ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله أمواتًا بل أحياء عند ربهم يرزقون
نزلت هذه الآية العظيمة في قلوب مكسورة، وأجساد مثخنة بالجراح، ودموع لم تجف بعد، نزلت بعد...
ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله أمواتًا بل أحياء عند ربهم يرزقون
نزلت هذه الآية العظيمة في قلوب مكسورة، وأجساد مثخنة بالجراح، ودموع لم تجف بعد، نزلت بعد أحد، حين ظن بعض الناس أن من قُتل قد انتهى أمره، وأن الموت أنهى قصته، فجاء الوحي ليقلب موازين النظر إلى الحياة والموت، ويقرر حقيقة لا تُدرك بالحواس، بل يُؤمن بها بالوحي، فقال الله تعالى: ﴿ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله أمواتًا بل أحياء عند ربهم يرزقون﴾.
كان الصحابة رضي الله عنهم يرون بأعينهم الأجساد المسجاة، والدماء التي لم تجف، والآباء الذين فقدوا، والأبناء الذين رحلوا، فخاطبهم القرآن خطاب تصحيح للعقيدة، لا خطاب تسلية عاطفية فقط، ليعلموا أن الشهادة ليست نهاية، بل بداية حياة أكرم وأعلى، حياة عند رب العالمين.
أخبر الله أن هؤلاء الذين قُتلوا في سبيله أحياء، لا حياة الدنيا التي نعرفها، بل حياة برزخية حقيقية، حياة رزق ونعيم وفرح، كما قال: ﴿فرحين بما آتاهم الله من فضله﴾، ففرحهم ليس وهمًا، بل حقيقة، لأنهم رأوا ما وعدهم الله به، ورأوا صدق قوله، وعرفوا أن الدم الذي سُفك لم يذهب هدرًا.
وبيّن النبي ﷺ هذه الحياة بيانًا شافيًا لا يدع مجالًا للظن، ففي الحديث الصحيح الذي رواه مسلم عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه، قال: سألنا عن هذه الآية، فقال النبي ﷺ: «أرواحهم في جوف طير خضر لها قناديل معلقة بالعرش، تسرح من الجنة حيث شاءت، ثم تأوي إلى تلك القناديل، فاطلع إليهم ربهم اطلاعة فقال: هل تشتهون شيئًا؟ قالوا: أي شيء نشتهي ونحن نسرح من الجنة حيث شئنا؟ فلما رأوا أنهم لن يُتركوا من أن يُسألوا قالوا: نريد أن تُرد أرواحنا في أجسادنا حتى نُقتل في سبيلك مرة أخرى، فلما رأى أنه ليس لهم حاجة تُركوا».
وهذا الحديث يقرر أن الشهداء بلغوا من النعيم درجة جعلتهم يتمنون الرجوع إلى الدنيا لا لعيشها، بل للموت فيها مرة أخرى في سبيل الله، لما رأوا من فضل الشهادة، وهذا المعنى أكده النبي ﷺ في الحديث المتفق عليه: «ما من نفس تموت لها عند الله خير يسرها أن ترجع إلى الدنيا إلا الشهيد، فإنه يسره أن يرجع فيُقتل مرة أخرى لما يرى من فضل الشهادة».
وكان من أظهر الشواهد العملية على هذه الآية قصة عبد الله بن عمرو بن حرام رضي الله عنه، والد جابر بن عبد الله، الذي استشهد يوم أحد، فحزن عليه ابنه حزنًا شديدًا، فجاءه النبي ﷺ يواسيه بوحي من الله، وقال له كما في الحديث الصحيح: «يا جابر، ما كلم الله أحدًا إلا من وراء حجاب، وكلم أباك كفاحًا، فقال له: تمنَّ عليّ أُعطك، فقال: يا رب، أردني إلى الدنيا فأُقتل فيك مرة أخرى، فقال الله: إنه قد سبق مني أنهم إليها لا يرجعون».
وفي رواية أخرى صحيحة أن الله قال له: سلني أُعطك، فطلب الرجوع للشهادة مرة ثانية، لا لشيء إلا لأنه رأى حقيقة ما وعد الله به المجاهدين، فكان هذا الحديث تفسيرًا عمليًا لمعنى ﴿أحياء عند ربهم يرزقون﴾.
ولم تكن هذه المنزلة خاصة بفرد أو اثنين، بل هي عامة لكل من صدق في جهاده، وأخلص نيته لله، فقد روى الإمام أحمد بسند صحيح عن ابن عباس رضي الله عنهما أن النبي ﷺ قال: «لما أُصيب إخوانكم بأحد جعل الله أرواحهم في أجواف طير خضر، ترد أنهار الجنة، وتأكل من ثمارها، وتأوي إلى قناديل من ذهب في ظل العرش».
ولما ذاقوا هذا النعيم قالوا: يا ليت إخواننا الذين في الدنيا يعلمون ما نحن فيه، حتى لا يزهدوا في الجهاد ولا ينكلوا عنه، فأخبر الله نبيه بحالهم، وأنزل هذه الآيات لتكون رسالة إلى الأحياء، أن طريق التضحية لا ينتهي بالخسارة، بل ينتهي بالحياة الحقيقية.
ثم وسّع الله المعنى فقال: ﴿ويستبشرون بالذين لم يلحقوا بهم من خلفهم ألا خوف عليهم ولا هم يحزنون﴾، فهم يفرحون بمن سيلحق بهم من إخوانهم، ويُبشَّرون بأن من يسير على دربهم لا خوف عليه مما هو آت، ولا حزن على ما فات، لأن الله لا يضيع أجر المؤمنين.
وهذا الوعد ليس حكرًا على شهداء أحد فقط، وإن كانت الآيات نزلت فيهم ابتداءً، بل هو قانون إلهي عام، كما قال أهل التفسير، فكل من قُتل في سبيل الله داخل في هذا الفضل، على قدر صدقه وإخلاصه، والله أعلم بنياته.
ثم جاءت الآيات بعدها تربط بين الشهادة والثبات، وبين الجراح والطاعة، فقال تعالى: ﴿الذين استجابوا لله والرسول من بعد ما أصابهم القرح﴾، فبعد أحد، وبعد الألم، وبعد النزف، لبّى المؤمنون النداء، وخرجوا في غزوة حمراء الأسد، ليعلموا ويُعلِموا أن الجراح لا تقتل الإيمان، وأن الخوف لا يُسقط التوكل.
وقال الله عنهم: ﴿الذين قال لهم الناس إن الناس قد جمعوا لكم فاخشوهم فزادهم إيمانًا وقالوا حسبنا الله ونعم الوكيل﴾، وهي الكلمة التي قالها إبراهيم عليه السلام وهو يُلقى في النار، وقالها محمد ﷺ وهو يواجه تهديد الأعداء، فكانت كلمة توحيد وثقة وتسليم.
فانقلبوا بنعمة من الله وفضل لم يمسسهم سوء، لأن من كان الله حسبه فلا يضره أحد، ومن كان الله وكيله فلا يُخذل، ومن صدق مع الله صدق الله معه.
وهكذا يربط القرآن بين الشهادة والحياة، وبين الموت الظاهري والبقاء الحقيقي، ليصحح مفهوم الإنسان عن الخسارة والربح، فليس كل من عاش حيًا، ولا كل من مات ميتًا، بل الحياة حياة القلوب، والموت موت القلوب، قال تعالى: ﴿أو من كان ميتًا فأحييناه وجعلنا له نورًا يمشي به في الناس﴾.
إن آية ﴿ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله أمواتًا﴾ ليست آية حماس مجردة، بل أصل عقدي عظيم، يثبت الإيمان بالبرزخ، ويؤكد عدل الله، ويُطمئن القلوب أن الدماء التي سُفكت في سبيل الحق محفوظة عند الله، وأن أصحابها في كرامة لا يعلم حقيقتها إلا الله.
كان فيمن كان قبلنا رجل غلبت عليه شهواته، واستحوذ عليه الشيطان، فارتكب أعظم الجرائم، إذ قتل نفساً بغير حق، ثم لم يزل به الهوى حتى قتل أخرى، ثم أخرى، حتى بلغ عدد من قتلهم تسعة وتسعين نفساً، وهو عدد عظيم يثير الفزع، ويجعل المرء يظن أن باب التوبة قد أُغلق دونه، وأنه قد صار من أهل الهلاك الذين لا رجعة لهم. ومع ذلك، فإن رحمة الله أوسع من الذنوب، وباب التوبة مفتوح لا يُغلق حتى تطلع الشمس من مغربها أو تبلغ الروح الحلقوم.
أحس الرجل بثقل ما اقترف، وهاجت في قلبه رغبة في أن يعرف هل له من توبة، فسأل عن أعلم أهل الأرض، فدُل على راهبٍ عاكفٍ على العبادة، قليل العلم، كثير الانقطاع، فأتاه وقال له: إنه قتل تسعة وتسعين نفساً، فهل له من توبة؟ فقال الراهب: لا. فاشتد غضب الرجل، إذ شعر أن باب الرحمة قد سُدّ في وجهه، فقتله، فكمل به مئة نفس.
