قصة رواها النبي صلى الله عليه وآله وسلم، وما روى قصة إلا لعبرة من العبر وفائدة من الفوائد، وسوف نذكر القصة وما فيها من فوائد وما فيها من عبر. لقد ذكر النبي...
قصة رواها النبي صلى الله عليه وآله وسلم، وما روى قصة إلا لعبرة من العبر وفائدة من الفوائد، وسوف نذكر القصة وما فيها من فوائد وما فيها من عبر. لقد ذكر النبي صلى الله عليه وآله وسلم :
انه كان رجل يمشي وحده في أرض فلاة لا أنيس فيها ولا معلم من معالم العمران يمشي وقد لفه الصمت واشتدت عليه وحشة الطريق وبينما هو كذلك مر سحاب فوق رأسه فسمع صوتا يخرج من السحاب يقول اسق حديقة فلان باسمه فوقف الرجل مشدوها لا يدري أهو وهم أم حقيقة وكيف يسمع اسما ينادى في السماء في صحراء مقفرة ثم تحرك السحاب أمامه فانبعث في نفسه فضول لا يقاوم فأخذ يتبع السحاب يريد أن يرى أين يمضي وما شأن هذا الأمر العجيب فسار خلفه حتى أمطرت السماء فانحدر الماء في مجرى واحد وسلك طريقا محددا كأنه مأمور لا يحيد فتبعه الرجل حتى انتهى إلى حديقة قائمة في قلب الصحراء خضراء ناضرة على خلاف ما حولها فرأى رجلا بيده مسحاته يسوق الماء بحكمة حتى سقى الزرع كله فدنا منه وسلم عليه وسأله عن اسمه فإذا هو الاسم نفسه الذي سمعه من السحاب فعلم أن ما سمعه حق وأن الذي أمر السحاب ملك من ملائكة الله فسأله عن سر ذلك ولم خصت حديقته بهذا السقي من بين الناس فقال الرجل أما وقد سألتني فإني أخبرك إني إذا حصدت زرعي جعلته ثلاثة أثلاث فأما ثلث فآكله أنا وعيالي وأما ثلث فأتصدق به وأما ثلث فأرده في الأرض ليبقى الزرع قائما ولا ينقطع الرزق فكان جزاء هذا الإخلاص أن سخرت له السماء وساق الله له الرزق من حيث لا يحتسب يمحق الله الربا ويربي الصدقات ومن عمل صالحا فلنفسه ومن أساء فعليها مثل الذين ينفقون أموالهم في سبيل الله كمثل حبة أنبتت سبع سنابل في كل سنبلة مئة حبة والله يضاعف لمن يشاء والله واسع عليم ومن يتق الله يجعل له مخرجا ويرزقه من حيث لا يحتسب ومن يتوكل على الله فهو حسبه إن الله بالغ أمره ولم يكن الرجل يعلم أن الملائكة تساق له لكنه كان يعمل لله فكانت هذه كرامته وهذه القصة لم ترو لتبقى حبيسة السطور بل لتسير كما سار الماء في الوادي من قلب إلى قلب لعل من سمعها رق قلبه وبادر إلى خير أو صدقة أو نشرها لتكون سببا في هداية غيره فالدال على الخير كفاعله والأثر إذا انتشر عظم أجره وبقي ما بقي الخير في الناس
هذه الآية الكريمة تقف بنا عند مشهد عظيم من مشاهد بداية الخليقة، مشهد يفضح حقيقة إبليس ويكشف عن عداوته الأبدية لبني آدم، ويحذر المؤمنين من الوقوع في فخ الولاء له ولذريته، إنها قصة بدأت بالعصيان والكبر، وانتهت بالطرد واللعنة، وتستمر أحداثها إلى قيام الساعة.
لنبدأ بتصور المشهد كما رسمه القرآن: "وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ" أي اذكر أيها النبي لقومك ذلك الوقت العظيم الذي أمر الله فيه الملائكة بالسجود لأبي البشر آدم عليه السلام تكريماً له وإعلاءً لشأنه، بعد أن خلقه الله بيده ونفخ فيه من روحه . كان هذا الأمر الإلهي اختباراً عظيماً للملائكة المقربين، فاستجابوا جميعاً لله طائعين: "فَسَجَدُوا" امتثالاً لأمر الله وتسليماً لحكمته .
ثم يأتي الاستثناء الخطير: "إِلَّا إِبْلِيسَ" الذي رفض السجود واستكبر وتعالى، ولم ينقد لأمر ربه . وهنا يوضح الله حقيقة هذا المخلوق الذي يظن كثير من الناس أنه ملك من الملائكة، فيكشف القرآن أنه لم يكن ملكاً أصلاً: "كَانَ مِنَ الْجِنِّ" أي أن أصله من الجن وليس من الملائكة، كما قال تعالى في آية أخرى: "وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ أَبَىٰ وَاسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ" [البقرة: 34] .
ويقول الإمام ابن كثير رحمه الله في تفسيره: "هذه الآية نص في أن إبليس من الجن، وأنه كان له ملك وسؤدد، ولهذا قال: "كَانَ مِنَ الْجِنِّ فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ" أي خرج عن طاعة الله، وتعدى على أمره، وترك ما أمر به من السجود لآدم" .
وكلمة "فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ" تحمل معنى دقيقاً، فالفسق هو الخروج والانسلاخ، يقال: فسقت الرطبة عن قشرها إذا خرجت منه . فإبليس خرج عن أمر ربه كما تخرج الثمرة من قشرتها، وهذا يدل على أن الفسق قد تمكن منه حتى صار طبعاً له لا يكاد يفارقه .
ثم ينتقل الخطاب الإلهي إلى البشر محذراً ومنبهاً: "أَفَتَتَّخِذُونَهُ وَذُرِّيَّتَهُ أَوْلِيَاءَ مِن دُونِي" أي أفتعبدون الشيطان وذريته من الجن وتتخذونهم أعواناً وأنصاراً تطيعونهم وتتبعون خطواتهم، وتتركون طاعة الله وخالقكم ورازقكم . وهذا استفهام إنكاري تعجبي، يستعظم فيه الله تعالى أن يترك الإنسان مولاه الحق ويتولى عدوه اللدود .
ثم يذكر السبب في ذلك التحذير: "وَهُمْ لَكُمْ عَدُوٌّ" أي أنهم أعداء لكم، العداوة متأصلة فيهم منذ بدء الخليقة، كما قال إبليس لربه: "فَبِعِزَّتِكَ لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ" [ص: 82] . فكيف يعقل أن يتخذ الإنسان عدوه ولياً له ونصيراً .
وقد ورد في الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: "إن الشيطان واضع خطمه على قلب ابن آدم، فإن ذكر الله خنس، وإن نسي الله التقم قلبه فوسوس إليه" . وقال أيضاً: "إن للشيطان لمة بابن آدم، وللملك لمة، فأما لمة الشيطان فإيعاد بالشر وتكذيب بالحق، وأما لمة الملك فإيعاد بالخير وتصديق بالحق، فمن وجد ذلك فليعلم أنه من الله فليحمد الله، ومن وجد الأخرى فليتعوذ بالله من الشيطان" .
وتختم الآية بقولها: "بِئْسَ لِلظَّالِمِينَ بَدَلًا" أي بئس البدل استبدال الشيطان وذريته بالله، وبئس البدل الكفر بالإيمان، والمعصية بالطاعة . فالظالمون هم الذين استبدلوا طاعة إبليس بطاعة الله، فكان هذا البدل أقبح البدل وأسوأ العوض .
يقول الإمام القرطبي: "أي بئس البدل استبدال عدوكم ولياً من دوني، وذلك أنهم استبدلوا بعبادة الله عبادة الشيطان، وبطاعة الله طاعة الشيطان" .
ويضيف الإمام السعدي: "فإن من أبدل رضاه بسخطه، وولايته بعداوته، وطاعته بطاعة عدوه، فقد ظلم نفسه ظلماً كبيراً، وخسر خسراناً مبيناً" .
وهذه القصة العظيمة تحمل لنا دروساً لا تعد ولا تحصى:
الدرس الأول: أن الكبر هو أول ذنب عصي الله به، وأول من فعله إبليس حين استكبر عن السجود لآدم، فكان سبب طرده ولعنته.
الدرس الثاني: أن إبليس ليس ملكاً بل هو من الجن، وهذا يرد على من يظن أن الملائكة تعصي، فالملائكة عباد مكرمون لا يسبقونه بالقول وهم بأمره يعملون.
الدرس الثالث: أن عداوة الشيطان لبني آدم عداوة حقيقية قديمة، فلا ينبغي للمؤمن أن يغفل عنها لحظة واحدة.
الدرس الرابع: أن اتخاذ الشيطان ولياً من دون الله هو أعظم خسارة، وأقبح بدل، وأسوأ صفقة يخسر فيها الإنسان دنياه وآخرته.
الدرس الخامس: أن الشيطان له ذرية من الجن يوسوسون لبني آدم، كما قال تعالى: "أَفَتَتَّخِذُونَهُ وَذُرِّيَّتَهُ أَوْلِيَاءَ مِن دُونِي" .
وقد حذر النبي صلى الله عليه وسلم من الشيطان وذريته فقال: "ما منكم من أحد إلا وقد وكل به قرينه من الجن، قالوا: وإياك يا رسول الله؟ قال: وإياي إلا أن الله أعانني عليه فأسلم فلا يأمرني إلا بخير" .
اللهم إنا نعوذ بك من الشيطان الرجيم وهمزاته ولمزاته ونفخاته ونفثاته، ونعوذ بك من شر ذريته وأعوانه، ونسألك أن تجعلنا من عبادك المخلصين الذين لا سبيل للشيطان عليهم.
شارك هذه القصة القرآنية العظيمة مع أصدقائك وأحبابك، ليتذكروا عداوة الشيطان الأبدية، ويحذروا من الوقوع في فخاخه وحبائله، وليعلموا أن الولاء لله وحده هو طريق النجاة في الدنيا والآخرة، وأن اتخاذ الشيطان ولياً هو أسوأ صفقة يخسر فيها الإنسان نفسه وأهله يوم القيامة.
بعثت قريش النضر بن الحارث وعقبة بن أبي معيط إلى أحبار يهود بالمدينة، فقالوا لهم: سلوهم عن محمد وصفوا لهم صفته وأخبروهم بقوله، فإنهم أهل الكتاب الأول، وعندهم علم ما ليس عندنا من علم الأنبياء، فخرجا حتى قدما المدينة فسألوا أحبار يهود عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ووصفوا لهم أمره وبعض قوله، وقالا:
_ إنكم أهل التوراة، وقد جئناكم لتخبرونا عن صاحبنا هذا
فقالت لهم الأحبار:
_ سلوه عن ثلاث نأمركم بهن، فإن أخبركم بهن، فهو نبي مرسل، وإن لم يفعل، فالرجل متقول، فروا فيه رأيكم. سلوه عن فتية ذهبوا في الدهر الأول ما كان من أمرهم، فإنهم قد كان لهم شأن عجيب. وسلوه عن رجل طواف بلغ مشارق الأرض ومغاربها، ما كان نبؤه؟ وسلوه عن الروح ما هو؟ فإن أخبركم بذلك، فهو نبي فاتبعوه، وإن لم يخبركم فإنه رجل متقول، فاصنعوا في أمره ما بدا لكم
فأقبل النضر وعقبة حتى قدما على قريش، فقالا:
_ يا معشر قريش قد جئناكم بفصل ما بينكم وبين محمد، قد أمرنا أحبار يهود أن نسأله عن أمور
فأخبروهم بها، فجاءوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا:
_ يا محمد أخبرنا، فسألوه عما أمروهم به، فقال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم:
_ أخبركم غدا عما سألتم عنه
ولم يستثن، فانصرفوا عنه، ومكث رسول الله صلى الله عليه وسلم خمس عشرة ليلة لا يحدث الله له في ذلك وحيا، ولا يأتيه جبريل عليه الصلاة والسلام، حتى أرجف أهل مكة وقالوا:
_ وعدنا محمد غدا واليوم خمس عشرة ليلة، وقد أصبحنا فيها ولا يخبرنا بشيء عما سألناه
وحتى أحزن رسول الله صلى الله عليه وسلم مكث الوحي عنه، وشق عليه ما يتكلم به أهل مكة، ثم جاءه جبريل عليه الصلاة والسلام من الله عز وجل بسورة أصحاب الكهف بعد ان انقطع الوحي خمس عشرة ليلة، وسأله النبي عن تأخره فقال جبريل عليه السلام :
﴿وَما نَتَنَزَّلُ إِلّا بِأَمرِ رَبِّكَ لَهُ ما بَينَ أَيدينا وَما خَلفَنا وَما بَينَ ذلِكَ وَما كانَ رَبُّكَ نَسِيًّا﴾
وهكذا اجابهم رسول الله صلى الله عليه وسلم عن أسئلتهم فبهتت قريش وسقط الامتحان عليهم لا عليه وزاد المؤمنون إيمانا وعرف من كان له قلب أن هذا القرآن ليس كلام بشر بل نور من عند الله يهدي من يشاء
وهذه القصة ليست مجرد حكاية من الماضي بل رسالة لكل من يقرؤها أن الحق لا يخاف السؤال وأن الصدق لا يحتاج إلى تزيين وأن من عرف هذه المعاني كان أمينا عليها ينقلها لغيره كما وصلت إليه لأن الخير إذا كتم مات وإذا نُشر عاش في القلوب وتناقلته الأرواح جيلا بعد جيل
هذه الآية العظيمة تفتح نافذة على قدرة الله الباهرة في خلق الإنسان وإعادة الخلق، وهي دعوة صريحة لكل من في قلبه شك في يوم القيامة أن ينظر إلى نفسه أولاً كيف خلق، ثم إلى الأرض كيف تحيا بعد موتها، ليدرك أن إعادة الخلق أهون على الله من بدئه.
