قصائد على الرمل

لم تكن دُميتها مهرًا خشبيًا،
ولا كانت تتدرّب على الشجاعة في كتب الأطفال.
بل كانت في طفولتها تمضي نحو مهرةٍ صغيرةٍ تكبر معها،
كأن الله خلقهما لتكونا ثنائيّةً لا تُفكّ.
كبرتا جنبًا إلى جنب…
الفتاةُ تحفظ ملامحَ المهر،
والمهرُ يحفظ همسَ الطفلة.
لم تكن ترويضًا، بل صداقة.
لم تكن ركوبًا، بل ميثاقًا.
كلُّ من رآهما أدرك أنّ بينهما شيئًا لا يُشبه أحدًا…
لغةٌ لا تُنطق، لكنها تُطاع.
تفاهمٌ لا يُدرّس، لكنه يُحَسّ.
لم تكن الفتاة بحاجةٍ إلى تعليم،
ولا المهرُ بحاجةٍ إلى ترويض؛
فكلتاهما من نَفَس الأرضِ الأصيلة،
من عِرْقٍ يُشبه الكبرياءَ في صمته،
والجمالِ في تواضعه.
هي الطفلةُ التي لم تُحترف الفروسيّة، بل تنفّستها.
كانت تعرف أنّ الكرامة لا تُفرَض، بل تُشعَر؛
وأنّ الهيبة لا تأتي من لجامٍ، بل من نظرةٍ صادقةٍ تؤمن.
كبرت الطفلةُ فصارت فارسة،
وكبر المهرُ فصار تابعًا لا يُخالف الأمر ولا يُطيق الغياب.
وما زال الرابط بينهما حيًّا…
كأنهما يشتركان في قلبٍ واحد؛
نصفُه ينبض فوق الأرض، ونصفُه يصهل في الريح.
في صمت الصباح، حيث يواسي الضوءُ نقاءَ النسيم، وقفت هي — فارسيّةُ الحُسن والخجل المؤدّب — كأنّها زهرةٌ تفوّحت بشذا الصباح.
كان شعرُها الناعمُ ينسابُ خلف كتفيها كسيلٍ من حرير، يُسابق الريحَ في هرولته خجلًا ومهارةً، فيختفي بين الخيوط كالسرِّ الذي لا يُقال.
عيناها — لو قابلتا نجمةً في ليلةٍ صافية — لتعلّقتِ النجمةُ بخجلٍ بجمالهما؛ رموشٌ تنسج طيف الحلم، ووجهٌ بدا كلوحةٍ رسمتها يدُ الحياء.
شفَتُاها مرسومتان بابتسامةٍ لا تبوحُ بكلِّ سرّها، بل تتركُ للقلبِ مهمّةَ القراءة، فتكتشفُ في كلِّ حرفٍ منها دفئًا وأناة.
وحين مشتْ، خفَّ مَشْيُها وكأنّ الأرضَ تهونُ ثِقْلَها، وصمتتِ الريحُ احترامًا لنعومتها، وأوشكتِ الشمسُ أن تُخفضَ ذهولَها من وهج حضورها.
وكان ثوبُها يرفّ بخفّةٍ رقيقة، كأنّه ينسج معها سيمفونيّةَ الفروسيّة تمتطي الفرس، فتُعلنَ بدايةَ سباقٍ لا يحتاج إلى كلمات.
دوّى النفيرُ؛ شددتُ العِنان، واشتعل الميدان.
قفزتْ هي كأنّها سهمٌ أُفلِت من وترِ محارب: لا يلتفت، لا يتردّد، يعرفُ طريقه في الهواء كما تعرفُ النارُ طريقَها في الهشيم.
فرسُها يقصُّ الريحَ تقصيفًا، وذيلُه كرايةٍ ممدودةٍ على مدِّ النظر، يجلدُ ظهرَ العاصفة إيقاعًا بعد إيقاع.
وشعرُها، وقد أفلتته الريحُ من ضفائره، يسيلُ على كتفيها سيلَ ليلٍ مدهوش، تتخلّلُه ومضاتُ الشمس كشررٍ يُصافح المعادن.
أرى حوافرَ فرسها تكتبُ على الرمل جملةً واحدة: «الصدارةُ لِمَن يجرؤ».
وأمّا جوادي فصار قلبًا على أربع؛ كلُّ نبضةٍ فيه مسافة، وكلُّ نفسٍ خطوةٌ تُختصر.
وجدتُني أُلاحقُها، ولا أُريدُ أن أُمسكَ بها… أُريدُ أن أستحقَّ المسافةَ بيننا.
وحين علتْ بخطوةٍ على خطوة، التفتتْ.
التفاتةٌ كافيةٌ لتجعلَ الزمنَ يتعثّر.
لم تكن نظرةَ شفقةٍ ولا استعلاء؛ كانت اعترافًا صامتًا بأنّ السباقَ ليس بين جسدين، بل بين روحين تقيسان المسافةَ بميزان الكبرياء.
وقفتُ في عينيها لحظةً كالمرآة: رأتْ فيَّ الفارسَ الذي لا يُساوِم، ورأيتُ فيها الفارسةَ التي تُمسكُ بالريح كما يُمسك الشاعرُ بالوزن.
تطاير الرملُ حولها هالةً تُضيء حدَّ ملامحها، وحين مالتْ على عنق فرسها بدا الطريقُ أمامها وترًا مشدودًا لا يقبلُ إلا نغمةَ الوصول.
خفَتَ كلُّ صوتٍ حولنا إلّا صهيلينِ يتعاهدان على ألا يخذلا الحُلم.
ولو خيّروني بين الألقاب، لرفضتُها جميعًا واخترتُ لقبًا واحدًا:
الفارسُ الذي لم يلحقْ بها.
ليس عجزًا، بل لأنّ في تلك المسافةِ الصغيرةِ مقامًا من الجمال لا يُنالُ إذا اكتمل.
أُريدُ أن أبقى الرجلَ الذي يكتبُ وهو يركض، ويَلْهثُ بالحكمةِ لا بالخذلان؛ الرجلَ الذي تُبقي له القمّةُ خطوةً مؤجّلةً، ليظلَّ قلبُه في سعيٍ نبيل.
أنا — إن سُئلتُ عمّا أُحبُّ أن أكون — قلتُ: ظلَّ فارسةٍ تُعلّمُ الريحَ حدودها، وظلَّ رجلٍ يُكرّرُ المحاولة؛ لا ليبلغَها، بل ليبلغَ نفسَه حين يراها.
هكذا تكتملُ الرسمة: هي في الصدارةِ قوسًا امتلأ هدفًا، وأنا خلفها وَتَرٌ مشدودٌ إلى المعنى… لا ينفكُّ عن العشق، ولا يُفرّطُ في التكوين
اسكادا
اسم الموضوع : قصائد على الرمل
|
المصدر : خواطر بريشة الاعضاء