ثم لم يزل في قلبه بقية من نور، فبحث مرة أخرى عن أعلم أهل الأرض، فدُل على رجل عالم، فأتاه وقال: إنه قتل مئة نفس، فهل له من توبة؟ فقال العالم: نعم، ومن يحول بينك وبين التوبة؟ إن الله يقول: {قل يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله إن الله يغفر الذنوب جميعاً إنه هو الغفور الرحيم} [الزمر: 53]. ثم قال له: انطلق إلى أرض كذا وكذا، فإن بها أناساً يعبدون الله، فاعبد الله معهم، ولا ترجع إلى أرضك فإنها أرض سوء.
فانطلق الرجل، وقد امتلأ قلبه رجاءً، واشتعلت في نفسه رغبة صادقة في التوبة، وترك أرضه التي كانت مأوى الشر والفساد، وسار نحو الأرض الصالحة التي فيها قوم يعبدون الله. وفي منتصف الطريق أدركه الموت، فاختصمت فيه ملائكة الرحمة وملائكة العذاب، فقالت ملائكة الرحمة: جاء تائباً مقبلاً بقلبه إلى الله، وقالت ملائكة العذاب: إنه لم يعمل خيراً قط. فأتاهم ملك في صورة آدمي، فجعلوه بينهم حكماً، فقال: قيسوا ما بين الأرضين، فإلى أيتهما كان أقرب فهو له. فقاسوا فوجدوه أقرب إلى الأرض التي أرادها، فقبضته ملائكة الرحمة.
وفي رواية أخرى أن الله أمر الأرض التي قصدها أن تقترب، وأمر الأرض التي خرج منها أن تبتعد، فصار أقرب إلى أرض الصالحين، فغفر الله له وقبضته ملائكة الرحمة.
هذه القصة العظيمة تعلمنا أن باب التوبة مفتوح مهما عظمت الذنوب، وأن الله لا يرد من جاءه صادقاً، وأن الإخلاص في التوبة والعمل الصالح يغيّر مصير الإنسان، حتى لو لم يُمهل ليعمل كثيراً، فإن نيته الصادقة تُبلغه رحمة الله. قال النبي صلى الله عليه وسلم: (التوبة تهدم ما كان قبلها) رواه مسلم. وقال أيضاً: (إن الله يبسط يده بالليل ليتوب مسيء النهار، ويبسط يده بالنهار ليتوب مسيء الليل، حتى تطلع الشمس من مغربها) رواه مسلم.
وفي هذه القصة عبرة عظيمة، أن العلم هو الذي يهدي الناس إلى الحق، وأن العبادة بلا علم قد توقع صاحبها في الخطأ، كما وقع للراهب حين أفتى بغير علم، فكان سبباً في قتل نفسه، بينما العالم الذي عرف رحمة الله ووسع علمه بكتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، دلّ الرجل على الطريق الصحيح، فكان سبباً في نجاته.
كما أن القصة تبين أن البيئة لها أثر عظيم في صلاح الإنسان أو فساده، فالرجل أُمر أن يترك أرضه لأنها أرض سوء، وأن يذهب إلى أرض فيها قوم صالحون، لأن الصحبة الصالحة والبيئة الطيبة تعين على الطاعة وتثبت على الحق، قال النبي صلى الله عليه وسلم: (مثل الجليس الصالح والجليس السوء كحامل المسك ونافخ الكير) رواه البخاري ومسلم.
وفيها أيضاً أن الله ينظر إلى القلوب والنيات، لا إلى الصور والأعمال الظاهرة، فقد مات الرجل في الطريق ولم يعمل خيراً كثيراً، لكنه قصد بصدق أن يتوب ويغير حياته، فغفر الله له وقبضته ملائكة الرحمة، قال النبي صلى الله عليه وسلم: (إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرئ ما نوى) رواه البخاري ومسلم.
وهكذا يظهر أن رحمة الله أعظم من الذنوب، وأن التوبة الصادقة تجبّ ما قبلها، وأن الإنسان مهما أسرف على نفسه، فإن باب الله مفتوح، وأنه لا ينبغي لأحد أن يقنط من رحمة الله، ولا أن يظن أن ذنوبه أكبر من مغفرة الله، قال تعالى: {إن ربك واسع المغفرة} [النجم: 32].
أيها القارئ الكريم، هذه القصة النبوية الصحيحة تذكّرنا أن لا نيأس من رحمة الله، وأن نعود إليه في كل حال، وأن نصدق في توبتنا، وأن نحرص على صحبة الصالحين والبيئة الطيبة، وأن نطلب العلم الذي يهدي إلى الحق، فإن العلم هو النور الذي يضيء الطريق، والعبادة بلا علم قد تضل صاحبها.
كان شعيب عليه السلام نبيًا من أنبياء الله الذين بعثهم رحمةً للعالمين، وداعيًا إلى التوحيد والعدل، قائمًا بالحجة، صابرًا على الأذى، ثابتًا على الحق، وقد اختلف أهل العلم في نسبه، إلا أن الثابت الذي لا خلاف فيه أنه نبي مرسل ذكره الله في كتابه الكريم في مواضع متعددة، مقرونًا بدعوة واضحة إلى عبادة الله وحده، وإقامة العدل في المعاملات، ونبذ الظلم والفساد في الأرض.
بعث الله شعيبًا عليه السلام إلى قومٍ اشتهروا بالكفر والطغيان، وهم أهل مدين وأصحاب الأيكة، وكانوا قوم تجارة وزراعة، قد وسّع الله عليهم في الرزق، وبسط لهم في العيش، ولكنهم بدلوا نعمة الله كفرًا، فعبدوا غيره، وبخسوا الناس أشياءهم، ونقصوا المكيال والميزان، وقطعوا الطريق، وأفسدوا في الأرض بعد إصلاحها.
وقف شعيب عليه السلام في قومه موقف الناصح الأمين، فدعاهم دعوة الرسل جميعًا، كما قال الله تعالى:
﴿وَإِلَىٰ مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْبًا قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُم مِّنْ إِلَٰهٍ غَيْرُهُ﴾.
ثم قرن التوحيد بالعدل، لأن فساد العقيدة يجر فساد السلوك، فقال محذرًا ومنذرًا:
﴿وَلَا تَنقُصُوا الْمِكْيَالَ وَالْمِيزَانَ إِنِّي أَرَاكُم بِخَيْرٍ وَإِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ مُّحِيطٍ﴾.
كان شعيب عليه السلام يخاطب عقولهم وقلوبهم، يذكّرهم بنعم الله، ويخوفهم من زوالها، ويبين لهم أن العدل سبب البركة، وأن الظلم سبب الهلاك، فقال كما أخبر الله:
﴿وَيَا قَوْمِ أَوْفُوا الْمِكْيَالَ وَالْمِيزَانَ بِالْقِسْطِ وَلَا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ﴾.
لكن قومه قابلوه بالاستهزاء والتكذيب، واتهموه بالضعف، وسخروا من صلاته ودعوته، وقالوا كما نقل القرآن:
﴿قَالُوا يَا شُعَيْبُ أَصَلَاتُكَ تَأْمُرُكَ أَن نَّتْرُكَ مَا يَعْبُدُ آبَاؤُنَا أَوْ أَن نَّفْعَلَ فِي أَمْوَالِنَا مَا نَشَاءُ﴾.
فكان رد شعيب رد الواثق بربه، العالم بغاية دعوته، فقال:
﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ﴾.
ازداد القوم عنادًا، وتمادوا في طغيانهم، وهددوه بالإخراج والرجم، وقالوا له ومن آمن معه:
﴿لَنُخْرِجَنَّكَ يَا شُعَيْبُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَكَ مِن قَرْيَتِنَا أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنَا﴾.
فثبت شعيب عليه السلام، وتبرأ من ملتهم، وتوكل على الله، وقال كلمته الخالدة:
﴿قَدِ افْتَرَيْنَا عَلَى اللَّهِ كَذِبًا إِنْ عُدْنَا فِي مِلَّتِكُم بَعْدَ إِذْ نَجَّانَا اللَّهُ مِنْهَا﴾.
ولما طال كفرهم، وأصروا على ظلمهم، ولم تنفع معهم موعظة ولا تذكرة، جاء أمر الله بالعذاب، بعد أن أنجى شعيبًا والذين آمنوا معه برحمة منه.
أما أهل مدين فقد أخذتهم الرجفة، وهي الزلزلة الشديدة، فهلكوا في ديارهم، كما قال الله تعالى:
﴿فَأَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ فَأَصْبَحُوا فِي دَارِهِمْ جَاثِمِينَ﴾.
وأما أصحاب الأيكة، وهم قوم آخرون كانوا يقطنون بين الأشجار الملتفة، فقد كان عذابهم مختلفًا، عذابًا يناسب جرمهم، إذ بعث الله عليهم حرًّا شديدًا لا يطاق، حتى خرجوا من بيوتهم يطلبون الظل والراحة، فرأوا سحابة أظلتهم، ففرحوا بها، واجتمعوا تحتها، رجاء بردها، فإذا بها عذاب من السماء، أمطرت عليهم نارًا، فهلكوا عن آخرهم، كما قال الله تعالى:
﴿فَأَخَذَهُمْ عَذَابُ يَوْمِ الظُّلَّةِ إِنَّهُ كَانَ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾.
وكان في ذلك عبرة عظيمة، أن النعم إذا لم تُشكر انقلبت نقمًا، وأن الاستدراج قد يكون مقدمة للهلاك، وأن الله يمهل ولا يهمل، وأن دعوة الأنبياء واحدة في أصلها، تقوم على توحيد الله، وإقامة العدل، وصيانة الحقوق.