لنبدأ بسبب نزول هذه الآية، فقد روي عن عمران بن الحصين وأبي سعيد الخدري أن الآيتين من أول السورة نزلتا ليلاً في غزوة بني المصطلق، وكان الناس يسيرون، فنادى رسول الله صلى الله عليه وسلم الناس فحثوا المطي حتى اجتمعوا حوله، فقرأها عليهم، فلم ير أكثر باكياً من تلك الليلة، وكان المشهد مؤثراً يملأ القلوب خشية وخوفاً من أهوال يوم القيامة .
والآن تأمل معي في شرح هذه الآية بدقة:
يقول تعالى: "يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِن كُنتُمْ فِي رَيْبٍ مِّنَ الْبَعْثِ" أي في شك من إحياء الموتى وقيام الأجساد من قبورها . والبعث هو إعادة الأرواح إلى الأجساد يوم القيامة، وهو أصل من أصول الإيمان لا يتم الإيمان إلا به، فمن أنكره فقد كفر .
ثم يقدم الله دليلين عقليين مشاهدين يزيلان كل شك:
الدليل الأول: خلق الإنسان وتطوره: "فَإِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن تُرَابٍ" أي أصل خلقكم بدأ بخلق أبيكم آدم عليه السلام من تراب . ثم خلق ذريته "ثُمَّ مِن نُّطْفَةٍ" وهي المني الذي يقذفه الرجل في رحم المرأة . "ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ" وهي الدم الأحمر الغليظ الجامد، وذلك بعد أربعين يوماً من النطفة . "ثُمَّ مِن مُّضْغَةٍ" وهي قطعة لحم بقدر ما يمضغ، وتستمر أربعين يوماً أخرى . وهذه المضغة تكون تارة "مُّخَلَّقَةٍ" أي تامة الخلق تنتهي إلى خروج الجنين حياً، وتارة "وَغَيْرِ مُخَلَّقَةٍ" بأن تقذفها الأرحام قبل تمام خلقها فتسقط لغير تمام .
والحكمة من هذا التدرج "لِّنُبَيِّنَ لَكُمْ" قدرة الله وعظيم صنعه، فلو شاء لخلق الإنسان دفعة واحدة، لكنه أراد أن يريكم بديع صنعه وتدبيره .
ثم يقول: "وَنُقِرُّ فِي الْأَرْحَامِ مَا نَشَاءُ إِلَىٰ أَجَلٍ مُّسَمًّى" أي نبقي في الأرحام من الحمل ما نشاء إلى وقت ولادته المعلوم عند الله . وقد ثبت في الصحيحين عن ابن مسعود أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "إن خلق أحدكم يجمع في بطن أمه أربعين ليلة، ثم يكون علقة مثل ذلك، ثم يكون مضغة مثل ذلك، ثم يبعث الله إليه الملك فيؤمر بأربع كلمات: بكتب عمله وأجله ورزقه، وشقي أو سعيد، ثم ينفخ فيه الروح" .
ثم يقول: "ثُمَّ نُخْرِجُكُمْ طِفْلًا" أي من بطون أمهاتكم لا تعلمون شيئاً ولا قدرة لكم، وقد سخر الله لكم الأمهات ترضعكم وتعطف عليكم . "ثُمَّ لِتَبْلُغُوا أَشُدَّكُمْ" وهو كمال القوة والعقل، ويكون ما بين الثلاثين إلى الأربعين سنة .
ثم يذكر تنوع أقدار الناس في الأعمار: "وَمِنكُم مَّن يُتَوَفَّىٰ" أي يموت قبل بلوغ الأشد . "وَمِنكُم مَّن يُرَدُّ إِلَىٰ أَرْذَلِ الْعُمُرِ" وهو أخس العمر وأردؤه، سن الهرم والخرف، "لِكَيْلَا يَعْلَمَ مِن بَعْدِ عِلْمٍ شَيْئًا" أي يعود بعد العلم والقوة إلى الضعف والنسيان، فلا يعلم ما كان يعلمه قبل ذلك .
والدليل الثاني: إحياء الأرض بعد موتها: "وَتَرَى الْأَرْضَ هَامِدَةً" أي يابسة ميتة لا نبات فيها ولا حياة . "فَإِذَا أَنزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاءَ اهْتَزَّتْ" أي تحركت بالنبات وتفتحت عنه . "وَرَبَتْ" أي ارتفعت وزادت لارتوائها . "وَأَنبَتَتْ مِن كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ" أي من كل نوع من أنواع النبات الحسن الذي يسر الناظرين .
يقول الإمام ابن كثير رحمه الله: "لما ذكر تعالى المخالف للبعث المنكر للمعاد، ذكر تعالى الدليل على قدرته تعالى على المعاد، بما يشاهد من بدئه للخلق" . ويقول الإمام السعدي: "هذان الدليلان القاطعان يدلان على أن الله هو الحق، وأنه يحيي الموتى، وأنه على كل شيء قدير، وأن الساعة آتية لا ريب فيها، وأن الله يبعث من في القبور" .
هذه الآية تحمل لنا دروساً عظيمة:
إن التأمل في خلق الإنسان وتطوره في الأرحام يكفي لإزالة كل شك في قدرة الله على إعادة الخلق.
إن الذي خلق الإنسان من تراب ثم من نطفة ثم من علقة قادر على أن يعيده بعد موته.
إن الذي يحيي الأرض الميتة بالنبات قادر على إحياء الموتى.
إن دورة الحياة من الضعف إلى القوة ثم إلى الضعف دليل على أن هذه الدنيا دار ابتلاء وليست دار قرار.
اللهم ثبت إيماننا في قلوبنا، وزدنا علماً وبصيرة في قدرتك وعظمتك، واجعلنا ممن يتفكرون في خلقك فيزدادون لك إيماناً وتسليماً.
من علامات الساعة الصغرى التي ظهرت في عصرنا بشكل لافت للأنظار التفاخر في بناء المساجد وزخرفتها وتزيينها وقد أخبرنا نبي الهدى صلى الله عليه وسلم عن هذه العلامة العظيمة التي تدل على اقتراب الساعة فعن أنس بن مالك رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لا تقوم الساعة حتى يتباهى الناس في المساجد وعن ابن عباس رضي الله عنهما قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم إن من أشراط الساعة أن يتطاول الناس في البنيان في المساجد أي يتباهون في طولها وارتفاعها وزخرفتها .
إن هذه العلامة النبوية تتحقق اليوم على أوسع نطاق فنحن نرى في كل مكان مساجد تبنى بأعلى التكاليف وأفخم الزخارف وأغلى أنواع الرخام والثريات وأعلى المآذن وأوسع القباب وتُنفق عليها الملايين بل المليارات من الأموال في وقت نرى فيه مسلمين كثراً لا يجدون قوت يومهم وفقراء لا يجدون ما يسدون به رمقهم وجيوعاً عارية لا تجد ما يستر عوراتهم ويأتي من يبني مسجداً يتباهى به أمام الناس ويقول أنا بنيت مسجداً أنا زخرفت مسجداً أنا أنفقت كذا وكذا في بناء هذا المسجد وقد نسي أو تناسى أن الله تعالى لم يأمرنا بذلك بل أمرنا بتعمير المساجد بالإيمان والتقوى والصلاة والذكر وليس بالرخام والذهب .
لقد حذرنا النبي صلى الله عليه وسلم من هذا الأمر أشد التحذير فعن عبد الله بن عباس رضي الله عنهما قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ما أمرت بتشييد المساجد قال ابن عباس لتزخرفنها كما زخرفت اليهود والنصارى وهذا وعيد شديد لمن يزخرف المساجد ويشييدها تشييداً مع إخلائها من روحانية الإيمان وخشوع الصلاة وصدق التوجه إلى الله وعن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنه أمر ببناء مسجد المدينة على النمط البسيط وقال أكن الناس من المطر ولا تغرق الناس يعني لا تبالغوا في الزخرفة وأخفوا الناس من الشمس والمطر فقط .
إن أول مسجد بني في الإسلام وهو مسجد قباء كان بسيطاً متواضعاً ومسجد النبي صلى الله عليه وسلم في المدينة كان جريداً وسعفاً ولبناً بسيطاً لا زخرفة فيه ولا مبالغة وكان الصحابة رضوان الله عليهم يبنون مساجدهم على أكمل وجه من البساطة والتواضع وكان همهم الوحيد أن يؤدي الناس الصلاة بخشوع وإخلاص لا أن يتباهوا بالبناء ويتفاخروا بالزخرفة .
ومما يزيد الطين بلة أن بعض الناس يبني المساجد الفخمة ثم يغلقها ولا يسمح للمصلين بدخولها إلا في أوقات محدودة أو يبنيها على أحدث طراز ثم لا يجد من يصلي فيها فيكون حالها كحال القصور الفخمة الخالية من السكان وهذا كله من علامات الساعة التي أخبر بها النبي صلى الله عليه وسلم حيث قال يبنى المسجد فيصلى فيه ثم لا يعبد الله فيه يعني بعد موت هؤلاء الذين بنوه أو بسبب تفريط الناس في الصلاة .
وترتبط هذه العلامة ببقية علامات الساعة ارتباطاً وثيقاً فضياع الأمانة يجعل الناس يبنون المساجد لأغراض دنيوية لا لوجه الله والجهل المتفشي يجعلهم لا يعلمون سنة النبي في البناء البسيط ويظنون أن الفخامة هي المطلوبة وكثرة القتل وتقارب الزمان يشغلان الناس عن عمارة المساجد بالصلاة والذكر والتفاخر بالمساجد يشبه التفاخر بالبيوت والقصور التي تطاول الناس فيها حتى أصبح الفقراء يقتدون بالأغنياء ويبنون ما لا طاقة لهم به .
إن المسجد الحقيقي هو الذي يعمر بالإيمان والتقوى وذكر الله والصلاة بخشوع وتلاوة القرآن وحلق العلم والذكر لا الذي يعمر بالرخام والذهب والمآذن العالية التي لا تعلو إلا بأجسادها بينما تخلو من ذكر الله والعبادة الصادقة وقد حذر النبي صلى الله عليه وسلم من أن من علامات الساعة أن تزخرف المساجد كما تزخرف الكنائس والبيع فيتبع المسلمون سنة من قبلهم شبراً بشبر وذراعاً بذراع .
فاللهم اجعلنا ممن يعمرون المساجد بالإيمان والعمل الصالح ولا تجعلنا من المتباهين المتفاخرين الذين يلهيهم البناء والزخرفة عن ذكرك وشكرك وحسن عبادتك واجعل مساجدنا عامرة بالمصلين الذاكرين الخاشعين وهذه القصة التي بين يديك تذكرك بهذه العلامة النبوية التي تتحقق أمام عينيك في كل مدينة وقرية فلا تبخل بنشرها لعل الله يرد بها قلباً إلى التواضع ويذكر بها نفساً غافلة ويكون لك في نشرها أجر عظيم كلما صلى أحد في مسجد بني لله لا للتفاخر والتباهي فإن الدال على الخير كفاعله والله لا يضيع أجر المحسنين .
