، بل بارتعاشة الفكر حين يواجه ذاته.
يقول
هوبز إنّ الإنسان كائنٌ يسير بدافع الخوف من التوقّف،
وفي النص، تتحقّق هذه الفكرة حرفيًا:
الفارسة تهرب من «الركود» الذي يعني الموت المعنوي.
إنها لا تركض لتصل، بل لتتجنّب أن تُصبح «ساكنة»،
فالسكون عند الوعي، كما عند الجسد، شكلٌ من أشكال الفناء.
[
المهر كرمزٍ للزمن]
المهر الأبيض في النص ليس حيوانًا، بل زمنٌ يتحرّك بذاكرةٍ حيّة.
إنه الكائن الوحيد الذي لا يعيش الحاضر كما نعيشه نحن،
بل ينساب بين الماضي والمستقبل كمن يرفض الاعتراف بالآن.
من خلاله، تتحوّل الفروسية إلى تأملٍ في العلاقة بين الإنسان والزمن:
كيف نحاول ترويضه باللجام،
بينما هو يروّضنا بالحنين.
الفارسة في النص تعرف هذه الحقيقة؛
ولهذا لا تُمسك بالزمن، بل ترافقه،
كما ترافق الروحُ فكرةً تعرف أنها ستؤلمها لكنها لا تستطيع التخلّي عنها.
[
بين السيطرة والانفلات]
الركض هو الحدّ الفاصل بين السيطرة والانفلات
بين أن تمسك بالمهر حتى لا يسقط،
وأن تتركه حرًّا حتى لا يموت داخله.
وفي هذه المفارقة،
تنعكس ثنائية العقل والغريزة، الإرادة والقدر، الكتابة والصمت.
الفروسية هنا ليست مهارةً بل توازنًا أنثويًا فلسفيًا:
أن تتحكّمي دون أن تملكي،
أن تتقدّمي دون أن تنسي أنكِ من التراب.
وهذا هو الدرس الذي لا يتعلّمه الفارس إلا بعد أن يخسر السباق.
إليف شافاق كتبت في «قواعد العشق»:
"الطريق إلى الحقيقة يمرّ عبر القلب، لا الرأس.
والفارسة تسير على هذا الطريق بالضبط...
عقلها ممسكٌ باللجام، وقلبها هو من يوجّه الركض.
[
الكتابة كفروسيةٍ أخرى]
في نهاية النص باب فلسفي عميق
وضعه لنا اسكادا ...
[أريد أن ألهث بالحكمة لا بالخذلان]
وهي جملة تفتح بابًا فلسفيًا عميقًا
فالحكمة ليست نقيض الجهل، بل نتاج الهزيمة.
من لم يسقط لن يفهم الارتفاع،
ومن لم يركض خلف سرابٍ لن يدرك قيمة الواحة.
الكتابة هنا تُعادِل الفروسية:
كلاهما بحثٌ عن التوازن بين الهيمنة والحرية،
وكلاهما يترك الجرح مفتوحًا ليذكّرنا أننا أحياء.
الفارس الذي يكتب عن الركض
هو نفسه الذي يكتب ليهرب من ثقل الإدراك.
فما الكتابة إن لم تكن شكلًا آخر من الركض نحو المعنى؟
[
الخاتمة.. الجمال كوعيٍ مستيقظ]
في هذا النص، الجمال ليس موضوعًا خارجيًا، بل حالة وعيٍ منتبه.
الفارسة لا تُدهشنا بجمالها، بل بقدرتها على أن تكون مرآةً له.
هي لحظة الإدراك نفسها اللحظة التي يكتشف فيها الإنسان
أن الجمال لا يُمتلك، بل يُدرَك ثم يُترَك ليكمل طريقه وحيدًا.
في النهاية، تبقى الفروسية مجازًا لرحلة الوعي الإنساني:
ركضٌ طويل بين أن نفهم الحياة،
وأن نسمح لها أن تفهمنا.
اسكادا
شكرًا لك على هذا النص القيّم الذي يفتح آفاقًا لا تُرى إلا حين نصغي إلى نبض النص لا إلى ظاهره.
ليست الجمالية في أن نتّفق على قراءةٍ واحدة، بل في قدرة الكاتب على أن يجعل كُلّ قارئٍ يرى النص من زاويته، وكأنّ المعنى مرآة تتغيّر بتغيّر الناظر إليها.
مشاهدة المرفق 175874