وقد أثنى النبي ﷺ على شعيب عليه السلام، وسمّاه “خطيب الأنبياء” لما أوتي من فصاحة البيان، وحسن المراجعة لقومه، وقوة الحجة مع لين الأسلوب، وكل ذلك ثابت في كتب السيرة والتفسير المعتبرة، دون غلو ولا تجاوز لما صح وثبت.
إن قصة شعيب عليه السلام ليست قصة قوم مضوا فحسب، بل هي مرآة تتكرر في كل زمان، في كل أمة يكثر فيها الغش، ويُحتقر فيها الحق، ويُسخَر من الدعوة إلى العدل، وهي تحذير شديد من التلاعب بأموال الناس، ومن فصل العبادة عن الأخلاق والمعاملات، فإن الصلاة التي لا تنهى عن الظلم لا تنفع صاحبها، والتجارة التي تقوم على الغش سبب للخراب ولو كثرت أرباحها.
هذه القصة كما وردت في القرآن الكريم، وكما بيّنها أهل العلم الثقات، تعلمنا أن النجاة في اتباع أمر الله، وأن الهلاك في مخالفة شرعه، وأن الله ناصر رسله ولو بعد حين، وأن العاقبة دائمًا للمتقين.
وإلى القارئ الكريم، إن كان لديك سؤال ديني، أو شبهة تحب أن نناقشها، أو موضوع يخص ديننا الحنيف تحب أن نتطرق إليه بالقرآن والسنة الصحيحة فقط، فلا تتردد في إخبارنا، وسنسعى لطرحه وبيانه في منشوراتنا القادمة بإذن الله، وشارك هذا المنشور لتعم الفائدة، فالدال على الخير كفاعله، والله أعلم، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى جميع الأنبياء والمرسلين.
أحد الأعضاء سأل: هل يسمع الميت ما نقول له عند زيارة قبره؟
أحبتي في الله، وفق القرآن الكريم والسنة النبوية الصحيحة، الميت يعيش بعد وفاته في عالم البرزخ، وهو عالم مستقل عن الدنيا، مفصول عن حياتنا ومقدوراته فيها. لذلك، الميت لا يسمع كلامنا بحواس الحياة الدنيا، ولا يقدر على الرد أو التفاعل معنا بالطريقة التي نفعلها نحن.
ولكن النبي ﷺ علمنا أن زيارة القبور والدعاء للميت من أجمل الأعمال التي تقربه إلى الله وتخفف عنه ما أصابه من هم وغم، فقال ﷺ: «إذا وضعتموهم في قبورهم، فقولوا لهم: السلام عليكم أهل الديار من المؤمنين، وإنا إن شاء الله بكم لاحقون» (رواه الترمذي وقال حديث حسن).
وهذا لا يعني أن الميت يسمع كالحياة الدنيا، بل التحية والدعاء تصل إليه روحانيًا بحسب علم الله وحكمته، والفضل يعود للميت في رفع درجاته وتطهيره من الذنوب، ومنح الراحة والسكينة لقلبه، والله أعلم بما يصل إليه وما لا يصل.
أيها الأحبة، زيارة القبور والتسليم على الموتى والدعاء لهم ليست ترفًا، بل هي عبادة محبوبة إلى الله، وذِكر للآخرة لنا نحن الأحياء، فهي تذكرنا بأن الموت قادم، وأن حياتنا الدنيا محدودة، وأننا مسؤولون عن أعمالنا أمام الله.
عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "خَلَقَ اللَّهُ الْمَلائِكَةَ مِنْ نُورٍ، وَخَلَقَ الْجَانَّ مِنْ مَارِجٍ مِنْ نَارٍ، وَخَلَقَ آدَمَ مِمَّا وُصِفَ لَكُمْ" [رواه مسلم].
خلق الله الملائكة لحكمة عظيمة، فهم عباد مكرمون لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون [التحريم: 6]. قال تعالى: {بَلْ عِبَادٌ مُكْرَمُونَ * لَا يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ وَهُمْ بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ} [الأنبياء: 26-27]. فهم معصومون من الخطأ والمعصية، لا تأكل ولا تشرب ولا تنكح، قوتهم التسبيح ليلاً ونهاراً لا يفترون [الأنبياء: 20] .
وخلقهم الله لأعمال عظيمة موكلة إليهم، فمنهم أشهر الملائكة الذين يعرفهم المؤمنون :
جبريل عليه السلام: وهو الروح الأمين، الموكل بالوحي ينزل به على الأنبياء، قال تعالى: {نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ * عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ} [الشعراء: 193-194].
ميكائيل عليه السلام: الموكل بالمطر والقطر وتصاريفه، يقسمه بأمر الله حيث شاء .
إسرافيل عليه السلام: الموكل بالنفخ في الصور، ينتظر أمر ربه لينفخ نفخة الفزع ثم نفخة الصعق ثم نفخة البعث .
ملك الموت عليه السلام: الموكل بقبض الأرواح عند انتهاء الآجال، قال تعالى: {قُلْ يَتَوَفَّاكُمْ مَلَكُ الْمَوْتِ الَّذِي وُكِّلَ بِكُمْ} [السجدة: 11]، ولم يثبت تسميته بعزرائيل في الكتاب والسنة .
مالك عليه السلام: خازن النار، قال تعالى: {وَنَادَوْا يَا مَالِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنَا رَبُّكَ قَالَ إِنَّكُمْ مَاكِثُونَ} [الزخرف: 77].
رضوان عليه السلام: خازن الجنة، الموكل بأهل الجنة وكرامتهم .
منكر ونكير عليهما السلام: الموكلان بسؤال الميت في قبره، وهما اللذان يجيئان للعبد إذا وضع في قبره وتولى عنه أصحابه فيجلسانه ويسألانه [رواه البخاري ومسلم] .
الكرام الكاتبون: الحفظة الذين يكتبون أعمال العباد، قال تعالى: {وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحَافِظِينَ * كِرَامًا كَاتِبِينَ * يَعْلَمُونَ مَا تَفْعَلُونَ} [الانفطار: 10-12].
حملة العرش: وهم ثمانية يحملون عرش الرحمن، قال تعالى: {وَيَحْمِلُ عَرْشَ رَبِّكَ فَوْقَهُمْ يَوْمَئِذٍ ثَمَانِيَةٌ} [الحاقة: 17] .
وأما ما يسأل عنه الناس من قصة هاروت وماروت عليهما السلام، فقد ذكر الله في كتابه: {وَمَا أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ بِبَابِلَ هَارُوتَ وَمَارُوتَ وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّى يَقُولَا إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلَا تَكْفُرْ} [البقرة: 102] .
فهم ملكان من الملائكة الكرام، أُنزلا في أرض بابل ابتلاءً وامتحاناً من الله لعباده، يعلمان الناس السحر بإذن الله، ولكن قبل أن يعلما أحداً يقولان له: "إنما نحن فتنة فلا تكفر"، أي نحن ابتلاء من الله لك، فتعلم هذا السحر كفر وضلال، فلا تتعلمه فتكفر . فكان تعليمهما مع التحذير والتنبيه، حتى لا يكون للناس حجة على الله، وليميز الله الخبيث من الطيب . وهذا من تمام عدل الله، فلا يعذب أحداً إلا بعد إقامة الحجة عليه.
وكل ما يروى عن هذين الملكين من قصص فيها ذنب أو معصية أو نزول بسبب خطيئة، فهذا كله من الإسرائيليات التي لا تصح، ولا تثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم، وهي تخالف ما ثبت في القرآن من عصمة الملائكة وطهارتهم . قال ابن كثير رحمه الله: "وحاصلها راجع في تفصيلها إلى أخبار بني إسرائيل، إذ ليس فيها حديث مرفوع صحيح متصل الإسناد إلى الصادق المصدوق المعصوم" [تفسير ابن كثير] .
قال الحافظ ابن كثير: وظاهر سياق القرآن إجمال القصة من غير بسط ولا إطناب فيها، فنحن نؤمن بما ورد في القرآن على ما أراده الله تعالى .
الملائكة أجسام لطيفة نورانية، لها قدرة على التشكل بأشكال مختلفة، وهي مخلوقات كثيرة لا يحصي عددهم إلا الله، وفي السماء الدنيا ما فيها موضع أربع أصابع إلا وعليه ملك ساجد أو راكع [رواه الترمذي وصححه الألباني] .
اللهم اجعلنا ممن تحبهم وتحبهم، وتجمعنا بنبيك محمد صلى الله عليه وسلم في الفردوس الأعلى مع الملائكة المقربين. لا تنسوا نشر هذه القصة لتعم الفائدة وليعلم الناس قدر الملائكة الكرام البررة.
عن البراء بن عازب رضي الله عنهما قال: خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في جنازة رجل من الأنصار، فانتهينا إلى القبر ولما يلحد، فجلس رسول الله صلى الله عليه وسلم وجلسنا حوله كأن على رؤوسنا الطير، وفي يده عود ينكت في الأرض، فرفع رأسه فقال: "استعيذوا بالله من عذاب القبر" مرتين أو ثلاثاً [رواه البخاري]. ثم حدثنا عن تلك اللحظات العصيبة التي تبدأ حين يأتي أمر الله بقبض الروح.