ألقاها الرسول صلى الله عليه وسلم في حجة الوداع يوم عرفة من جبل الرحمة وقد نزل فيه الوحي مبشراً أنه "اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام ديناً" الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونتوب إليه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.
أوصيكم عباد الله بتقوى الله وأحثكم على طاعته واستفتح بالذي هو خير. أما بعد أيها الناس اسمعوا مني أبين لكم فإني لا أدري لعلى لا ألقاكم بعد عامي هذا في موقفي هذا.
أيها الناس إن دماءكم وأعراضكم حرام عليكم إلى أن تلقوا ربكم كحرمة يومكم هذا في شهركم هذا في بلدكم هذا - ألا هل بلغت اللهم فاشهد فمن كانت عنده أمانة فليؤدها إلى من ائتمنه عليها.
وإن ربا الجاهلية موضوع ولكن لكم رؤوس أموالكم لا تظلمون ولا تظلمون وقضى الله أنه لا ربا. وإن أول ربا أبدأ به عمي العباس بن عبد المطلب.
وإن دماء الجاهلية موضوعة، وإن أول دم نبدأ به دم عامر بن ربيعة بن الحارث بن عبد المطلب وإن مآثر الجاهلية موضوعة غير السدانة والسقاية والعمد قود وشبه العمد ما قتل بالعصا والحجر وفيه مائة بعير، فمن زاد فهو من أهل الجاهلية - ألا هل بلغت اللهم فاشهد.
أما بعد أيها الناس إن الشيطان قد يئس أن يعبد في أرضكم هذه، ولكنه قد رضي أن يطاع فيما سوى ذلك مما تحرقون من أعمالكم فاحذروه على دينكم، أيها الناس إنما النسئ زيادة في الكفر يضل به الذين كفروا يحلونه عاماً ويحرمونه عاماً ليوطئوا عدة ما حرم الله فيحلوا ما حرم الله ويحرموا ما أحل الله. وإن الزمان قد استدار كهيئته يوم خلق الله السماوات والأرض، وإن عدة الشهور عند الله اثنا عشر شهراً في كتاب الله يوم خلق الله السماوات والأرض، منها أربعة حرم ثلاثة متواليات وواحد فرد ذو القعدة وذو الحجة والمحرم ورجب مضر الذي بين جمادي وشعبان - ألا هل بلغت اللهم فاشهد.
أما بعد أيها الناس إن لنسائكم عليكم حقاً ولكم عليهن حق. لكم أن لا يواطئن فرشهم غيركم، ولا يدخلن أحداً تكرهونه بيوتكم إلا بإذنكم ولا يأتين بفاحشة، فإن فعلن فإن الله قد أذن لكم أن تعضلوهن وتهجروهن في المضاجع وتضربوهن ضرباً غير مبرح، فإن انتهين وأطعنكم فعليكم رزقهن وكسوتهن بالمعروف واستوصوا بالنساء خيراً، فإنهن عندكم عوان لا يملكن لأنفسهن شيئاً، وإنكم إنما أخذتموهن بأمانة الله واستحللتم فروجهن بكلمة الله فاتقوا الله في النساء واستوصوا بهن خيراً - ألا هل بلغت.... اللهم فاشهد.
أيها الناس إنما المؤمنون إخوة ولا يحل لامرئ مال لأخيه إلا عن طيب نفس منه - ألا هل بلغت اللهم فاشهد.
فلا ترجعن بعدى كافراً يضرب بعضكم رقاب بعض، فإني قد تركت فيكم ما إن أخذتم به لن تضلوا بعده: كتاب الله وسنة نبيه، ألا هل بلغت ... اللهم فاشهد.
أيها الناس إن ربكم واحد وإن أباكم واحد كلكم لآدم وآدم من تراب أكرمكم عند الله اتقاكم وليس العربي على عجمي فضل إلا بالتقوى - ألا هل بلغت .... اللهم فاشهد قالوا نعم - قال فليبلغ الشاهد الغائب.
أيها الناس إن الله قد قسم لكل وارث نصيبه من الميراث ولا يجوز لوارث وصية، ولا يجوز وصية في أكثر من ثلث، والولد للفراش وللعاهر الحجر. من ادعى إلى غير أبيه أو تولى غير مواليه فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين لا يقبل منه صرف ولا عدل والسلام عليكم.
كانت معركة القادسية من أعظم المعارك في تاريخ الإسلام وقد وقعت في عهد الخليفة عمر بن الخطاب رضي الله عنه بين جيش المسلمين بقيادة سعد بن أبي وقاص وجيش الفرس بقيادة رستم فرخزاد وكانت هذه المعركة بداية النهاية لقوة الدولة الساسانية في العراق
كان المسلمون يقاتلون بعدد أقل وتجهيزات أقل لكنهم كانوا يملكون قوة الإيمان والثقة بنصر الله وكان من أبرز أبطال هذه المعركة الفارس الشجاع القعقاع بن عمرو التميمي الذي كان لوصوله إلى ساحة القتال أثر عظيم في رفع معنويات المسلمين
وصل القعقاع إلى القادسية مع مدد من المقاتلين فأراد أن يبث الحماسة في قلوب المسلمين وأن يرهب الفرس فدخل برجاله على دفعات متفرقة وكلما دخلت مجموعة منهم ارتفعت أصوات التكبير والتهليل فظن الفرس أن مدد المسلمين يتدفق بلا انقطاع فدخل الخوف إلى قلوبهم بينما ازداد المسلمون ثقة وثباتا
وكان من أعظم ما واجهه المسلمون في تلك المعركة الفيلة الضخمة التي وضعها الفرس في مقدمة جيشهم فقد كانت الخيل تنفر منها وكانت تسبب اضطرابا في صفوف المسلمين فلما رأى سعد بن أبي وقاص خطرها استشار من يعرف قتال الفرس فأشاروا عليه باستهداف عيون الفيلة أو قتل من يقودها حتى تفقد السيطرة
فتقدم عدد من فرسان المسلمين الشجعان نحو الفيلة واستطاعوا إصابة عيون بعضها وقتل قادتها فهاجت الفيلة واضطربت وعادت تندفع بين صفوف الفرس أنفسهم فكان ذلك سببا في إضعاف صفوفهم وانكسار قوتهم
واشتد القتال بين الجيشين أياما طويلة وكان من أعظمها ليلة شديدة القتال عرفت في التاريخ بليلة الهرير فقد استمر القتال فيها طوال الليل حتى تعبت الأيدي من حمل السيوف واشتد الإرهاق على الفريقين
ومع طلوع الفجر عاد القعقاع يشجع المسلمين ويحثهم على الصبر والثبات فاندفعوا في هجوم قوي على جيش الفرس فاضطربت صفوفهم وبدأت الهزيمة تتسلل إليهم وفي نهاية المعركة قُتل قائد الفرس رستم فرخزاد فانهارت معنويات جيشه وبدأت صفوفهم تتفكك وكانت تلك اللحظة بداية النصر العظيم للمسلمين
وبانتصار المسلمين في القادسية انفتح الطريق إلى العراق وسقطت بعدها مدائن كسرى وبدأت صفحة جديدة في تاريخ المنطقة
إن هذه القصة ليست مجرد حادثة من الماضي بل هي درس عظيم في الشجاعة والصبر والثبات والثقة بالله وكيف يستطيع الإيمان الصادق أن يصنع نصرا عظيما حتى في أصعب الظروف
وإن كنت قد وصلت إلى نهاية هذه القصة فجزاك الله خيرا على القراءة فإن أعجبتك هذه القصة فلا تبخل بنشرها ومشاركتها مع غيرك فربما تصل إلى شخص لم يعرف هذه الصفحة المشرقة من تاريخنا فتكون سببا في إحياء معاني العزة والشجاعة في القلوب ونشر العلم النافع بين الناس ولك الأجر بإذن الله على كل من يقرأها بسبَبك.
في زمن بعيد كان يعيش رجل اشتهر بين الناس بالبخل الشديد حتى صار مضرب المثل في الشح والطمع وكان يملك بستانا واسعا مليئا بالأشجار المثمرة وكان في ذلك البستان شجرة تثمر ثمارا طيبة كثيرة ومع ذلك لم يكن يسمح لنفسه ولا لأهل بيته أن يأكلوا منها إلا نادرا وكان يكنز المال ويخشى أن ينقص شيء مما عنده
وفي يوم من الأيام خرج يتفقد بستانه وبينما هو يسير بين الأشجار نظر إلى ثمرة ناضجة فاشتهتها نفسه ووقف طويلا يفكر هل يقطفها أم يتركها لأن قلبه كان متعلقا بالمال حتى في أبسط الأشياء ثم قال في نفسه إن الإنسان لا يعيش مرتين وإن الموت لا بد أن يأتي يوما فمد يده أخيرا وقطف الثمرة وسار بها مسرورا
وبينما هو في طريقه شعر بالعطش فرأى بئرا قريبة فوضع الثمرة على حافة البئر وانحنى ليشرب الماء فلما فرغ من الشرب التفت ليأخذ الثمرة فإذا بها قد سقطت في البئر فجلس عند حافتها يضرب كفيه حسرة ويبكي كأن كنزا عظيما قد ضاع منه
وبينما هو على تلك الحال خرج من البئر مخلوق غريب وقال له ما بالك تبكي وتصرخ هكذا لقد أقلقتني بصوتك
فقال الرجل بحزن شديد لقد سقطت ثمرتي في البئر وكانت أحب شيء إلي فهل تستطيع أن تعيدها إلي
فقال ذلك المخلوق إن الثمرة قد ضاعت ولن تعود ولكنني سأعوضك عنها وأعطيك شيئا أفضل منها ثم أخرج له ملعقة صغيرة وقال له خذ هذه الملعقة فإذا حركتها كل صباح بعد طلوع الفجر خرج منها دينار من الذهب
أخذ الرجل الملعقة مسرورا وعاد إلى بيته فرحا وأخبر زوجته وابنته بما حدث وطلب منهما أن يكتما الأمر ولا يخبرا أحدا ولكن الابنة خرجت لتلعب مع جارتها الصغيرة فحدثتها بما عند أبيها من الملعقة العجيبة التي تخرج الذهب
سمعت أم الطفلة الكلام فامتلأ قلبها بالطمع وقررت أن تسرق الملعقة وانتظرت حتى خرج أهل البيت من منزلهم ثم دخلت خفية واستبدلت الملعقة بملعقة قديمة وأخذت الملعقة السحرية وعادت إلى بيتها
وفي الصباح أخذ الرجل الملعقة وحركها فلم يخرج منها شيء فدهش واشتد غضبه وأسرع إلى البئر التي خرج منها ذلك المخلوق وأخذ يناديه بصوت عال حتى ظهر له مرة أخرى
فقال له المخلوق ما الذي جاء بك مرة أخرى
فقال الرجل لقد أعطيتني الملعقة ولكنها لم تعد تخرج الذهب
فقال المخلوق متعجبا لقد أعطيتك شيئا عظيما يكفيك ولكن يبدو أن الطمع لا يترك قلب الإنسان ثم غاب قليلا وعاد يحمل منديلا وقال له خذ هذا المنديل فإذا نفضته كل صباح خرج منه دينار من الذهب ولكن إياك أن تعود إلي مرة أخرى
أخذ الرجل المنديل مسرورا وعاد إلى بيته ولكن الخبر وصل مرة أخرى إلى الجارة الطامعة فدخلت البيت خفية وسرقت المنديل كما سرقت الملعقة من قبل
فلما اكتشف الرجل أن المنديل لا يخرج الذهب غضب غضبا شديدا وركض إلى البئر ينادي ذلك المخلوق حتى ظهر له مرة أخرى
فقال له المخلوق هذه هي المرة الأخيرة التي أراك فيها ثم أعطاه عصا وقال له إذا وضعتها على الأرض وذكرت اسم الله فإنها ترتفع في الهواء وتلقي الذهب عليك
أخذ الرجل العصا وهو في طريقه إلى بيته لم يستطع أن يصبر حتى يجربها فوضعها على الأرض وذكر اسم الله فارتفعت العصا في الهواء ولكنها لم تمطره ذهبا بل أخذت تضربه ضربا شديدا حتى وقع على الأرض من الألم فعرف أن ما أصابه إنما هو جزاء طمعه وبخله
