لم أكتب لكِ كي تعبر الكلماتُ المدن،
ولا لأعلّق الطوابع على حوافّ قلبي.
أكتب لأنكِ هنا.
وحين يكون الحضور بهذا الوضوح،
تصير الرسائلُ فكرةً زائدة؛
يصبح العنوانُ كفّكِ، والموعدُ نبضنا حين يتّحد إيقاعه.
هذه رسائل لن تصل…
لأنها لا تبحث عن ساعي بريد،
بل عن لحظةِ صدقٍ تُفتحُ فيها عيناكِ عليّ، فأعرف أن الكلام قد وصل دون أن يُقال.
أضعها بيننا كاتفاقٍ هادئ: أن نعيش الحقيقة بلا زينة، أن يكون القربُ أصدقَ من البلاغة، وأن نُبقي كرامتنا سقفًا لا نخفضه ليرضي أحدًا.
أنا رجلٌ لا يبيع الوعد بالكلام.
إذا قلتُ «أنا معكِ»، جعلتُها فعلًا: حضورًا لا يتخلّى، وظهرًا لا ينكسر،
وصمتًا يحرسكِ حين تزدحم الأصوات.
وأنتِ امرأةٌ تُحسِنين ترتيب فوضاي بنظرة،
تضعين اليوم في مكانه الصحيح، فتستقيم التفاصيل كما لو أنها كانت في انتظاري منذ زمن.
نختلف؟ نعم… لكننا لا ننتصر على بعضنا؛
ننتصر لنا. نختار كلمةً تحفظ البيت، لا كلمةً تهدمه.
نضع خطوطًا واضحة:
لا تجريح، لا التواء،
لا اختبارٌ للحبّ كل صباح.
يكفينا أن نُصدّق ما بيننا، وأن نُحسن صيانته بالرفق والحزم معًا.
تعلمين أنني أغار عليكِ من الورق؛
لهذا لا أرسل شيئًا.
أفضّل أن أضع يدكِ في يدي بدل أن أضع اسمي في نهاية رسالة.
فالوصال يُعاش، لا يُروى. والطمأنينة تُمسَك، لا تُوصَف.
وإن سألني أحد:
ماذا كتبتَ لها اليوم؟
أقول: رتّبتُ لها يومًا مريحًا،
ورفعتُ عن كتفيها ما استطعت،
وأبقيتُ الباب مفتوحًا لنقاشٍ هادئٍ يليق بنا.
هذه كتابتي التي تهمّني: فعلٌ يسبق الحرف، وصدقٌ يُثبت نفسه بلا شهود.
تبقى إذن رسائلُ لن تصل…
لأنها وصلت منذ أن ناديتِ اسمي فاستقام اليوم، ومنذ أن وضعتِ رأسكِ على كتفي فنام الخوف.
وإن بقيت رسالةٌ أخيرة مؤجّلة، فهي سطرٌ واحد أكتبه كل مساءٍ على جبينكِ دون حبر:
أنا لكِ كما وعدت