تبدأ القصة قبل ذلك، حين يحين الأجل الذي كتبه الله على كل نفس، قال تعالى: {كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ} [آل عمران: 185]. وفي تلك اللحظات، تأتي سكرات الموت بالحق، قال تعالى: {وَجَاءَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ ذَلِكَ مَا كُنْتَ مِنْهُ تَحِيدُ} [ق: 19] . وقد أخبر النبي صلى الله عليه وسلم أن للموت سكرات، كما قالت عائشة رضي الله عنها: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان بين يديه ركوة فيها ماء، فجعل يدخل يديه في الماء فيمسح بهما وجهه ويقول: "لا إله إلا الله، إن للموت سكرات" [رواه البخاري] .
وتبدأ السكرات من القدمين، فإذا جاء ملك الموت لقبض الروح، بدأ بشل الرجلين حتى لا يفر العبد مما سيشاهده من الأهوال، فلا يقدر على الهرب ولا الحراك . ثم تبدأ الحرارة تفارق الجسد من الأسفل إلى الأعلى، فتبرد القدمان أولاً، ثم الساقان، ثم الفخذان، ولكل عضو سكرة بعد سكرة وكربة بعد كربة . وفي تلك اللحظات، تكشف الغشاوة عن العبد فيرى الحقيقة بعينيه، قال تعالى: {لَّقَدْ كُنتَ فِي غَفْلَةٍ مِّنْ هَٰذَا فَكَشَفْنَا عَنكَ غِطَاءَكَ فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ} [ق: 22] . فيرى الملائكة ويرى منزلته في الآخرة، فلا تبقى له حجة ولا شك.
ثم إذا بلغت النفس التراقي، وهي عظام أعلى الصدر قرب الحلقوم، اشتد الكرب وتدلى الفك، قال تعالى: {كَلَّا إِذَا بَلَغَتِ التَّرَاقِيَ * وَقِيلَ مَنْ رَاقٍ * وَظَنَّ أَنَّهُ الْفِرَاقُ * وَالْتَفَّتِ السَّاقُ بِالسَّاقِ * إِلَى رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ الْمَسَاقُ} [القيامة: 26-30] . وعند ذلك، يرى المحتضر ما لا يراه الحاضرون.
عن البراء بن عازب رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إن العبد المؤمن إذا كان في انقطاع من الدنيا وإقبال من الآخرة، نزل إليه ملائكة من السماء بيض الوجوه كأن وجوههم الشمس، معهم كفن من أكفان الجنة وحنوط من حنوط الجنة، حتى يجلسوا منه مد البصر، ثم يجيء ملك الموت عليه السلام حتى يجلس عند رأسه فيقول: أيتها النفس الطيبة، اخرجي إلى مغفرة من الله ورضوان. قال: فتخرج تسيل كما تسيل القطرة من في السقاء، فيأخذها، فإذا أخذها لم يدعوها في يده طرفة عين حتى يأخذوها فيجعلوها في ذلك الكفن وفي ذلك الحنوط، ويخرج منها كأطيب نفحة مسك وجدت على وجه الأرض" [رواه أحمد وصححه الألباني] .
وأما العبد الكافر، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "وإن العبد الكافر إذا كان في انقطاع من الدنيا وإقبال من الآخرة، نزل إليه من السماء ملائكة سود الوجوه معهم المسوح، فيجلسون منه مد البصر، ثم يجيء ملك الموت حتى يجلس عند رأسه فيقول: أيتها النفس الخبيثة، اخرجي إلى سخط من الله وغضب. قال: فتفرق في جسده فينتزعها كما ينتزع السفود من الصوف المبلول، فيأخذها، فإذا أخذها لم يدعوها في يده طرفة عين حتى يجعلوها في تلك المسوح، ويخرج منها كأنتن ريح جيفة وجدت على وجه الأرض" [رواه أحمد وصححه الألباني] ، وقال تعالى: {وَلَوْ تَرَى إِذْ يَتَوَفَّى الَّذِينَ كَفَرُوا الْمَلَائِكَةُ يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبَارَهُمْ وَذُوقُوا عَذَابَ الْحَرِيقِ} [الأنفال: 50] .
وبعد أن تقبض الروح، يحمل الناس الجنازة على الأعناق. أما المؤمن فتقول روحه: "قدموني قدموني"، أي عجلوا بي إلى ربي وما أعد لي من الكرامة، وأما الكافر فتقول روحه: "يا ويلي أين تذهبون بي؟" تعلم ما ينتظرها من عذاب [ورد معناه في حديث أبي سعيد الخدري رواه أحمد والنسائي وصححه ابن حبان] .
فإذا وضع الميت في قبره وولي عنه أصحابه، إنه ليسمع قرع نعالهم حين يذهبون [رواه البخاري ومسلم] . ثم يأتيه ملكان فيجلسانه ويقولان له: من ربك؟ ما دينك؟ من نبيك؟ فيثبت الله الذين آمنوا بالقول الثابت. أما المؤمن فيقول: ربي الله، وديني الإسلام، ونبيي محمد صلى الله عليه وسلم، فينادي مناد من السماء: أن صدق عبدي، ويفسح له في قبره مد بصره، ويفتح له باب إلى الجنة فيأتيه من روحها وطيبها [السلسلة الصحيحة] . وأما المنافق والكافر فيقولان له: من ربك؟ فيقول: هاه هاه لا أدري، سمعت الناس يقولون شيئاً فقلته، فينادي مناد من السماء: أن كذب عبدي، ويضيق عليه قبره حتى تختلف أضلاعه، ويفتح له باب إلى النار فيأتيه من حرها وسمومها [السلسلة الصحيحة] ، قال تعالى: {يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ وَيُضِلُّ اللَّهُ الظَّالِمِينَ وَيَفْعَلُ اللَّهُ مَا يَشَاءُ} [إبراهيم: 27] .
ثم يعرض على الميت مقعده بالغداة والعشي، إن كان من أهل الجنة فمن أهل الجنة، وإن كان من أهل النار فمن أهل النار، فيقال: هذا مقعدك حتى يبعثك الله يوم القيامة [رواه البخاري ومسلم]. اللهم إنا نعوذ بك من عذاب جهنم ومن عذاب القبر ومن فتنة المحيا والممات ومن فتنة المسيح الدجال. لا تنسوا نشر هذه القصة لتعم الفائدة وليذكر الناس هول هذه اللحظات فيستعدوا لها قبل فوات الأوان.
قال تعالى: {وَجَاءَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ ذَلِكَ مَا كُنْتَ مِنْهُ تَحِيدُ} [ق: 19]، وقال النبي صلى الله عليه وسلم: "إِنَّ لِلْمَوْتِ سَكَرَاتٍ" [رواه البخاري]. فالمؤمن إذا حضرته الوفاة نزلت عليه الملائكة بيض الوجوه معهم أكفان من الجنة، فيجلسون منه مد البصر، ثم يجيء ملك الموت عليه السلام فيقول: "أَيَّتُهَا النَّفْسُ الطَّيِّبَةُ، اخْرُجِي إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانٍ"، فتخرج روحه تسيل كما تسيل القطرة من في السقاء، فيصعدون بها إلى السماء فيفتح لها أبواب السماء، ويشيعه ملائكة كل سماء حتى ينتهي إلى رب العالمين [رواه أحمد وصححه الألباني].
وأما الكافر والمنافق، فإذا احتضر نزلت ملائكة سود الوجوه معهم مسوح من نار، ثم يجيء ملك الموت فيجلس عند رأسه ويقول: "أَيَّتُهَا النَّفْسُ الخَبِيثَةُ، اخْرُجِي إِلَى سَخَطٍ مِنَ اللَّهِ وَغَضَبٍ"، فتتفرق روحه في جسده فينتزعها كما ينتزع السفود من الصوف المبلول، ويصعدون بها فلا يفتح لها أبواب السماء، وتطرح روحه طرحا [رواه أحمد وصححه الألباني]، قال تعالى: {وَلَوْ تَرَى إِذِ الظَّالِمُونَ فِي غَمَرَاتِ الْمَوْتِ وَالْمَلَائِكَةُ بَاسِطُو أَيْدِيهِمْ أَخْرِجُوا أَنْفُسَكُمُ الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذَابَ الْهُونِ} [الأنعام: 93]، وقال تعالى: {وَلَوْ تَرَى إِذْ يَتَوَفَّى الَّذِينَ كَفَرُوا الْمَلَائِكَةُ يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبَارَهُمْ وَذُوقُوا عَذَابَ الْحَرِيقِ} [الأنفال: 50].
وبعد ذلك يحمل الناس الجنازة على الأعناق، والمؤمن يقول: "قَدِّمُونِي قَدِّمُونِي" رجاء ما عند ربه، وأما الكافر فيقول: "يَا وَيْلِي أَيْنَ تَذْهَبُونَ بِي؟" يعلم ما ينتظره من العذاب [ورد معناه في حديث أبي سعيد الخدري رواه أحمد والنسائي وصححه ابن حبان].
فإذا وضع الميت في قبره وولي عنه أصحابه، إنه ليسمع قرع نعالهم حتى يتولوا عنه، ثم يأتيه ملكان شديدا الانتهار فيجلسانه ويقولان له: من ربك؟ ما دينك؟ من نبيك؟ فيثبت الله الذين آمنوا بالقول الثابت، فيقول المؤمن: ربي الله، وديني الإسلام، ونبيي محمد صلى الله عليه وسلم، فينادي مناد من السماء: أن صدق عبدي، ويفسح له في قبره مد بصره، ويفتح له باب إلى الجنة فيأتيه من روحها وطيبها [السلسلة الصحيحة].