ومع ذلك عاد إلى بيته وأخبر زوجته وابنته أن العصا تخرج الذهب حتى يسمع الجيران الخبر كما حدث من قبل
ولم تمض أيام قليلة حتى دخلت الجارة لتسرق العصا فلما وضعتها على الأرض وذكرت اسم الله ارتفعت في الهواء وانهالت عليها ضربا شديدا حتى أخذت تصرخ من الألم فسمعها أهل البيت وعرفوا أنها هي التي سرقت الملعقة والمنديل من قبل
عند ذلك أدرك الرجل أن الطمع والبخل لا يجلبان إلا المتاعب وأن المال وسيلة للعيش وليس غاية للحياة فأخذ الملعقة والمنديل والعصا وألقاها في البئر ثم عاهد نفسه أن يغير طبعه وأن يكون كريما مع أهله والناس
ومنذ ذلك اليوم تغير حاله وصار معروفا بالكرم بعد أن كان معروفا بالبخل
وهكذا تعلم أن الإنسان إذا استسلم للطمع ضاع عقله وخسر راحته وأن المال لا ينفع صاحبه إن لم يحسن استعماله
قصة رواها النبي صلى الله عليه وآله وسلم، وما روى قصة إلا لعبرة من العبر وفائدة من الفوائد، وسوف نذكر القصة وما فيها من فوائد وما فيها من عبر. لقد ذكر النبي صلى الله عليه وآله وسلم :
انه كان رجل يمشي وحده في أرض فلاة لا أنيس فيها ولا معلم من معالم العمران يمشي وقد لفه الصمت واشتدت عليه وحشة الطريق وبينما هو كذلك مر سحاب فوق رأسه فسمع صوتا يخرج من السحاب يقول اسق حديقة فلان باسمه فوقف الرجل مشدوها لا يدري أهو وهم أم حقيقة وكيف يسمع اسما ينادى في السماء في صحراء مقفرة ثم تحرك السحاب أمامه فانبعث في نفسه فضول لا يقاوم فأخذ يتبع السحاب يريد أن يرى أين يمضي وما شأن هذا الأمر العجيب فسار خلفه حتى أمطرت السماء فانحدر الماء في مجرى واحد وسلك طريقا محددا كأنه مأمور لا يحيد فتبعه الرجل حتى انتهى إلى حديقة قائمة في قلب الصحراء خضراء ناضرة على خلاف ما حولها فرأى رجلا بيده مسحاته يسوق الماء بحكمة حتى سقى الزرع كله فدنا منه وسلم عليه وسأله عن اسمه فإذا هو الاسم نفسه الذي سمعه من السحاب فعلم أن ما سمعه حق وأن الذي أمر السحاب ملك من ملائكة الله فسأله عن سر ذلك ولم خصت حديقته بهذا السقي من بين الناس فقال الرجل أما وقد سألتني فإني أخبرك إني إذا حصدت زرعي جعلته ثلاثة أثلاث فأما ثلث فآكله أنا وعيالي وأما ثلث فأتصدق به وأما ثلث فأرده في الأرض ليبقى الزرع قائما ولا ينقطع الرزق فكان جزاء هذا الإخلاص أن سخرت له السماء وساق الله له الرزق من حيث لا يحتسب يمحق الله الربا ويربي الصدقات ومن عمل صالحا فلنفسه ومن أساء فعليها مثل الذين ينفقون أموالهم في سبيل الله كمثل حبة أنبتت سبع سنابل في كل سنبلة مئة حبة والله يضاعف لمن يشاء والله واسع عليم ومن يتق الله يجعل له مخرجا ويرزقه من حيث لا يحتسب ومن يتوكل على الله فهو حسبه إن الله بالغ أمره ولم يكن الرجل يعلم أن الملائكة تساق له لكنه كان يعمل لله فكانت هذه كرامته وهذه القصة لم ترو لتبقى حبيسة السطور بل لتسير كما سار الماء في الوادي من قلب إلى قلب لعل من سمعها رق قلبه وبادر إلى خير أو صدقة أو نشرها لتكون سببا في هداية غيره فالدال على الخير كفاعله والأثر إذا انتشر عظم أجره وبقي ما بقي الخير في الناس
يحكى أن شابًا بدويًّا كان يعيش مع والدته، وكانت دائمًا توصيه قائلة: «يا بني، لا تصاحب من كان في قلبه نيتان». فسألها: «وكيف لي أن أعرف من له نيتان يا أمي؟» فأجابته: «هو سيخبرك بنفسه، بلسانه، من تلقاء نفسه».
مرّت الأيام، وما لبث أن فارقته أمه، فحزن عليها حزنًا شديدًا، وبقي وحيدًا في البيت، حتى اجتاحه شعور بالوحدة والاغتراب، ففكر أن يبيع البيت ويغادر. فأعدّ ماله، واشترى بعيرًا وسلاحًا، وانطلق في الطريق، حاملاً معه مصيره ومغامرته.
وفي الطريق، التقى برجلٍ مصابٍ مكسور الساق، يوشك أن يموت من العطش. فنزل الشاب عن البعير، وأسقاه الماء، وفكّ عمامته، وربط ساقه المكسورة، وحمله على ظهر البعير، وتبادلا الحديث أثناء السفر. فسأل الشاب الرجل عن حاله، فأخبره الرجل بما أصابه في غزوةٍ وانقلب فيها أصحابه هاربين، وظل هو وحيدًا مصابًا.
فقال الشاب: «أما بعد، كانت أمي توصيني بعدم مصاحبة من له نيتان». فرد الرجل: «أنا ذو نيتين». فضحك الشاب، وسارا معًا حتى وصلا إلى بئرٍ في الصحراء.
حين اقتربا من البئر، قال الرجل المريض: «دعني أنزل لأجلب الماء». فأجابه الشاب بحزم: «لا، أنت مريض ومكسور الساق. سأكون أنا من ينزل للملء، وسأسقي البعير بعد ذلك».
فلما وصل الشاب إلى قعر البئر، استخدم ركوة البئر، وإذا بالرجل ذو النيتين يقطع الحبل، فيسقط الشاب في القاع. فنادى الشاب: «يا فلان، الحبل!» فرد الرجل: «أخبرتك منذ البداية أن لي نيتين».
وهكذا تركه في البئر، فجلس الشاب يتذكر وصية أمه. ومع حلول الظلام، بدأ يسمع صوت طيورٍ تحط على حافة البئر، تتحدث مع بعضها. فسمعها تتبادل أحاديث عن سحر أصاب ابنة شيخٍ، ومدينة كانت تعيش جفافًا بفعل سحر، وكيف يمكن فك ذلك بسهولة بالقرآن. أدرك الشاب من حديث الطيور أن الجن لا يرون في الظلام ولا يعلمون الغيب.
حلّ الصباح، ومرت قافلة بالقرب من البئر. حاولوا إنزال دلاء لمساعدته، فقطعها الشاب كلها حتى لا يروه ويسبب لهم الفزع، ثم أخبرهم بقصته بعد ذلك. فسألوا الشاب إلى أين يذهب، فأجاب: «إلى مدينة الشيخ حارب، وإلى ابنة مسحورة». فأرشدوه إلى الطريق، ورافقوه حتى وصلوا، فاستقبلهم شيخ القبيلة.
سمع الشاب صراخ البنت، فقرأ عليها الفاتحة على الماء، ونسقه على جسدها، فشُفيت بإذن الله، وتسترت. ثم تزوجها، وأخذ مكافأته، لكنه لم يغفل عن مدينة الشيخ التي جفّ ماءها، فطلب رؤية البئر الرئيسة، فأحضره أهل المدينة، فقرأ عليها الشاب خواتيم سورة البقرة والمعوذات على منبع الماء، فاندفقت المياه من جديد، وعاد الخير إلى المزارع، وعمّت الحياة المكان.
بعد مدة، ظهر الرجل ذو النيتين في المدينة، فعرفه الشاب، لكنه لم يلقَ منه إلا الفرار، فظل يذكره درسا: لا تصاحب من قلبه مزدوج، فالنية الصافية هي طريق النجاة. وفي نهاية القصة، اجتمعت الطيور مرة أخرى على حافة البئر، وتداولت الحديث عن الشخص الماكر، ودُفن البئر فوق رأسه، لتظل العبرة قائمة: من يسلك الطريق الصحيح بنية صافية ينجو، ومن يركب النية المزدوجة يلقى جزاء ما صنع.
وهكذا، تبقى القصة درسا لكل من يسعى للحق، واعتبارًا لكل قلب تائهاً أو نفس حائرة، بأن النية الصافية والعمل الصادق هما مفتاح الخير والنجاة.
مات والده… ولم يأتِ أحد.
لا جار، لا قريب، لا صديق.
كأن الرجل لم يعش يومًا بين الناس، وكأن أثره قد مُحي مع آخر نَفَس خرج من صدره.
جلس الابن طويلًا عند رأس أبيه، يتأمل وجهه الساكن، ذلك الوجه الذي طالما حمل همّ الحياة بصمت، وتلقى قسوتها دون أن يشتكي. لم يبكِ بصوت مرتفع، بل كانت دموعه تنزل ببطء، كأنها تخجل من كسر هيبة الموت.
انتظر ساعات… ثم أيامًا… ولم يطرق بابه أحد.
فهم حينها أن عليه أن يقوم بالمهمة وحده.
لفّ والده في كفنٍ بسيط، وحمله على كتفيه، وخرج به إلى الصحراء عند الفجر، حين يكون العالم ساكنًا، والسماء ما تزال متعلقة بين الليل والنهار.
كان يمشي بصعوبة، ليس من ثقل الجسد، بل من ثقل الوحدة.
وفي منتصف الطريق، رآه أعرابي يرعى غنمه.
رجل بسيط، ثيابه خشنة، ووجهه أسمر شقته الشمس، لكن في عينيه صفاء لا يخطئه القلب.
تقدّم الأعرابي نحوه، وحدّق في الجنازة الصغيرة، ثم قال بتعجّب صادق:
– أين الناس؟
– كيف تدفن أباك وحدك؟
خفض الابن رأسه، ولم يشأ أن يفضح أباه، ولم يشأ أن يتحدث عن ماضٍ مؤلم، ولا عن قطيعة طويلة، ولا عن خطايا جعلت الناس تنفر منه.
كل ما قاله وهو يكاد يختنق:
“لا حول ولا قوة إلا بالله… لا حول ولا قوة إلا بالله.”
فهم الأعرابي كل شيء من هذا الصمت.
لم يحتج إلى تفاصيل، ولم يطلب تفسيرًا.
اقترب، ومدّ يده، وقال بهدوء:
– دلّني على المكان… ولن ندفنه وحدك.
حفرا القبر معًا، في أرض قاسية، لكن القلوب كانت ألين من التراب.
أنزلا الجسد برفق، وكأنهما يودّعان إنسانًا عزيزًا عليهما كليهما، رغم أن أحدهما لم يعرفه قط.
بعد أن انتهيا، وقف الأعرابي، ورفع يديه إلى السماء، وأغمض عينيه طويلًا، ودعا في سره.
لم يسمع الابن شيئًا، لم يعرف ماذا قال، لكنه رأى شفتيه تتحركان بحرارة الصادقين.
ثم مسح الأعرابي على لحيته، ونظر إلى الابن نظرة طمأنينة، وقال:
– توكّل على الله يا بني.
وأخذ غنمه، ومضى… كأنه لم يكن.
في تلك الليلة، رأى الابن في منامه مشهدًا لم تره عيناه من قبل.
رأى أباه في نورٍ عظيم، بوجهٍ مشرق، وضحكة لم يعهدها فيه يومًا في الدنيا.
رآه في الفردوس الأعلى.
اقترب منه وهو يرتجف من الدهشة، وقال:
– يا أبي… بأي عمل بلغت هذه المنزلة؟
– من أي باب فُتح لك هذا النعيم؟
ابتسم الأب، وقال بصوتٍ يفيض سكينة:
– بدعوة الأعرابي… بدعوة رجلٍ لا يعرفني، ولا أعرفه، لكنه صدق مع الله.
استيقظ الابن وهو يبكي… لكن هذه المرة لم يكن بكاء حزن، بل بكاء دهشة ورحمة وامتنان.
ومنذ ذلك اليوم، خرج يبحث عن الأعرابي في كل مكان.
سأل عنه في البوادي، مشى في الصحراء أيامًا، حتى وجده أخيرًا يرعى غنمه.
أمسكه بتلابيبه، وهو يقول بانفعال:
– أسألك بالله… ماذا دعوت لأبي عند قبره؟
– رأيته في الفردوس الأعلى!
