-
- إنضم
- 2 يونيو 2024
-
- المشاركات
- 3,962
-
- مستوى التفاعل
- 2,362
-
- العمر
- 41
-
- الإقامة
- في عالم موازي
- مجموع اﻻوسمة
- 10
الضمير المزدوج
أقسى أنواع “الحَوَل” ليس الذي يُصيب العين،
بل الذي يُصيب البصيرة.
أن تعيش بـ انفصامٍ قانوني داخل عقلك:
حين يخطئ الناس، تتقمّص فورًا دور المدّعي العام الشرس؛
لا يقبل التنازل، يفتّش في النوايا، ويطالب بأقصى العقوبة.
وحين تخطئ أنت، تتحوّل فجأة وبقدرة قادر إلى محامٍ بارع؛
يلتمس الأعذار، ويستجدي التخفيف، ويتحدّث عن “الظروف”.
الفعل واحد،
والذنب واحد…
لكن هوية الفاعل هي التي تتلاعب بالحكم.
إذا فعلوه هم: “جريمة”، و“سقوط أخلاقي”، و“سوء تربية”.
وإذا فعلته أنت: “كبوة جواد”، و“ضغوط نفسية”، و“نية طيبة خانها التعبير”.
نحن مصابون بمتلازمة بصرية خطيرة:
نضع مِجهرًا دقيقًا على أعين إخواننا لنرى “القذى” الصغير ونكبّره حتى يصير جبلًا،
بينما نضع عِصابةً سوداء على أعيننا لنتعامى عن “جذع النخلة” المغروس فيها!
في الغيبة:
إذا تكلّموا عن فلان، صرخت فيهم بورع: “اتقوا الله، هذه أعراض ناس!”.
أمّا أنت، فحين “تشرّح” فلانًا بلسانك، تقول:
“أنا لا أغتاب… أنا فقط أُحذّر”، أو “أُفضفض من قهري”.
لم تتورّع عن الذنب؛ غيّرت اسمه ليرتاح ضميرك.
في العهود والمواعيد:
إذا تأخّروا عليك، فهم “مستهترون” لا يحترمون الوقت.
وإذا تأخّرت أنت، فالسبب “زحمة الطريق” و“ضغط العمل” و“ليقدّروا ظروفي”.
تطالبهم بـ الكمال، وتطالب لنفسك بـ الاحتمال.
نعيش قاعدة ظالمة تقول:
“نحاكم الآخرين على أفعالهم الظاهرة، ونحاكم أنفسنا على نوايانا الخفية”.
يصرخ أحدهم في وجهك؟ تحكم فورًا: “همجي وعدواني”.
تصرخ أنت؟ تبرّر: “قلبي أبيض، لكني مضغوط ومستفَز”.
تمنح نفسك حق السياق والظروف المخفِّفة،
وتنزعه منهم ليصبحوا مجرّد “مجرمين”.
هذا الضمير الانتقائي فرعٌ خفيّ من الكِبر.
ترى في عقلك الباطن أنك مركز الكون، وفوق القانون، وفوق النقد.
تظن أخطاءك “مغفورة” سلفًا لأنك أنت،
وترى الآخرين “كومبارس” يجب عليهم الالتزام بالنص،
بينما يحقّ للبطل الارتجال متى شاء!
حين تنقد أخطاء الآخرين بحماس، وتفضحهم في المجالس… فتّش في قلبك:
هل دافعك حقًّا “الغيرة على الحق”؟
أم نشوة التفوّق؟
أن تشعر بالرضا لأنك لست مثلهم،
أن تدوس على سقطاتهم لترتفع أنت…
هذا ليس أمرًا بالمعروف؛
هذا تسلّق على الجثث.
وقد يكون ذنبهم المنكسر أقرب للقبول عند الله من طاعتك المُدلّة.
الشفاء يبدأ بلحظة عدل قاسية مع النفس.
طبّق القاعدة الذهبية:
كن محاميًا للناس… وقاضيًا على نفسك.
مع الناس:
البس نظّارة “التمس لأخيك سبعين عذرًا”.
قل: لعل له عذرًا لا أعلمه، لعلّه يعاني ما لا أراه.
مع نفسك:
اخلع رداء المحاماة فورًا.
قِف في قفص الاتهام وقل: “أنا مخطئ… لا مبرّرات”.
القسوة على النفس محاسبةٌ وتهذيب،
والقسوة على الناس بغي وسقوط.
يا صاحب المكيالين…
يوم القيامة لن يُنصب إلا ميزان واحد، كفتاه بالعدل والقسط، لا يُحابي أحدًا.
لن ينفعك هناك تبريرك الذكي، ولا نيتك التي تدّعيها.
أصلِح العطب في عينك أولًا،
قبل أن تلوم الناس على الغبار الذي في ثيابهم.
فمن انشغل بعيوب نفسه… كفاه الله عيوب الناس.
اسم الموضوع : الضمير المزدوج
|
المصدر : قسم الغابة الاسلامي