وأما المنافق والكافر، فيقال له: من ربك؟ ما دينك؟ من نبيك؟ فيقول: هاه هاه لا أدري، سمعت الناس يقولون شيئا فقلته، فينادي مناد من السماء: أن كذب عبدي، ويضيق عليه قبره حتى تختلف أضلاعه، ويفتح له باب إلى النار فيأتيه من حرها وسمومها [السلسلة الصحيحة]، قال تعالى: {يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ وَيُضِلُّ اللَّهُ الظَّالِمِينَ وَيَفْعَلُ اللَّهُ مَا يَشَاءُ} [إبراهيم: 27].
ثم يعرض على الميت مقعده بالغداة والعشي، إن كان من أهل الجنة فمن أهل الجنة، وإن كان من أهل النار فمن أهل النار، فيقال: هذا مقعدك حتى يبعثك الله يوم القيامة [رواه البخاري ومسلم].
وكان النبي صلى الله عليه وسلم يتعوذ من عذاب القبر في كل صلاة، وكان يعلم أصحابه أن يقول أحدهم: "اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنْ عَذَابِ الْقَبْرِ، وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ فِتْنَةِ الْمَسِيحِ الدَّجَّالِ، وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ فِتْنَةِ الْمَحْيَا وَالْمَمَاتِ" [رواه مسلم].
اللهم إنا نعوذ بك من عذاب جهنم ومن عذاب القبر ومن فتنة المحيا والممات ومن فتنة المسيح الدجال. لا تنسوا نشر هذه القصة لتعم الفائدة وذكر الناس بأهوال القبر لعل قلوبهم تلين وتستعد للقاء الله.
عن مصعب بن عمير رضي الله عنه قال عروة بن الزبير: كان مصعب بن عمير أجمل غلام بمكة وأحدثهم عيشا، وكان يلبس أحسن الثياب ويتطيب بأطيب الطيب، فسمع رسول الله صلى الله عليه وسلم وما يدعو إليه، فأسلم في دار الأرقم، وكتم إسلامه خوفا من أمه ومن قومه، فرآه عثمان بن طلحة يصلي فعلم بإسلامه فأخبر أمه وقومه، فأخذوه وأوثقوه وحبسوه، فلم يزل محبوسا حتى هاجر إلى الحبشة ثم عاد فهاجر إلى المدينة.
قال ابن إسحاق: ولما بعث النبي صلى الله عليه وسلم مصعب بن عمير إلى المدينة ليفقه الأنصار ويدعوهم إلى الإسلام، كان يسمى "المقرئ" وكان يسكن بالمدينة مع أسعد بن زرارة، فأسلم على يديه سعد بن معاذ وأسيد بن حضير، وكانا من أشراف المدينة، فكان إسلامهما فتحا للمدينة.
وعن خباب بن الأرت رضي الله عنه قال: هاجرنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في سبيل الله نبتغي وجه الله، فوقع أجرنا على الله، فمنا من مضى ولم يأكل من أجره شيئا، منهم مصعب بن عمير، قتل يوم أحد، ولم يترك إلا نمرة، كنا إذا غطينا بها رأسه خرجت رجلاه، وإذا غطينا رجليه خرج رأسه، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "غطوا بها رأسه، واجعلوا على رجليه من الإذخر" [البخاري].
قال سعد بن أبي وقاص: لقد رأيت مصعب بن عمير يوم أحد يقاتل قتال الأبطال، ومعه اللواء، فقطعت يده اليسرى، فأخذ اللواء بيمينه، فقطعت يمينه، فاحتضن اللواء بعضديه إلى صدره وهو يقول: وما محمد إلا رسول قد خلت من قبله الرسل، فطعن طعنة سقط بعدها شهيدا.
وكان مصعب بن عمير أول سفير في الإسلام، وأول من جمع الناس لصلاة الجمعة بالمدينة، وقتل ومعه اللواء، فدفن مع حمزة بن عبد المطلب في قبر واحد. وقد رآه النبي صلى الله عليه وسلم قبل موته فرق له، وقال: "لقد رأيته بمكة وما بها فتى أحسن حلة ولا أجمل لمة من مصعب، ثم هاجر في الله حتى رأيته اليوم حاله كحالنا هذا".
اللهم اجمعنا به في الفردوس الأعلى. رضي الله عن الصحابة أجمعين. لا تنسوا نشر هذه القصة لتعم الفائدة.
يُحكى أنّ الأصمعي كان يسير يومًا قُرب خيام بعض الأعراب ،والأعراب كما نعلم أفصحُ العرب،
لغتهم سليمة قلوبهم صافية ولسانهم منقوع في الفصاحة نقعًا.
وبينما هو يمشي، لمح فتاة صغيرة لم تتجاوز العاشرة من عمرها،
تحمل قِربة ماء ثقيلة، تميل ذات اليمين وذات الشمال،
والماء ينثال منها انثيالًا
فصاحت الفتاة بصوت طفولي ولكنه مطبوع على الفصاحة طبعًا:
يا عمّي، الحق فاها.. غلبني فوها… لا قِبَل لي بفيها!
فتجمّد الأصمعي مكانه!
فالطفلة تستعمل "فو"إحدى الأسماء الخمسة بدقّة لا يخطئها نحويٌّ مخضرم!
اقترب منها وقال معجبًا:
"ما أفصحك يا فتاة!"
فابتسمت الفتاة ابتسامة من يعرف مقدار ما يقول ثم ردّت بثقة بدوية:
يا عم وهل ترك القرآن لنا فصاحة؟!
صُدم الأصمعي من ردّها، وسألها بدهشة:
وكيف ذلك؟!
فقالت الفتاة:
كمن يفتح أبواب الدهشة:
آيةٌ واحدة في القرآن فيها خبران، وأمران، ونهيان، وبشارتان!
دهش الأصمعي وقال:
"أي آية هذه؟!"
فرفعت الفتاة رأسها، وتلت بصوت يقطر فصاحة:
﴿وَأَوْحَيْنَا إِلَىٰ أُمِّ مُوسَىٰ﴾
#الخبرالأول
﴿أَنْ أَرْضِعِيهِ﴾
#الأمرالأول
﴿فَإِذَا خِفْتِ عَلَيْهِ﴾
#الخبرالثاني
﴿فَأَلْقِيهِ فِي الْيَمِّ﴾
#الأمرالثاني
﴿وَلَا تَخَافِي﴾
#النهي_الأول
﴿وَلَا تَحْزَنِي﴾
#النهي_الثاني
﴿إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ﴾
#البشارةالأولى
﴿وَجَاعِلُوهُ مِنَ الْمُرْسَلِينَ﴾
#البشارةالثانية
فوقف الأصمعي صامتًا لا يعجبه إلا أن يقول:
والله ما رأيتُ أفصحَ من بدويةٍ تربّت في الفصاحة كما يتربى السيف في غمده!
بعد وفاة أبي بكر الصديق رضي الله عنه تولى عمر بن الخطاب رضي الله عنه خلافة المسلمين وكان أول ما نظر فيه أمر الجيوش في الشام حيث كان خالد بن الوليد يقود المعارك ويحقق الانتصارات المتتابعة فكتب عمر إلى أبي عبيدة بن الجراح ينعى إليه أبا بكر ويخبره بتوليه أمر المسلمين ويوجهه في إدارة الجند ويأمره أن يكون خالد معه وألا يستغني عنه ثم أتبع ذلك برسالة أخرى يبلغه فيها أنه قد ولاه قيادة الجيوش وأن يقبض جند خالد ويعزله عن الإمارة
كان القرار عظيما في وقعه لأن خالدا كان سيفا مسلولا على أعداء المسلمين وقائدا شهد له الجميع بالشجاعة والبأس والكفاءة وكان أبو عبيدة يعلم مكانة خالد وقيمته في القتال فتألم للأمر ولم يبادر بإعلانه خشية أن تضعف معنويات الجنود وهم في مواجهة عدوهم ثم لما بلغ خالدا الخبر دخل على أبي عبيدة متعجبا أنه كان يصلي بالناس والكتاب قد جاء بتولية غيره فلم يكن همه المنصب ولا القيادة وإنما استغرب تأخير إخباره فقال له أبو عبيدة إنه ما أراد أن يكسر عليه حربه ولا أن يشوش على الجيش حتى تنقضي المعركة وأن الدنيا زائلة وأنهم إخوان يقومون بأمر الله لا يضر أحدهم أن يلي عليه أخوه
وتولى أبو عبيدة القيادة وبقي خالد مجاهدا مطيعا يقاتل تحت راية أخيه بعدما كان أميرا عليه ولم يعترض ولم يتذمر بل حمد الله على تولية عمر وأعلن محبته له وطاعته فكان في ذلك درس عظيم في الإخلاص والتجرد من حظوظ النفس وفي طاعة ولي الأمر وفي أن الهدف هو نصرة الدين لا طلب الرياسة
أما عمر رضي الله عنه فلم يعزل خالدا طعنا في شجاعته ولا انتقاصا من قدره وإنما اجتهادا منه خشية أن يفتتن الناس بشخص القائد وأن يظنوا أن النصر مرتبط برجل بعينه فأراد أن يرسخ في القلوب أن النصر من عند الله وأن الرجال أسباب وأن الدعوة إلى الله هي الغاية الكبرى لا مجرد توسيع الأرض وكسب المعارك
في هذا الموقف تجلت عظمة الجميع عظمة عمر في عدله وبعد نظره وعظمة أبي عبيدة في زهده وخوفه من الإمارة وعظمة خالد في طاعته وتجرده واجتماعهم جميعا على قلب واحد لا يريدون إلا وجه الله فكانوا نموذجا فريدا لجيل رباني لا يتنازع على دنيا ولا يتخاصم على منصب وإنما يتسابق إلى رضا الله
اقرأ هذه القصة بتأمل وانظر كيف تصنع العقيدة رجالا بهذه الروح ثم انشرها بين الناس لعلها تذكر القلوب بمعاني الإخلاص والطاعة والوحدة فالأمة لا تعود قوية إلا إذا سمت فوق حظوظ النفس واجتمعت على هدف واحد هو نصرة دين الله والدال على الخير كفاعله
عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "خَلَقَ اللَّهُ الْمَلائِكَةَ مِنْ نُورٍ، وَخَلَقَ الْجَانَّ مِنْ مَارِجٍ مِنْ نَارٍ، وَخَلَقَ آدَمَ مِمَّا وُصِفَ لَكُمْ" [رواه مسلم].