ابتسم الأعرابي، ولم يبدُ عليه العجب، وقال بهدوء من يعرف قدر ربّه:
“يا بني… لقد دعوت الله دعوة العبد الفقير، وقلت:
اللهم… إني كريم إذا جاءني ضيف أكرمته،
وهذا عبدك جاءك ضيفًا،
وأنت أكرم الأكرمين… فأكرمه.”
ثم أطرق برأسه وقال:
– ما فعلتُ شيئًا عظيمًا… إنما صدقتُ في رجائي.
هنا أدرك الابن حقيقة لم يكن يعرفها:
أن النجاة ليست بكثرة المال،
ولا بكثرة الذرية،
ولا حتى بكثرة الأعمال الظاهرة،
بل بصدق القلب مع الله،
وبعملٍ صغير يُرفع بنيّة عظيمة.
قد تُنقذ دعوة صادقة عبدًا لم يعرفه أحد،
وقد يرفع الله بكلمةٍ بسيطة درجاتٍ لم تبلغها السنين من العبادة.
---
أيها القارئ…
لا تستهِن بالدعاء.
ولا تحتقر المعروف، ولو كان ابتسامة، أو كلمة، أو يدًا تمتد في وقت الحاجة.
فرب عملٍ صغير في عينك، عظيمٌ عند الله.
ولا تبخل بالخير…
فإن الخير إذا انتشر، عاد إليك أضعافًا مضاعفة.
يُروى أن امرأةً توفي زوجها، فتركها مع ابنتيها الصغيرتين بلا سندٍ ولا مال. لم يمضِ وقتٌ طويل حتى اشتدّ عليها الفقر، وضاق بها الحال، حتى جاء صاحب الدار يطالبها بالإيجار.
حاولت أن تشرح له عجزها وقلة حيلتها، لكنه لم يمهلها طويلًا، فأخرجها من البيت هي وابنتاها.
خرجت الأم المكلومة ببناتها في طريقٍ لا تعرف نهايته، هربًا من قسوة الفقر ومن نظرات الشماتة. وبعد مسيرٍ طويل وصلت إلى بلدةٍ أخرى، وكان البرد شديدًا والليل يزداد قسوة.
لم تجد مأوى تأوي إليه، فأدخلت ابنتيها مسجدًا مهجورًا عند مدخل البلدة، ثم خرجت تبحث عن أي وسيلةٍ توفر بهما لقمة تسدّ جوعهما في تلك الليلة.
وبينما هي تمشي في طرقات البلدة، رأت شيخًا وقورًا من أهلها، عُرف بين الناس بالعلم والصلاح. فتقدمت إليه وقصّت عليه حكايتها قائلة:
"أنا امرأة غريبة في هذه البلدة، وقد مات زوجي وتركتني الأيام مع ابنتين يتيمتين. أدخلتهما مسجدًا مهجورًا، ولا أطلب منك إلا ما يطعمنا هذه الليلة."
نظر إليها الشيخ وقال ببرود: "إن كنتِ صادقة، فهاتِ دليلًا على صدق كلامك!"
دهشت المرأة من طلبه، وقالت بحزن: "أنا غريبة هنا… ولا يعرفني أحد في هذه البلدة."
لكن الشيخ أعرض عنها، وتركها تمضي في طريقها.
غادرت المرأة المكان وقلبها يعتصر ألمًا، تمشي وهي لا تدري إلى أين تذهب.
وفي الطريق لقيت رجلًا مسنًّا، فسألها عن حالها. فقصّت عليه ما حدث، وكيف ردّها الشيخ.
تأثر الرجل بكلامها، ولم يتردد لحظة. فأرسل بعض نسائه معها، وجاؤوا بالمرأة وابنتيها إلى بيته. وهناك استقبلوهن بترحاب، وأطعموهن من أطيب الطعام، وألبسوهن ملابس دافئة، وأكرموهن كأنهن من أهل الدار.
وفي تلك الليلة نامت الأرملة وبناتها لأول مرة منذ أيام في دفء وأمان.
أما الشيخ الذي ردّها، فقد رأى في تلك الليلة رؤيا عجيبة.
رأى كأن يوم القيامة قد قام، والناس مجتمعون، وإذا برايةٍ عظيمة معقودة فوق رأس النبي صلى الله عليه وسلم. ورأى قصرًا بديعًا من الزمرد الأخضر، تتلألأ شرفاته باللؤلؤ والياقوت، وتعلوه قباب من اللؤلؤ والمرجان.
فسأل النبي صلى الله عليه وسلم: "يا رسول الله، لمن هذا القصر؟"
فقال له: "لرجل مسلم موحِّد."
فقال الشيخ متعجبًا: "يا رسول الله، أنا رجل مسلم موحِّد!"
فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: "هات دليلًا على صدق قولك. حين جاءت إليك امرأة مسكينة تطلب العون، قلتَ لها: هاتي دليلًا على صدق قولك. فهات أنت الآن دليلًا على صدق قولك."
فاستيقظ الشيخ من نومه فزعًا، وقلبه ممتلئ ندمًا وحزنًا.
خرج مع الفجر يطوف في طرقات البلدة يسأل عن المرأة، حتى علم أنها عند رجلٍ نصراني من أهل البلد.
فذهب إليه مسرعًا وقال: "سلّمني المرأة وبناتها."
فقال الرجل: "لا يمكن، فقد نزلت عليّ من بركاتهم ما لم أتوقع."
قال الشيخ: "خذ مني ألف دينار، وأعطني إياهن."
لكن الرجل رفض.
تعجب الشيخ وقال بإلحاح: "لا بد أن تفعل!"
فابتسم الرجل وقال: "القصر الذي رأيته في منامك… قد كُتب لي."
ثم قال: "والله ما نمنا الليلة أنا وأهل بيتي حتى أسلمنا جميعًا، لما رأينا من حال هذه المرأة وصبرها. وقد رأيت في منامي مثل ما رأيت، وقيل لي: المرأة وبناتها عندك، والقصر لك ولأهل دارك."
عندها انصرف الشيخ حزين القلب، وقد أدرك أن فرصة عظيمة للخير قد فاتته.
وهكذا أصبحت تلك الأرملة سببًا في هداية بيتٍ كامل، وفي درسٍ بليغٍ لا يُنسى.
فالإحسان إلى الأرامل والأيتام ليس مجرد صدقة… بل قد يكون بابًا لكرامةٍ عظيمة لا يتوقعها الإنسان.
انشر الخير… فربما كانت قصةٌ صغيرة سببًا في تغيير حياة إنسان.
في قديم الزمان، وفي بلاد بعيدة، كان هناك سلطان يجلس في قصره تحيط به الحاشية من الوزراء والوجهاء وكبار القوم. وبينما كانوا يتشاورون في شؤون البلاد، دخل الوزير مسرعاً يضرب كفاً بكف ويهز رأسه متعجباً ويقول
سبحان الله… سبحان الله… لقد عجبتُ اليوم من أمرٍ ما كنتُ أظن أن الأذن قد تسمع بمثله.
تعجب السلطان من حاله وقال
هون عليك أيها الوزير، ما الذي حدث حتى أراك في هذا الاضطراب؟
قال الوزير
يا مولاي، لقد سمعت اليوم في البلاد خبراً عجيباً لا يكاد العقل يصدقه.
قال السلطان
وما هذا الخبر العجيب؟
قال الوزير
يقول الناس إن في البلاد رجلاً… يبيض!
فضحك السلطان وقال
يبيض؟ أهو دجاجة حتى يبيض؟
ثم التفت إلى الحاضرين من الوجهاء وقال
هل سمع أحد منكم بهذا الخبر؟
فقال بعضهم
نعم يا مولاي، لقد سمعنا بذلك أيضاً.
قال السلطان متعجباً
حتى أنتم سمعتم بهذا؟
قالوا
نعم يا مولاي، بل يقول الناس إنه يبيض كل يوم، وليس بيضة واحدة، بل ثلاثين بيضة كاملة.
ازداد تعجب السلطان وقال
عجباً! ما زالت الدنيا تخبئ لنا غرائبها. اذهبوا وأحضروا هذا الرجل لنسمع منه الخبر بأنفسنا، أهو صدق أم حديث من أحاديث الناس.
فذهب الحرس وأتوا بالرجل، وكان فلاحاً بسيطاً تبدو عليه علامات التعب من العمل في الأرض. فلما وقف بين يدي السلطان قال له السلطان
أأنت الرجل الذي يقول الناس إنه يبيض ثلاثين بيضة في اليوم؟
قال الرجل بكل هدوء
نعم يا مولاي، أنا هو بعينه.
قال السلطان متعجباً
وكيف يكون ذلك؟ إن هذا أمر لا يصدقه عقل.
قال الرجل
يا مولاي، إن شئتَ حدثتك بقصتي منذ بدايتها.
قال السلطان
تكلم، فنحن نستمع إليك.
جلس الرجل وقال
يا مولاي، أنا فلاح بسيط، أملك قطعة أرض صغيرة أزرعها بيدي، ومنها أعيش أنا وزوجتي وأولادي. أعمل فيها كل يوم وأرضى بما قسمه الله لي.
وفي أحد الأيام كنت أحرث الأرض، فإذا بالمحراث يصطدم بصخرة كبيرة. توقفت وبدأت أحفر حولها حتى أزيلها. فلما رفعتها وجدت تحتها جرة صغيرة تشبه الجرار التي يُحفظ فيها الماء.
فتحت الجرة وقلبتها، فإذا بقطع من الذهب تتساقط منها.
فرحت كثيراً وحمدت الله على رزقه، وعددت القطع فوجدتها ثلاثين قطعة من الذهب. فقلت في نفسي سأخفيها في بيتي، وأبيع منها قطعتين أو ثلاثاً لأشتري بقرة تساعدني في العمل، وربما اشتريت لزوجتي شيئاً من الحلي التي تتمناها.
لكنني فكرت لحظة وقلت لنفسي
لو علم الناس بالأمر لانتشر الخبر، وربما وصل إلى السلطان أو إلى الطامعين. فحفرت حفرة أخرى في الأرض ودفنت الجرة فيها، ثم أكملت عملي كأن شيئاً لم يكن.
فلما عدت إلى البيت عند المساء، وكان عندي في الفناء دجاج، أخذت بيضة وخبأتها. ثم دخلت البيت وتعشيت مع زوجتي وشربنا الشاي، وبعد ذلك ذهبت إلى فراشي.
ثم بدأت أتأوه وأقول
آه يا بطني… آه يا بطني.
فقلقت زوجتي وقالت
ما بك؟ ماذا أصابك؟
قلت
بطني تؤلمني ألماً شديداً.
فذهبت وأحضرت لي بعض الأعشاب لتداويني، وأنا ما زلت أتأوه وأصرخ.
فقالت لي متعجبة
لماذا تصرخ كأنك امرأة توشك أن تلد؟
وبعد لحظات صرخت صرخة قوية ثم سكت، وأخرجت البيضة التي أخفيتها ووضعتها تحتي وقلت لها
انظري ما هذا الذي تحتي؟
مدت يدها، فإذا هي بيضة!
فصاحت بدهشة
ما هذا؟!
قلت لها
هذه بيضة… لقد بيضتها أنا.
ثم قلت لها
إن الرجل لا يحفظ سره مثل زوجته، فإياك أن تخبري أحداً بهذا الأمر.
قالت
وكيف يمكن أن يصدق الناس هذا الكلام؟
قلت
المهم ألا تخبري أحداً.
لكن زوجتي قضت الليل كله تفكر في الأمر، وفي الصباح ذهبت إلى جارتها وطرقت بابها وقالت
أما سمعتِ بالخبر العجيب الذي حدث لزوجي البارحة؟
قالت الجارة
وما هو؟
قالت
لقد بيض زوجي بيضة!
فقالت الجارة بدهشة
أحقاً؟
قالت
نعم، رأيتها بعيني.
ثم قالت لها
لكن إياك أن تخبري أحداً.
فذهبت الجارة إلى جارة أخرى وقالت لها الخبر، وأضافت
لقد بيض زوجها بيضتين.
وهكذا انتقل الكلام من بيت إلى بيت، وكلما انتقل زاد الناس فيه شيئاً.
فواحد يقول
لقد بيض ثلاث بيضات.
وآخر يقول
بل خمساً.
وآخر يقول
بل ستاً.
حتى صار الناس يقولون
إنه يبيض كل يوم ثلاثين بيضة!
ثم بلغ الخبر السوق، وانتشر في المدينة حتى وصل إلى قصر السلطان.
فسكت الرجل قليلاً ثم قال
أرأيت يا مولاي كيف يزيد الناس في الكلام؟ فما من أحد يسمع خبراً إلا ويضيف إليه شيئاً.