خلق الله الملائكة لحكمة عظيمة، فهم عباد مكرمون لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون [التحريم: 6]. قال تعالى: {بَلْ عِبَادٌ مُكْرَمُونَ * لَا يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ وَهُمْ بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ} [الأنبياء: 26-27]. فهم معصومون من الخطأ والمعصية، لا تأكل ولا تشرب ولا تنكح، قوتهم التسبيح ليلاً ونهاراً لا يفترون [الأنبياء: 20] .
وخلقهم الله لأعمال عظيمة موكلة إليهم، فمنهم أشهر الملائكة الذين يعرفهم المؤمنون :
جبريل عليه السلام: وهو الروح الأمين، الموكل بالوحي ينزل به على الأنبياء، قال تعالى: {نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ * عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ} [الشعراء: 193-194].
ميكائيل عليه السلام: الموكل بالمطر والقطر وتصاريفه، يقسمه بأمر الله حيث شاء .
إسرافيل عليه السلام: الموكل بالنفخ في الصور، ينتظر أمر ربه لينفخ نفخة الفزع ثم نفخة الصعق ثم نفخة البعث .
ملك الموت عليه السلام: الموكل بقبض الأرواح عند انتهاء الآجال، قال تعالى: {قُلْ يَتَوَفَّاكُمْ مَلَكُ الْمَوْتِ الَّذِي وُكِّلَ بِكُمْ} [السجدة: 11]، ولم يثبت تسميته بعزرائيل في الكتاب والسنة .
مالك عليه السلام: خازن النار، قال تعالى: {وَنَادَوْا يَا مَالِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنَا رَبُّكَ قَالَ إِنَّكُمْ مَاكِثُونَ} [الزخرف: 77].
رضوان عليه السلام: خازن الجنة، الموكل بأهل الجنة وكرامتهم .
منكر ونكير عليهما السلام: الموكلان بسؤال الميت في قبره، وهما اللذان يجيئان للعبد إذا وضع في قبره وتولى عنه أصحابه فيجلسانه ويسألانه [رواه البخاري ومسلم] .
الكرام الكاتبون: الحفظة الذين يكتبون أعمال العباد، قال تعالى: {وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحَافِظِينَ * كِرَامًا كَاتِبِينَ * يَعْلَمُونَ مَا تَفْعَلُونَ} [الانفطار: 10-12].
حملة العرش: وهم ثمانية يحملون عرش الرحمن، قال تعالى: {وَيَحْمِلُ عَرْشَ رَبِّكَ فَوْقَهُمْ يَوْمَئِذٍ ثَمَانِيَةٌ} [الحاقة: 17] .
وأما ما يسأل عنه الناس من قصة هاروت وماروت عليهما السلام، فقد ذكر الله في كتابه: {وَمَا أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ بِبَابِلَ هَارُوتَ وَمَارُوتَ وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّى يَقُولَا إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلَا تَكْفُرْ} [البقرة: 102] .
فهم ملكان من الملائكة الكرام، أُنزلا في أرض بابل ابتلاءً وامتحاناً من الله لعباده، يعلمان الناس السحر بإذن الله، ولكن قبل أن يعلما أحداً يقولان له: "إنما نحن فتنة فلا تكفر"، أي نحن ابتلاء من الله لك، فتعلم هذا السحر كفر وضلال، فلا تتعلمه فتكفر . فكان تعليمهما مع التحذير والتنبيه، حتى لا يكون للناس حجة على الله، وليميز الله الخبيث من الطيب . وهذا من تمام عدل الله، فلا يعذب أحداً إلا بعد إقامة الحجة عليه.
وكل ما يروى عن هذين الملكين من قصص فيها ذنب أو معصية أو نزول بسبب خطيئة، فهذا كله من الإسرائيليات التي لا تصح، ولا تثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم، وهي تخالف ما ثبت في القرآن من عصمة الملائكة وطهارتهم . قال ابن كثير رحمه الله: "وحاصلها راجع في تفصيلها إلى أخبار بني إسرائيل، إذ ليس فيها حديث مرفوع صحيح متصل الإسناد إلى الصادق المصدوق المعصوم" [تفسير ابن كثير] .
قال الحافظ ابن كثير: وظاهر سياق القرآن إجمال القصة من غير بسط ولا إطناب فيها، فنحن نؤمن بما ورد في القرآن على ما أراده الله تعالى .
الملائكة أجسام لطيفة نورانية، لها قدرة على التشكل بأشكال مختلفة، وهي مخلوقات كثيرة لا يحصي عددهم إلا الله، وفي السماء الدنيا ما فيها موضع أربع أصابع إلا وعليه ملك ساجد أو راكع [رواه الترمذي وصححه الألباني] .
اللهم اجعلنا ممن تحبهم وتحبهم، وتجمعنا بنبيك محمد صلى الله عليه وسلم في الفردوس الأعلى مع الملائكة المقربين. لا تنسوا نشر هذه القصة لتعم الفائدة وليعلم الناس قدر الملائكة الكرام البررة.
عن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما قال: لما حضر أحد دعاني أبي من الليل فقال: ما أراني إلا مقتولا في أول من يقتل من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، وإني لا أترك بعدي أعز علي منك غير نفس رسول الله صلى الله عليه وسلم، وإن علي دينا فاقض، واستوص بأخواتي خيرا. فأصبحنا فكان أول قتيل. قال جابر: ودفن معه آخر في قبر، ثم لم تطب نفسي أن أتركه مع الآخر، فاستخرجته بعد ستة أشهر، فإذا هو كيوم وضعته، غير أذنه [البخاري].
وكان عبد الله بن عمرو بن حرام الأنصاري رضي الله عنه من النقباء الذين شهدوا بيعة العقبة، وشهد بدرا، ثم استشهد يوم أحد. وقد مثل المشركون بجثته، وجاء به جابر مسجى وقد جدع أنفه وأذنيه، فأراد جابر أن يرفع الثوب فنهاه قومه، فرفعه رسول الله صلى الله عليه وسلم أو أمر به فرفع، فسمع صوت باكية، فقال: من هذه؟ فقالوا: بنت عمرو، فقال: ولم تبكي؟ فما زالت الملائكة تظله بأجنحتها حتى رفع [البخاري].
والأعظم من ذلك ما رواه الترمذي وحسنه عن جابر رضي الله عنه قال: لقيني رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا جابر، ما لي أراك منكسرا؟ قلت: يا رسول الله، استشهد أبي وترك عيالا ودينا. قال: أفلا أبشرك بما لقي الله به أباك؟ قال: قلت: بلى يا رسول الله. قال: ما كلم الله أحدا قط إلا من وراء حجاب، وكلم أباك كفاحا. فقال: يا عبدي تمن علي أعطك. قال: يا رب تحييني فأقتل فيك ثانية. فقال الرب سبحانه: إنه سبق مني أنهم إليها لا يرجعون. قال: يا رب فأبلغ من ورائي. فأنزل الله تعالى: {ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله أمواتا بل أحياء عند ربهم يرزقون} [آل عمران:169].
رضي الله عن عبد الله بن حرام وأرضاه، وجعلنا ممن يصدقون في عهودهم مع الله. اللهم ارزقنا حسن الخاتمة. لا تنسوا نشر هذه القصة لتعم الفائدة.
عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "آية المنافق ثلاث: إذا حدث كذب، وإذا وعد أخلف، وإذا اؤتمن خان" . وفي رواية أخرى: "وإن صام وصلى وزعم أنه مسلم" .
هذا حديث عظيم رواه البخاري ومسلم في صحيحيهما، يحذرنا فيه النبي صلى الله عليه وسلم من صفات النفاق التي إذا اجتمعت في الإنسان كان منافقا خالصا، وإذا وجدت فيه واحدة كان فيه خصلة من النفاق حتى يتركها.
إن النفاق داء خطير يفتك بالأمة من داخلها، فالمنافقون هم العدو الحقيقي للمؤمنين، لأنهم يظهرون الإيمان ويبطنون الكفر، يعيشون بين المسلمين بوجوههم وأجسادهم، ولكن قلوبهم معلقة بالكفر والفساد. حذرنا الله تعالى منهم في كتابه العظيم، وحذرنا منهم رسوله الكريم صلى الله عليه وسلم.
أول هذه الصفات: الكذب في الحديث، فالمنافق لا يتورع عن الكذب، بل يصبح الكذب له ديدنا وسجية، يحدث الناس بما ليس في قلبه، ويزين لهم الباطل في صورة الحق، ويخدعهم بكلماته المعسولة التي لا تخرج من قلب صادق. والكذب من أقبح الصفات وأبغضها إلى الله تعالى، فقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: "إياكم والكذب، فإن الكذب يهدي إلى الفجور، وإن الفجور يهدي إلى النار، ولا يزال الرجل يكذب ويتحرى الكذب حتى يكتب عند الله كذابا" .
الصفة الثانية: إخلاف الوعد، فالمنافق يعد الناس بالخير ثم لا يفي بما وعد، يعدهم بالعون ثم يتخلى عنهم، يعدهم بالنصرة ثم يخذلهم، يعدهم بالصدق ثم يكذب عليهم. والوفاء بالوعد من صفات المؤمنين الكرام، أما المنافق فلا عهد له ولا ميثاق.
الصفة الثالثة: الخيانة في الأمانة، فالمنافق لا يؤدي الأمانة إلى أهلها، يخون من ائتمنه على سره، يخون من ائتمنه على ماله، يخون من ائتمنه على عرضه، يخون من ائتمنه على دينه. والأمانة من أعظم الصفات التي يجب أن يتحلى بها المؤمن، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: "لا إيمان لمن لا أمانة له، ولا دين لمن لا عهد له" .
والأخطر في هذا الحديث أن هذه الصفات قد توجد في إنسان يصلي ويصوم ويزعم أنه مسلم، فهذه الصفات تنخر في جسد الإيمان وتدمر حقيقته، فكم من إنسان يصلي ويصوم ويحج ويعتمر، وهو منافق في تعاملاته وأخلاقه ووعوده وعهوده.
إن المنافق في الدنيا يعيش بوجهين ولسانين، يظهر للمؤمنين أنه معهم، ويبطن للكافرين أنه معهم، وفي الآخرة يكون في الدرك الأسفل من النار، كما قال تعالى: "إن المنافقين في الدرك الأسفل من النار ولن تجد لهم نصيرا" .
علينا أن نحاسب أنفسنا قبل فوات الأوان، ونتفقد قلوبنا من هذه الصفات الذميمة، فمن وجد في نفسه شيئا منها فليبادر بالتوبة والاستغفار وإصلاح النفس، فإن أبواب التوبة مفتوحة حتى طلوع الشمس من مغربها.
نسأل الله أن يطهر قلوبنا من النفاق، وألسنتنا من الكذب، وأعمالنا من الرياء، وأن يرزقنا الصدق في القول والعمل، والوفاء بالعهود والوعود، وأداء الأمانات إلى أهلها.
كان "عاصم بن ثابت" من الأنصار الذين بايعوا رسول الله ﷺ بيعة العقبة، وشهد بدرًا وأحدًا، وكان من الرماة الأشداء الذين أوصى بهم النبي ﷺ يوم أحد، فثبت مع إخوانه على الجبل، وأظهر شجاعة عظيمة في القتال، حتى أصاب بسهمه اثنين من صناديد قريش، فقتلهما، فغضبت أمهما "سلافة بنت سعد"، وأقسمت أن تشرب الخمر في رأسه إن ظفرت به، وأعلنت جائزة لمن يأتيها برأسه، فصار "عاصم" هدفًا للمشركين، لكن الله حفظه في حياته، وأكرمه بعد وفاته بكرامة لم ينلها أحد قبله.
وبعد أحد، بعث رسول الله ﷺ سرية صغيرة إلى بعض قبائل العرب، وكان "عاصم" أميرها، فتعرضوا لكمين من المشركين، فقاتل "عاصم" قتال الأبطال، حتى أثخن بالجراح، لكنه لم يتراجع، وظل يقاتل حتى استشهد، وكان قد عاهد الله أن لا يمس مشركًا ولا يمسه مشرك، وأن لا يقبل أن يلمسه كافر، فصدق الله ما عاهد عليه، وحفظه الله بعد موته كما حفظه في حياته.
أراد المشركون أن يأخذوا جسده ليقطعوا رأسه ويهدوه إلى "سلافة"، وفاءً بنذرها، لكن الله أرسل جيشًا من النحل يحيط بجثمانه، ويمنع أي أحد من الاقتراب منه، فظل النحل يحرس جسده حتى جاء الليل، فارتفع السيل وحمل جثمانه بعيدًا، ليحفظه الله من أن يُمثّل به أو يُهان، فكانت هذه كرامة عظيمة له، وصدق فيه قول الله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُدَافِعُ عَنِ الَّذِينَ آمَنُوا﴾، وقوله سبحانه: ﴿وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجًا﴾.
وقد روى البخاري في صحيحه أن النبي ﷺ قال: «إن الله ليؤيد هذا الدين بالرجل الفاجر»، فكيف بمن كان من أهل الإيمان والصدق والوفاء، فإن الله يؤيده ويكرمه ويجعل له من بعد موته ذكرًا حسنًا وكرامة باقية. وروى أهل السير أن "عاصم" كان قد دعا الله أن يحفظ جسده من المشركين، فاستجاب الله دعاءه، وأرسل إليه النحل يحرسه، حتى صار ذلك آية للناس، وعبرة للمؤمنين، ودليلًا على أن الله لا يضيع أجر من أحسن عملًا.
وكانت قصته درسًا بليغًا في أن من يصدق الله يصدقه الله، ومن يفي بعهد الله يفي الله له، وأن من يثبت على الحق فإن الله يثبته، وأن من يخلص لله فإن الله يحفظه في حياته وبعد مماته، وقد قال النبي ﷺ: «من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا فهو في سبيل الله»، وكان "عاصم" ممن قاتل لتكون كلمة الله هي العليا، فكان في سبيل الله، ونال الشهادة، ونال معها الكرامة التي لم ينلها أحد من قبله.
ولقد بقي ذكره في كتب الحديث والسيرة، يرويه العلماء والفقهاء، ويذكرونه في باب الكرامات، ويستشهدون به على أن الله يحفظ أولياءه، ويكرم عباده الصالحين، وأنه سبحانه لا يضيع أجر المؤمنين، وقد قال الله تعالى: ﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِندَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ﴾، وكان "عاصم" من هؤلاء الذين قُتلوا في سبيل الله، فهو حي عند ربه يُرزق، وقد أكرمه الله بكرامة في الدنيا، وجعل له عنده في الآخرة أجرًا عظيمًا.
أيها القارئ الكريم، إن في سيرة الصحابة دروسًا لا تنقضي، وعبرًا لا تُحصى، ومن كان في قلبه سؤال عن دينه، أو شبهة، أو رغبة في الفهم الصحيح للإسلام، فلا يتردد في إخبارنا، وسنطرق ذلك بإذن الله في منشوراتنا القادمة، فالدين النصيحة، والعلم رحمة، ونشر الخير صدقة جارية، ولا تنسَ مشاركة هذا المنشور، فربما كانت كلمة سببًا في هداية قلب، أو تثبيت إيمان، أو إحياء يقين.
أبو سفيان بن حرب بن أمية بن عبد شمس بن عبد مناف بن قصي بن كلاب، كان رأس قريش وقائدهم يوم أحد ويوم الخندق، وقد كانت له هنات وأمور صعبة في عداوته للإسلام، لكن تداركه الله برحمته يوم فتح مكة فأسلم، وكان إسلامه أول الأمر شبه مكره خائف، ثم بعد أيام صلح إسلامه واستقام حاله، وكان من دهاة العرب ومن أهل الرأي والشرف فيهم، فلما أسلم شهد مع رسول الله صلى الله عليه وسلم غزوة حنين، وأعطاه النبي صلى الله عليه وسلم من الغنائم مائة من الإبل وأربعين أوقية من الدراهم يتألفه بذلك، فترك عبادة الأصنام ومنها "هبل" ومال إلى الإسلام، وشهد قتال الطائف، فأصيب في عينه حينئذ، ثم أصيب في الأخرى يوم اليرموك، وكان يومئذ قد حسن إيمانه إن شاء الله، فإنه كان يحرض على الجهاد ويقف تحت راية ولده يزيد، وكان يصيح قائلاً: يا نصر الله اقترب، ويقف على الكراديس يذكر ويقول: الله الله، إنكم أنصار الإسلام ودارة العرب، وهؤلاء أنصار الشرك ودارة الروم، اللهم هذا يوم من أيامك، اللهم أنزل نصرك، فإن صح هذا عنه فإنه يغبط بذلك، ولا ريب أن حديثه عن هرقل وكتاب النبي صلى الله عليه وسلم يدل على إيمانه، ولله الحمد.
وكان أبو سفيان أسن من رسول الله صلى الله عليه وسلم بعشر سنين، وعاش بعده عشرين سنة، وكان عمر بن الخطاب رضي الله عنه يحترمه لأنه كان كبير بني أمية، وكان أبو سفيان حمو النبي صلى الله عليه وسلم، وما مات حتى رأى ولديه يزيد ثم معاوية أميرين على دمشق، وكان يحب الرياسة والذكر، وكان له سورة كبيرة في خلافة ابن عمه عثمان رضي الله عنه، وتوفي بالمدينة سنة إحدى وثلاثين وقيل سنة اثنتين وقيل سنة ثلاث أو أربع وثلاثين وله نحو التسعين من العمر.