ثم قال مبتسماً
ولذلك حمدت الله أنني لم أخبر زوجتي بأمر جرة الذهب، وإلا لتحولت ثلاثون قطعة إلى مئة، ثم إلى ألف، وربما وصل الخبر إليك يا مولاي، فظننت أنني أخفي كنزاً ينافس خزينة القصر.
فضحك السلطان طويلاً وقال
لقد علمتني اليوم درساً عظيماً في حال الناس وكثرة ما يضيفون إلى الكلام.
ثم قال له
أما جرة الذهب التي وجدتها في أرضك فهي لك حلال، ولن يأخذها منك أحد ما دمت سلطان هذه البلاد.
فشكر الرجل السلطان وعاد إلى بيته، وعاش حياة طيبة مع زوجته، لكنه لم يعد يأتمنها على الأسرار مرة أخرى.
وهكذا تعلم السلطان والحاضرون درساً بليغاً
أن الكلمة إذا خرجت من فم صاحبها لم تعد كما كانت، وأن الناس يزيدون في الأخبار حتى تتحول الحقيقة إلى حكاية لا أصل لها.
إن في هذه القصة عبرة عظيمة، فاحفظ لسانك، ولا تنقل كل ما تسمع، ولا تضف إلى الكلام ما ليس فيه.
وإذا أتممت القراءة فصلِّ على النبي محمد صلى الله عليه وسلم.
الرجل الذي استضاف رسول الله… ثم مات تحت أسوار القسطنطينية
كان في المدينة رجل من كبار الأنصار، عظيم القدر بين قومه، اسمه أبو أيوب الأنصاري، واسمه الحقيقي خالد بن زيد بن كليب من بني النجار. كان من الرجال الذين بايعوا رسول الله ﷺ في ليلة العقبة الثانية، تلك الليلة التي وقف فيها الأنصار يعلنون نصرتهم للنبي، ويعاهدونه على السمع والطاعة في العسر واليسر، وعلى أن يحمُوه إذا قدم إليهم كما يحمون أبناءهم ونساءهم.
ومضت الأيام حتى جاء اليوم الذي انتظره الأنصار بشوقٍ عظيم… يوم هجرة رسول الله ﷺ إلى المدينة.
خرج أهل المدينة جميعاً يستقبلون النبي، وكل واحد منهم يتمنى أن ينال الشرف الأكبر: أن ينزل رسول الله في بيته. كانت القلوب تتسابق قبل الأقدام، وكلما مرّ النبي بدار قال أهلها برجاءٍ ظاهر:
يا رسول الله… هلمَّ إلى العدد والعدة والمنعة.
لكن النبي ﷺ كان يجيبهم بكلمات هادئة تحمل حكمة عظيمة:
دعوا الناقة فإنها مأمورة.
كانت ناقته القصواء تسير بين الناس، والأنظار كلها معلقة بها، حتى توقفت فجأة… وبركت في مكان من أرض بني النجار. كان ذلك المكان قريباً من بيت أبي أيوب الأنصاري.
نظر الناس إلى بعضهم، ثم أدركوا أن شرف ضيافة رسول الله قد وقع لأبي أيوب.
لم يكد أبو أيوب يصدق ما حدث، فقد صار بيته بيت رسول الله ﷺ. أسرع هو وزوجته يستقبلان النبي بكل حبٍ وتوقير، وأعدّا له المكان في الطابق السفلي من البيت.
لكن أبا أيوب شعر بحرج شديد.
فذهب إلى النبي ﷺ وقال بأدبٍ عظيم:
يا رسول الله، بأبي أنت وأمي… إني أكره أن أكون فوقك وأنت تحتي، فلو انتقلت إلى العلو ونزلنا نحن في الأسفل.
فابتسم النبي ﷺ وقال له بلطف:
يا أبا أيوب، إن أرفق بنا أن نكون في السفل، ليأتينا الناس.
رضي أبو أيوب بكلام رسول الله، لكنه ظل شديد الأدب معه. حتى إنه كان يمشي في الطابق العلوي بحذرٍ شديد خوفاً أن يزعج النبي ﷺ تحته.
ويروي أنه في ليلةٍ انكسر إناء ماء في الغرفة، فخاف أن ينزل الماء إلى النبي. فأسرع هو وزوجته يمسحان الماء بقطعة قماش صغيرة، ولم يكن عندهما غيرها، حتى لا يسقط شيء على رسول الله.
هكذا كان حب الصحابة للنبي ﷺ… حباً صادقاً يظهر في أدق التفاصيل.
ومرت الأيام، وانتقل النبي ﷺ بعد بناء المسجد إلى حجراته بجواره، لكن أبا أيوب بقي قريباً منه، يرافقه في الغزوات ويجاهد معه.
شهد أبو أيوب غزوة بدر، تلك المعركة التي غيرت تاريخ الإسلام. ثم شهد أحداً والخندق وخيبر وفتح مكة، وكان من الرماة الشجعان الذين يدافعون عن رسول الله في ساحات القتال.
وعندما توفي رسول الله ﷺ، حزن أبو أيوب حزناً شديداً. فقد كان يشعر أن جزءاً من حياته قد رحل مع رحيل النبي.
ومع ذلك بقي ثابتاً في طاعة الله، يعيش في المدينة سنوات طويلة، حتى وقعت الفتن بين المسلمين بعد مقتل الخليفة عثمان رضي الله عنه.
لكن أبا أيوب كان من الذين ابتعدوا عن القتال بين المسلمين، وكان يقول كلمات تدل على ورعه الشديد:
لو كان معي عدد الرمل ما قاتلت في الفتنة.
ثم مضت السنوات، وكبر أبو أيوب في السن، حتى تجاوز الثمانين من عمره. ومع ذلك لم يضعف شوقه للجهاد في سبيل الله.
وفي أحد الأيام خرج جيش للمسلمين متجهاً إلى بلاد الروم، متجهاً إلى أعظم مدنهم آنذاك: القسطنطينية.
كان قائد الجيش هو يزيد بن معاوية.
ورغم كبر سنه، أصر أبو أيوب على الخروج مع الجيش.
تعجب بعض الناس وقالوا له:
يا أبا أيوب، أنت شيخ كبير، فلو بقيت في المدينة!
فأجابهم بكلمات ملأها الإيمان:
لقد سمعت قول الله تعالى
"انفروا خفافاً وثقالاً"
فلا أجد نفسي إلا خارجاً للجهاد.
وهكذا سار مع الجيش حتى وصلوا إلى أسوار القسطنطينية، وبدأ الحصار.
لكن المرض اشتد على أبي أيوب هناك، وأصبح عاجزاً عن القتال.
فلما علم قائد الجيش بمرضه، جاء يزوره ويسأله:
يا أبا أيوب، هل لك من حاجة؟
فقال أبو أيوب بصوتٍ ضعيف لكنه مليء بالإيمان:
نعم… إذا متُّ، فاحملوني معكم، وتقدموا بي حتى تقتربوا من أسوار المدينة، ثم ادفنوني هناك… أقرب ما يكون إلى أرض العدو.
تعجب القائد وقال:
ولماذا يا أبا أيوب؟
فقال:
لأني سمعت رسول الله ﷺ يقول:
من مات لا يشرك بالله شيئاً دخل الجنة.
ثم أوصى أن يُدفن هناك.
ولم تمضِ أيام حتى فاضت روحه رضي الله عنه.
فحملوه كما أوصى، وساروا به حتى اقتربوا من أسوار القسطنطينية، ثم دفنوه هناك… في أرض المعركة التي جاء يجاهد فيها وهو شيخ كبير.
وبقي قبره معروفاً في ذلك المكان قروناً طويلة، حتى فتح المسلمون القسطنطينية بعد زمن بعيد، فأقاموا على قبره مسجداً كبيراً أصبح من أشهر معالم المدينة.
واليوم لا يزال قبره موجوداً في مدينة إسطنبول في المكان المعروف باسم مسجد أيوب سلطان.
وهكذا كانت حياة أبي أيوب الأنصاري:
رجل أكرمه الله بشرفين عظيمين
شرف ضيافة رسول الله ﷺ في بيته
وشرف الموت مجاهداً تحت أسوار القسطنطينية.
رحم الله أبا أيوب الأنصاري، فقد عاش عمره كله بين حب النبي والجهاد في سبيل الله.
ولو تأملنا قصته لوجدنا فيها درساً عظيماً… أن حب رسول الله ليس كلمات تُقال، بل أفعال وتضحيات ومواقف.
فإن أعجبتك هذه القصة العظيمة، فلا تجعلها تقف عندك…
انشرها بين الناس، وشاركها مع أهلك وأصدقائك، فربما تصل إلى قلبٍ فيزداد حباً لرسول الله ﷺ، ويكون ذلك سبباً في حسناتٍ لك لا تنقطع بإذن الله.
كانت الحياة تسير كعادتها… الأسواق مزدحمة، والناس منشغلون بأعمالهم، كل واحد منهم غارق في دنياه. منهم من يسعى للرزق بالحلال، ومنهم من لا يبالي من أين يأتي ماله أو ماذا يقول لسانه. كلمات تُقال في الخفاء، اتهامات تُرمى بها الأبرياء، وذنوب تُرتكب خلف الأبواب المغلقة، وكأن صاحبها يظن أن الليل يستر كل شيء، وأن ما يخفى عن أعين الناس لن يُكشف أبداً.
لكن الحقيقة التي أخبر الله بها أعظم من كل ظن. فليس في هذا الكون سرّ يضيع، ولا عمل يُنسى.
مرت الأيام سريعاً، وتبدلت الأعوام، حتى جاء ذلك اليوم العظيم… اليوم الذي يقف فيه الخلق جميعاً بين يدي الله رب العالمين. يوم تُنشر فيه الصحف، وتُكشف فيه الحقائق التي حاول الناس إخفاءها.
قال الله تعالى:
﴿يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ أَلْسِنَتُهُمْ وَأَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُم بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾.
في أرض المحشر، وقف الناس خاشعين خائفين، ينتظرون الحساب. لا مال ينفع، ولا منصب يشفع، ولا قوة تحمي. كل إنسان واقف مع عمله فقط.
ومن بين الخلق، جيء برجل كان في الدنيا يطلق لسانه في أعراض الناس، يقذف الأبرياء، وينشر الكذب والبهتان. كان يظن أن كلماته ستضيع مع الزمن، وأن أحداً لن يحاسبه عليها.
فلما وقف للحساب، فُتح كتاب أعماله، فإذا بكل كلمة قالها مسجلة، وكل افتراء نطق به محفوظاً. فارتبك الرجل وأنكر قائلاً:
يا رب، ما قلت شيئاً من هذا! إنهم يظلمونني!
وهنا وقع أمر عجيب لم يخطر له على بال.
أُغلق فمه فلم يعد يستطيع الكلام، وأُمرَت جوارحه أن تتكلم.
فنطق لسانه أولاً يشهد بما قال، ثم تكلمت يداه بما كتبت وأشارت، ثم تكلمت رجلاه بما مشت إليه من مجالس السوء.
كل عضو فيه صار شاهداً عليه.
وقف الرجل مذهولاً ينظر إلى أعضائه التي عاش بها في الدنيا، والتي كان يظن أنها ملكه وحده. فلما انتهت من شهادتها، عاد إليه الكلام، فصرخ فيها غاضباً:
كيف شهدتم عليّ؟!
لكن الحقيقة كانت أوضح من أن تُنكر… فالعدل الإلهي لا يظلم أحداً.
وفي مكان آخر من ذلك الموقف العظيم، كان هناك رجل مختلف تماماً. رجل عاش في الدنيا يحاسب نفسه قبل أن يُحاسب، ويحفظ لسانه من الأذى، ويجعل جوارحه في طاعة الله.
فلما جاء يوم القيامة، أُعطي كتابه بيمينه، فامتلأ قلبه طمأنينة. أعماله الصالحة تشهد له، وطاعاته ترفع درجته، وجوارحه التي حفظها في الدنيا أصبحت سبب نجاته في الآخرة.
هناك أدرك الناس جميعاً حقيقة كانوا يغفلون عنها:
أن الإنسان قد يختبئ من الناس… لكنه لا يستطيع أن يختبئ من الله.
أيها القارئ الكريم…
تذكر أن كل كلمة تقولها محفوظة، وكل خطوة تخطوها مكتوبة، وكل حركة من جوارحك ستُعرض عليك يوماً ما.
فاجعل لسانك شاهداً لك لا عليك، واجعل يديك في الخير، واجعل خطواتك تقودك إلى ما يرضي الله.
وإن شعرت أن هذه الكلمات لامست قلبك، فلا تجعلها تقف عندك.
انشر هذه القصة لعلها توقظ قلباً غافلاً، أو تذكّر إنساناً بالله، أو تكون سبباً في توبة شخص لم يكن يتذكر الآخرة.
فربما كلمة تصل إلى قلب إنسان…
فتكون سبب نجاته ونجاتك معه.
وقد قال النبي ﷺ:
"الدال على الخير كفاعله."
نسأل الله أن يجعل جوارحنا شاهدة لنا لا علينا، وأن يرزقنا حسن الخاتمة.
اللهم آمين.
كان في قرية هادئة شاب بسيط الحال يعيش مع أمه المسنّة في بيت صغير متواضع.
كان الشاب كثير التفكير في حاله، ودائم المقارنة بين حياته وحياة الآخرين. وفي إحدى الليالي قال لأمه بحزن:
يا أمي، لماذا نعيش هذه الحياة الصعبة؟
أنظر إلى الناس حولنا، بيوت واسعة وأموال كثيرة… أما نحن فلا نملك إلا القليل.
نظرت إليه أمه بعين مليئة بالحنان وقالت بهدوء:
يا بني، سأخبرك بسر إن التزمت به ستكسب شيئًا أعظم من المال.
تعجب الشاب وقال:
وما هو هذا السر؟
قالت الأم:
احرص دائمًا على ثلاثة أمور في حياتك:
أن يكون قلبك رحيمًا بالناس، وأن يكون كلامك صادقًا، وأن تمتد يدك بالخير لمن يحتاج.
ابتسم الشاب ابتسامة خفيفة وقال:
لكن يا أمي… هذه الأمور لا تجعل الإنسان غنيًا.
فقالت له بثقة:
بل تجعله أغنى الناس، لكن ليس بالمال… بل بالمكانة والمحبة.
مرت الأيام، وقرر الشاب أن يعمل بنصيحة أمه.
فصار يساعد جيرانه، ويقف مع المحتاج، ويقول الحق ولو كان صعبًا.
ومع مرور السنوات، صار أهل القرية يثقون به ثقة كبيرة.
إذا وقع خلاف بينهم ذهبوا إليه ليحكم بينهم.
وإذا احتاج أحد إلى عون، كان أول من يطرق بابه.
وذات يوم اجتمع كبار القرية وقالوا له:
لقد رأينا فيك أمانة وصدقًا ومحبة للناس، ولذلك نريدك أن تكون مسؤولًا عن شؤون القرية.
عاد الشاب إلى أمه والفرح يملأ قلبه، وقال لها:
الآن فقط فهمت كلامك يا أمي.
ابتسمت وسألته:
وماذا فهمت يا بني؟
قال:
فهمت أن الإنسان قد لا يملك بيتًا كبيرًا من الحجر…
لكن إذا عاش بالأخلاق الطيبة، بنى له الناس بيتًا في قلوبهم.
وهذا البيت لا ينهار أبدًا.
العبرة:
من زرع الخير في قلوب الناس، حصد محبتهم وذكرهم الطيب.
تسعة ذئاب حاصرت بيت امرأة مسنّة ولم تتحرك عن بابها تقريبًا لثلاثة أيام: كانت المرأة خائفة، لكن في اليوم الرابع فتحت الباب، ثم حدث شيء غير متوقع.
كان الصقيع شديدًا لدرجة أن الهواء بدا وكأنه يرن. في ليالٍ مثل هذه، الصمت ليس مجرد صمت — بل يضغط على آذانك ولا يتركك تنام. استيقظت المرأة المسنّة على هذا الرنين وفهمت على الفور: هناك شيء خطأ.
الكلب عند الباب لم يكن ينبح، ولا يئن، بل كان واقفًا كالحجر. شعر رقبته متشابك، ذيله منخفض، ونظرته ثابتة على نقطة واحدة.
تمسحت بحذر جزءًا صغيرًا من النافذة المثلجة بكفها ونظرت إلى الخارج. على الثلج، تحت ضوء القمر الباهت، وقفت أشكال داكنة. تسعة ذئاب. كبيرة، ساكنة. عيونها تتوهج بالنار الصفراء. لم تركض، لم تزمجر، ولم تتجه نحو الجدران. ببساطة، وقفت تراقب.
عاشت المرأة المسنّة في هذه البرية لسنوات عديدة. شاهدت عواصف ثلجية كسرت الأشجار، ورأت الدببة بالقرب من المخزن، لكن شيئًا مثل هذا لم يحدث أبدًا. الذئاب لم ترحل. في الصباح كانت لا تزال هناك. خلال النهار، كانت واقفة بجوار البيت مباشرة. في الليل اقتربت أكثر من الباب.
كانت تخاف من الخروج حتى لجلب الحطب. كانت تخشى ليس فقط البرد الذي يحرق رئتيها، بل العيون الصامتة. بدا أن خطوة واحدة كافية — وستقفز الوحوش. أغلقت النوافذ، وثبتت الباب، بالكاد نمت. أكلت قليلًا واستمعت لكل خشخشة.
لكن الذئاب لم تهاجم. لم تحاول تحطيم النوافذ، ولم تخدش بأظافرها، ولم تعوي عند العتبة. ببساطة، وقفت هناك بهدوء وصبر، بدون طعام أو ماء. لثلاثة أيام متتالية.
في اليوم الرابع، لم يعد الكلب قادرًا على التحمل. اندفع نحو الباب، وركض إلى الفناء، وهجم للدفاع عن صاحبته. لكنه وقع على الأرض على الفور. حدث كل شيء في لحظة. ارتفعت الثلوج، وسمع زمجرة خافتة.
في تلك اللحظة، تحول الخوف إلى غضب. فتحت المرأة المسنّة الباب وركضت إلى الفناء. وفي تلك اللحظة حدث شيء مروع.
أمسكت بالخشبة المشتعلة من الموقد وخرجت إلى الشرفة. ثم أخذت البندقية القديمة التي كانت تعود لزوجها وأطلقت النار في الهواء. دوّت الطلقة في التايغا.
لكن الذئاب لم تتفرق. لم تتحرك حتى. نظر قائد القطيع إليها بنفس الهدوء والتركيز. وعندها لاحظت شيئًا لم تراه من قبل.
أضلاعهم كانت بارزة تحت فروهم بوضوح. حركاتهم بطيئة. لم يكن هناك غضب في عيونهم — فقط إرهاق.
ابتعدت قليلًا ورأت ظلالًا صغيرة في الأدغال. عدة أشبال ذئاب، ملتفة معًا، بالكاد تقف على أرجلها.
وفي تلك اللحظة تراجع الخوف. أدركت أن الأمر لم يكن حصارًا، بل يأسًا. صقيع، جوع، وأيام طويلة بدون فريسة. بيتها كان آخر أمل لهم.
ببطء خفضت المرأة المسنّة البندقية. دخلت إلى الداخل، ووقفت طويلًا أمام الثلاجة، ثم فتحتها وأخرجت كل ما فيها: لحم، شحم، مرق متبقي، حتى آخر قطعة كانت تحتفظ بها للأسبوع.
أخذت الطعام إلى الخارج ورمته على الثلج.
لم تتسرع الذئاب في البداية. راقبت كما لو أنها لم تصدق. ثم تقدم أحدها، ثم آخر. خلال دقائق، لم يبقَ في الفناء سوى صوت طعام يتكسر تحت أقدامهم.
وقفت المرأة على الشرفة تراقبهم يأكلون. الكلب مستلقي إلى جانبها، حي لكنه مطرود في الثلج. رفع قائد القطيع رأسه ونظر إليها مرة أخرى. لم يعد هناك جوع في تلك النظرة، بل شيء آخر — تفاهم هادئ.
بعد أن انتهوا من الطعام، التفتت الذئاب واختفت في الغابة. الأشبال تبعوهم. لم يتبقَ سوى آثار أقدام على الثلج. لم يعودوا أبدًا.
بعد أن اختفت الذئاب، شعرت المرأة المسنّة بنوع من السكون لم تشهده منذ سنوات. الثلج تحت قدميها يلمع في ضوء القمر، والهدوء حولها كان شبه ساحر.
دخلت المنزل مرة أخرى، وجلست قرب الموقد لتدفئة يديها، لكنها لم تشعر بالخوف كما كان من قبل. قلبها كان خفيفًا، ووجدت نفسها تفكر في قوة الطبيعة، في غريزة البقاء، وفي صبر تلك المخلوقات.
في الأيام التالية، بدأت المرأة تلاحظ علامات صغيرة على حياتها: الطيور تعود إلى الفناء، أثر الأقدام في الثلج كان يختفي شيئًا فشيئًا، والشمس بدأت تعكس ضوءها الذهبي على الجليد المتناثر. شعرت بأن شيئًا ما تغير في نفسها — نوع من الاحترام العميق لكل كائن يعيش في هذه البرية، وفهم أعمق لمعنى الرحمة.
لم تعد تجمع الطعام على عجل أو تخاف من الأصوات في الغابة. عاشت كل يوم وكأنها قد تعلمت درسًا جديدًا: أن القوة ليست في الخوف، بل في التعاطف، وأن حتى أشرس المخلوقات يمكن أن تُظهر هدوءًا وامتنانًا إذا وُجدت الرحمة.
ومع مرور الشتاء، أصبح البيت محميًا أكثر من أي وقت مضى، ليس فقط من الصقيع والثلوج، بل من الوحدة والخوف. كانت المرأة المسنّة تعرف أن الحياة، مهما كانت صعبة، تحمل دومًا فرصة للتفاهم والسلام مع من حولنا — سواء كانوا بشرًا أو حيوانات.
وفي كل ليلة، قبل أن تنام، كانت تنظر من نافذتها إلى الغابة، وتبتسم وهي تتذكر تلك العيون الصفراء التي لم تحمل غضبًا، بل صبرًا وصدقًا — ذكرى لن تنساها أبدًا.
في السنة الثالثة للهجرة وبعد عام واحد من النصر العظيم الذي حققه المسلمون في غزوة بدر بدأت قريش تفكر بجدية في الانتقام واستعادة هيبتها بين قبائل العرب فقد كانت هزيمة بدر صدمة كبيرة لقريش حيث قتل فيها عدد من كبار قادتها وأشرافها ولذلك اجتمع زعماؤها في مكة واتفقوا على تجهيز جيش كبير يسير إلى المدينة المنورة لمحاربة المسلمين واستعادة مكانتهم
تولى أبو سفيان بن حرب قيادة هذا الجيش وجمعت قريش ما استطاعت من الرجال والسلاح حتى بلغ عدد الجيش نحو ثلاثة آلاف مقاتل وكان معهم مئتا فارس وسبعمائة درع كما خرجت معهم بعض نساء قريش وعلى رأسهن هند بنت عتبة ليقمن بتحريض المقاتلين وتذكيرهم بثأر قتلاهم في بدر
وصلت أخبار تحرك قريش إلى النبي صلى الله عليه وسلم في المدينة فجمع أصحابه واستشارهم في كيفية مواجهة هذا الجيش الكبير وكان رأي النبي صلى الله عليه وسلم أن يبقى المسلمون داخل المدينة ويتحصنوا بها فإذا دخل المشركون قاتلوهم في الأزقة والطرق الضيقة فيكون ذلك أشد عليهم لكن كثيراً من الصحابة وخاصة من لم يشهدوا غزوة بدر تمنوا الخروج لملاقاة العدو خارج المدينة رغبة في الجهاد ونيل الشهادة
بعد المشاورة لبس النبي صلى الله عليه وسلم درعه واستعد للخروج فلما رأى بعض الصحابة ذلك ندموا على إلحاحهم وقالوا يا رسول الله إن شئت فابق في المدينة فقال النبي صلى الله عليه وسلم إنه لا ينبغي لنبي إذا لبس لأمته أن يضعها حتى يحكم الله بينه وبين عدوه
خرج النبي صلى الله عليه وسلم في نحو ألف من أصحابه متجهين نحو جبل أحد الذي يقع شمال المدينة لكن في الطريق انسحب عبد الله بن أبي بن سلول زعيم المنافقين ومعه ثلاثمائة رجل فعادوا إلى المدينة بحجة أن النبي خالف رأيهم وبذلك بقي مع رسول الله صلى الله عليه وسلم نحو سبعمائة مقاتل
وصل المسلمون إلى سفح جبل أحد فرتب النبي صلى الله عليه وسلم الجيش ترتيباً حكيماً فجعل الجبل خلف ظهورهم حتى لا يهاجمهم العدو من الخلف ولا يلتف عليهم ثم اختار مكاناً مرتفعاً صغيراً على جانب الميدان يعرف بجبل الرماة وأمر خمسين من أمهر الرماة أن يصعدوا إليه بقيادة عبد الله بن جبير وأكد عليهم أمراً شديداً فقال لهم احموا ظهورنا بالنبال ولا تبرحوا مكانكم إن رأيتمونا ننتصر فلا تنزلوا وإن رأيتمونا نُهزم فلا تنزلوا حتى أرسل إليكم
بدأت المعركة بالمبارزات كما جرت عادة العرب في الحروب فخرج طلحة بن أبي طلحة حامل لواء قريش يتحدى المسلمين فبرز له علي بن أبي طالب رضي الله عنه فقتله فارتفعت معنويات المسلمين واشتد القتال بعد ذلك بين الفريقين
أظهر المسلمون شجاعة عظيمة في القتال وكان من أبرز الأبطال حمزة بن عبد المطلب عم رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي كان يقاتل قتال الأبطال فيضرب بسيفه في صفوف المشركين حتى أسقط عدداً كبيراً منهم كما حمل أبو دجانة الأنصاري سيف النبي صلى الله عليه وسلم وقاتل به قتالاً شديداً مخترقاً صفوف المشركين
لم يلبث جيش قريش أن بدأ يتراجع تحت ضربات المسلمين وبدأت صفوفهم تتفكك وولوا مدبرين تاركين وراءهم معسكرهم وأموالهم وعند ذلك ظن كثير من المسلمين أن المعركة انتهت وأن النصر قد تحقق فاندفع بعضهم نحو معسكر المشركين لجمع الغنائم
رأى الرماة الذين كانوا فوق الجبل ما يحدث في ساحة المعركة فقال أكثرهم لقد انتهت المعركة فلماذا نبقى هنا والغنائم أمامنا فذكرهم قائدهم عبد الله بن جبير بوصية النبي صلى الله عليه وسلم وأمرهم بالبقاء في أماكنهم لكن معظمهم ظن أن المعركة قد انتهت فنزلوا من الجبل ولم يبق مع قائدهم إلا عدد قليل
كان خالد بن الوليد يومها قائداً لفرسان قريش وكان يراقب الميدان بذكاء فلما رأى خلو الجبل من الرماة أدرك أن الفرصة قد سنحت فقاد فرسانه بسرعة والتف من خلف الجبل ثم هجم على من بقي من الرماة فقتلهم وانقض على المسلمين من الخلف
في اللحظة نفسها عاد المشركون الذين كانوا قد تراجعوا إلى القتال مرة أخرى فوجد المسلمون أنفسهم محاصرين بين هجومين من الأمام والخلف فتحولت المعركة فجأة من نصر واضح إلى موقف شديد الصعوبة
اشتد القتال حول رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصيب عدد من الصحابة الذين كانوا يدافعون عنه وأصيب النبي صلى الله عليه وسلم في وجهه الشريف وكسرت رباعيته وشج رأسه ودخلت حلقتان من المغفر في وجنته وسال الدم على وجهه وكان يمسحه ويقول كيف يفلح قوم خضبوا وجه نبيهم بالدم وهو يدعوهم إلى ربهم
وفي أثناء ذلك أشيع في ساحة المعركة أن النبي صلى الله عليه وسلم قد قتل فاضطرب بعض المسلمين وتفرقوا لكن جماعة من خيرة الصحابة ثبتوا حول رسول الله صلى الله عليه وسلم يدافعون عنه بكل شجاعة وكان منهم أبو بكر الصديق وعمر بن الخطاب وعلي بن أبي طالب وطلحة بن عبيد الله والزبير بن العوام وسعد بن أبي وقاص وغيرهم من الأبطال
وفي أثناء المعركة استشهد حمزة بن عبد المطلب رضي الله عنه بعدما رماه وحشي بن حرب بحربة فأصابته فاستشهد رضي الله عنه وكان ذلك من أشد المصائب على رسول الله صلى الله عليه وسلم
بعد اشتداد القتال تمكن النبي صلى الله عليه وسلم ومن معه من الصحابة من الصعود إلى مكان مرتفع في جبل أحد فاجتمع حوله المسلمون شيئاً فشيئاً وعندما رأت قريش أن المعركة قد انتهت وأن المسلمين لم يعودوا يقاتلون قررت العودة إلى مكة دون أن تتقدم نحو المدينة
بلغ عدد شهداء المسلمين في تلك المعركة سبعين شهيداً وكان منهم عدد من خيرة الصحابة وقد مثل بعض المشركين بجثث الشهداء فبقروا البطون وجدعوا الآذان والأنوف وكان ذلك من أفعال الجاهلية التي عرف بها المشركون في تلك الفترة
كانت غزوة أحد درساً عظيماً للمسلمين فقد تعلموا منها أن النصر لا يتحقق بالقوة وحدها بل بطاعة الله ورسوله والالتزام بالأوامر وعدم مخالفتها كما تعلموا أن مخالفة أمر واحد من أوامر النبي صلى الله عليه وسلم قد يغير مجرى المعركة كلها
وقد أنزل الله بعد هذه الغزوة آيات كثيرة من سورة آل عمران تشرح ما حدث وتبين حكمته وتربي المؤمنين على الصبر والطاعة والثبات وتذكرهم أن الابتلاء سنة من سنن الله ليميز الصادقين من غيرهم
إن قصة غزوة أحد ليست مجرد حدث تاريخي بل هي مدرسة عظيمة في الإيمان والصبر والطاعة وهي قصة تذكرنا دائماً أن النصر الحقيقي يكون مع الصدق مع الله والالتزام بأوامره مهما كانت الظروف
كان ثابت بن قيس الأنصاري من سادات الخزرج، ومن السابقين الأولين إلى الإسلام في يثرب. أسره القرآن الكريم بحلاوته وبلاغته، فانشرح له صدره، وانقاد له قلبه، بعد أن سمع دعوة مصعب بن عمير — ذلك الداعية المكي ذي الصوت الشجي — فآمن وصدق، وسارع إلى استقبال النبي صلى الله عليه وسلم وصاحبه أبي بكر حين قدما إلى المدينة، مع نخبة فرسان قومه، يُرحّب بهما أحسن ترحيب.
وقف ثابت بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم خطيبًا، فحمد الله وأثنى عليه، وصلّى على نبيه، ثم قال بكل صدق وإخلاص: "إنا نعاهدك يا رسول الله أن نمنعك مما نمنع منه أنفسنا وأولادنا ونساءنا. فما لنا مقابل ذلك؟"
فأجابه النبي صلى الله عليه وسلم: "الجنة."
فما سمع القوم هذا الجواب العظيم إلا وقد ارتسمت البهجة على وجوههم، وقالوا جميعًا: "رضينا يا رسول الله!"
ومنذ ذلك اليوم، صار ثابت من أبرز جنود النبي، بل جعله رسول الله صلى الله عليه وسلم خطيبه الرسمي، يُرسله لمناظرة الوفود العربية، ومجادلتهم بالحكمة والبيان.
وذات يوم، رآه النبي صلى الله عليه وسلم حزينًا كئيبًا، فسأله: "ما بك يا أبا محمد؟"
فأجاب: "يا رسول الله، أخشى أن أكون هلكت! إن الله ينهانا أن نحب أن نُحمَد بما لا نفعل، وأنا أحب أن يُثنى عليّ. وينهانا عن الخيلاء، وأنا أحب الجمال!"
فطمأنه النبي صلى الله عليه وسلم بقوله: "أما ترضى أن تعيش حميدًا، وتُقتل شهيدًا، وتدخل الجنة؟"
فاستبشر ثابت وقال: "بلى!"
فقال له النبي: "لك ذلك."
ولما نزلت الآية الكريمة:
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ...﴾
ظنّ ثابت أن عمله قد حبط، إذ كان صوته جهيرًا، كثيرًا ما يعلو على صوت النبي دون قصد. فاعتزل مجالس رسول الله، ولزم بيته، خشية أن يقع فيما نُهي عنه.
فافتقدَه النبي صلى الله عليه وسلم، وقال: "من يأتيني بخبره؟"
فذهب إليه رجل من الأنصار، فوجده في داره منكس الرأس، محزونًا، فقال له: "ما شأنك؟"
فأجاب: "شر! إني أخشى أن يكون عملي قد حبط، وأن أكون من أهل النار."
فرجع الرجل إلى النبي فأخبره، فأمره أن يعود إليه ويقول: "لست من أهل النار، بل أنت من أهل الجنة."
وفي حادثةٍ أخرى، جاء رجلٌ إلى النبي صلى الله عليه وسلم طالبًا ضيافة، فقال: "من يضيف هذا؟"
فقام ثابت فورًا وقال: "أنا."
ثم انطلق به إلى بيته، وقال لامرأته: "أكرمي ضيف رسول الله."
فقالت: "ما عندنا إلا قوت صبياننا."
فأمرها: "هيئي طعامك، وأطفئي السراج، ونمّي الصبية إذا أرادوا العشاء."
ففعلت، وأطفأت المصباح، وجعل الزوجان يتظاهران للأكل، بينما بقيا جائعين طوال الليل.
فلما أصبح، ذهب ثابت إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فقال له: "ضحك الله الليلة — أو عجب — من فعالكما."
وأنزل الله تعالى:
﴿وَيُؤْثِرُونَ عَلَىٰ أَنفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ...﴾
وقد بيّن أهل العلم أن "ضحك الله" هنا ليس كضحك المخلوقين، بل هو ضحك يليق بجلاله وعظمته، أو أنه مجازٌ يعبر عن رضاه ومحبته لفعلهما.
وفي حروب الردة، خرج ثابت أميرًا على جند الأنصار تحت قيادة خالد بن الوليد. وعند لقاء جيش مسيلمة الكذاب، سمع من المسلمين تنابزًا وتفاخرًا: أهل البادية يعيرون أهل الحضر، وأهل الحضر يعيرون أهل البادية، كلٌّ يدّعي أنه أشجع وأقوى.
فوقف ثابت وسط الجيش وقال بحزم: "يا معشر المسلمين، ما هكذا كنا نقاتل مع رسول الله! بئس ما عوّدتم أعداءكم من الجرأة، وبئس ما عوّدتم أنفسكم من التفرق والوهن!"
ثم رفع يديه وقال: "اللهم إني أبرأ إليك مما جاء به هؤلاء من الشرك (مسيلمة ومن تبعه)، وأبرأ إليك مما يصنع هؤلاء (المسلمون المتخاصمون)."
ثم انقضّ كالأسد على العدو، يقاتل بكل قوة، حتى سقط شهيدًا، محقّقًا بشرى رسول الله صلى الله عليه وسلم.
وبعد المعركة، رأى رجلٌ من المسلمين ثابتًا في المنام، فقال له: "لما قُتلت بالأمس، مرّ بي رجل من المسلمين — صفته كذا — فأخذ درعي النفيسة التي كنت ألبسها، ووضعها تحت قِدرٍ، وألقى فوقه رحلاً. فاذهب إلى خالد بن الوليد، فليطلبها. وإذا قدمت على خليفة رسول الله، فأخبره أن عليّ دَيْنًا كذا، ولي مالًا كذا، وفلان من رقيقي عتيق. ولا تقل: هذا حلم، فتضيعه."
فلما استيقظ، أخبر خالدًا، فوجد الدرع مكانها كما وُصف. ثم أبلغ أبو بكر الصديق، فأنفذ وصيته كاملة.
ولا يُعرف في الإسلام أن أحدًا أنجزت وصيته بعد موته بهذه الدقة، إلا ثابت بن قيس الأنصاري.
وأخيرًا:
أيها الأحبّة الكرام، بما أنكم وصلتم إلى ختام هذه السيرة العطرة، فقد أتممتم بفضل الله قراءة قصة بطلٍ من أبطال الإيمان، وخطيبٍ من خطباء النبوة. فإن أعجبتكم هذه الحكاية، فلا تبخلوا بمشاركتها مع غيركم؛ فربّ كلمة تُحيي قلبًا، أو تُلهِم نفسًا بالبذل والعطاء.
ولا تنسونا من دعوةٍ خالصة بظهر الغيب، ففيها خيرٌ كثير.
أدامكم الله ذُخرًا للأمة، وسببًا في نشر الخير، وحافظًا لتاريخنا المجيد.