لقد كان أبو سفيان في بداية أمره شديد العداوة للإسلام، وكان من قادة قريش الذين وقفوا في وجه الدعوة، وقاد جيوش المشركين في أحد والخندق، وكان له مواقف مشهورة في تلك الغزوات، لكنه لما رأى الحق يوم الفتح، ورأى أن الله قد أظهر دينه، أسلم، وكان إسلامه بدايةً فيه شيء من الخوف، لكنه بعد ذلك استقر قلبه على الإيمان، وشارك في نصرة الإسلام في مواطن عدة، حتى فقد عينيه في سبيل الله، وكان يحرض على الجهاد ويذكر الناس بالله، وهذا من دلائل صدق إيمانه بعد أن هداه الله.
وقد ورد في القرآن الكريم ما يدل على أن الله يهدي من يشاء، فقال سبحانه: ﴿إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَٰكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَن يَشَاءُ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ﴾ [القصص: 56]، فالهداية بيد الله، وقد شاء الله أن يهدي أبا سفيان بعد طول عناد، فصار من المسلمين، وشهد مع النبي صلى الله عليه وسلم المشاهد، وكان له دور في نصرة الإسلام بعد ذلك.
وشهد أبو سفيان غزوة حنين، وكان النبي صلى الله عليه وسلم قد أعطاه من الغنائم تأليفاً لقلبه، كما أعطى غيره من المؤلفة قلوبهم، وقد قال الله تعالى في شأن الصدقات: ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ﴾ [التوبة: 60]، فكان أبو سفيان من هؤلاء الذين أعطاهم النبي صلى الله عليه وسلم ليؤلف قلوبهم، فكان ذلك سبباً في رسوخ إيمانه بعد ذلك.
وشهد أبو سفيان قتال الطائف، وأصيب في عينه، ثم شهد يوم اليرموك، وكان يومئذ قد فقد عينيه، لكنه كان يحرض على الجهاد ويذكر الناس بالله، وكان تحت راية ولده يزيد، وكان يصيح: يا نصر الله اقترب، ويقف على الكراديس يذكر ويقول: الله الله، إنكم أنصار الإسلام ودارة العرب، وهؤلاء أنصار الشرك ودارة الروم، اللهم هذا يوم من أيامك، اللهم أنزل نصرك، وهذا يدل على صدق إيمانه في تلك المرحلة.
وكان أبو سفيان قد روى حديث هرقل وكتاب النبي صلى الله عليه وسلم إليه، وهو الحديث المشهور الذي رواه البخاري ومسلم، وفيه أن هرقل سأل أبا سفيان عن النبي صلى الله عليه وسلم، فأجابه بما يعرف، وكان ذلك قبل إسلامه، لكنه أجاب بصدق لأنه خشي أن يُكذب عليه، وكان ذلك الحديث دليلاً على صدق نبوة النبي صلى الله عليه وسلم، وقد دل حديثه بعد ذلك على إيمانه، ولله الحمد.
وكان أبو سفيان كبير بني أمية، وكان عمر بن الخطاب رضي الله عنه يحترمه لذلك، وكان حمو النبي صلى الله عليه وسلم، إذ إن ابنته أم حبيبة رضي الله عنها كانت زوج النبي صلى الله عليه وسلم، وما مات أبو سفيان حتى رأى ولديه يزيد ومعاوية أميرين على دمشق، وكان يحب الرياسة والذكر، وكان له مكانة كبيرة في خلافة عثمان رضي الله عنه، وتوفي بالمدينة سنة إحدى وثلاثين وقيل سنة اثنتين وقيل سنة ثلاث أو أربع وثلاثين، وكان عمره نحو التسعين.
وهكذا نرى أن أبا سفيان كان له تاريخ طويل، بدأ بالعداوة للإسلام، ثم انتهى بالإيمان والجهاد في سبيل الله، وقد فقد عينيه في سبيل الله، وكان يحرض على الجهاد ويذكر الناس بالله، وهذا من دلائل صدق إيمانه بعد أن هداه الله، وقد قال الله تعالى: ﴿فَمَن يُرِدِ اللَّهُ أَن يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ﴾ [الأنعام: 125]، فشرح الله صدر أبي سفيان للإسلام بعد طول عناد، فصار من المسلمين، وشهد مع النبي صلى الله عليه وسلم المشاهد، وكان له دور في نصرة الإسلام بعد ذلك.
أيها القارئ الكريم، إن قصة أبي سفيان تعلمنا أن الهداية بيد الله، وأن الإنسان قد يكون بعيداً عن الحق، ثم يهديه الله فيصير من أهل الإيمان، فلا تيأس من رحمة الله، ولا تقنط من هدايته، فإن الله يهدي من يشاء، وقد قال سبحانه: ﴿قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَىٰ أَنفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِن رَّحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ [الزمر: 53].
عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "إن الله عز وجل يدني المؤمن فيضع عليه كنفه ويستره فيقول له: أتعرف ذنب كذا؟ أتعرف ذنب كذا؟ فيقول: نعم أي رب. حتى إذا قرره بذنوبه ورأى في نفسه أنه هلك، قال الله: سترتها عليك في الدنيا وأنا أغفرها لك اليوم. فيعطى كتاب حسناته. وأما الكافر والمنافق فيقول الأشهاد: هؤلاء الذين كذبوا على ربهم ألا لعنة الله على الظالمين" .
هذا حديث عظيم رواه البخاري في صحيحه، يصور لنا ذلك المشهد المهول يوم القيامة، يوم تطاير الصحف، يوم ينقسم الناس إلى فريقين: فريق يأخذ كتابه بيمينه، وفريق يأخذ كتابه بشماله من وراء ظهره. إنه مشهد لا يعادله مشهد، فالسعادة الأبدية أو الشقاوة الأبدية تتحدد في تلك اللحظة الحاسمة التي يتسلم فيها الإنسان صحيفة أعماله.
يتجلى كرم الله ولطفه بالمؤمن في هذا اليوم العصيب، حيث يدنوه منه ويقرره بذنوبه واحدا تلو الآخر، فيعترف المؤمن بذنوبه كلها خائفا وجلا، ويظن في نفسه أنه قد هلك لكثرة ذنوبه وقبح أفعاله. ولكن رحمة الله وسعت كل شيء، فيقول له الرب جل وعلا: سترتها عليك في الدنيا وأنا أغفرها لك اليوم، ثم يعطى كتاب حسناته فيشعر بفرحة لا توصف وسعادة غامرة.
أما الكافر والمنافق الذي كان يظن أنه على شيء، فإنه لا يكون له مثل هذا الستر، بل تنكشف فضائحه أمام الخلائق، وتشهد عليه الملائكة والأنبياء والأعمال والجوارح، ثم يسود العذاب وتعم اللعنة.
وتطاير الصحف هو مشهد مهيب من أهوال يوم القيامة، تُنشر فيه كتب الأعمال التي سجلتها الملائكة في الدنيا، ليأخذ كل إنسان كتابه، فإما بيمينه وإما بشماله من وراء ظهره. إنه دليل قاطع على العدل الإلهي والحساب الدقيق، حيث يأخذ المؤمن كتابه مسروراً مستبشراً بما فيه من حسنات وعمل صالح، بينما يأخذه الكافر والفاسق بأسى وحسرة وندم لا ينفع.
يصور القرآن هذا المشهد العظيم في قوله تعالى: "وكل إنسان ألزمناه طائره في عنقه ونخرج له يوم القيامة كتابا يلقاه منشورا اقرأ كتابك كفى بنفسك اليوم عليك حسيبا". وقوله سبحانه: "فأما من أوتي كتابه بيمينه فيقول هاؤم اقرءوا كتابيه إني ظننت أني ملاق حسابيه فهو في عيشة راضية في جنة عالية قطوفها دانية كلوا واشربوا هنيئا بما أسلفتم في الأيام الخالية وأما من أوتي كتابه بشماله فيقول يا ليتني لم أوت كتابيه ولم أدر ما حسابيه يا ليتها كانت القاضية ما أغنى عني ماليه هلك عني سلطانيه خذوه فغلوه ثم الجحيم صلوه ثم في سلسلة ذرعها سبعون ذراعا فاسلكوه إنه كان لا يؤمن بالله العظيم ولا يحض على طعام المسكين".
هذا هو المشهد الذي ينسي الإنسان كل شدة مر بها في الدنيا، فمن نجا فيه فقد فاز فوزا عظيما، ومن خسر فيه فقد خسر الدنيا والآخرة ذلك هو الخسران المبين.
فلنتأمل هذا المشهد العظيم، ولنستعد لهذا اليوم الذي تطاير فيه الصحف، ولنجتهد في أن نكون من الذين يؤتون كتبهم بأيمانهم، بأن نصلح أعمالنا ونتوب من ذنوبنا ونكثر من الحسنات الماحية. فاللهم اجعلنا ممن ينظرون إلى صحائفهم فترتاح قلوبهم وتسعد نفوسهم بما رأوا من جميل صنعك وعظيم عفوك وكرمك.
انشر هذه القصة لعلها تكون تذكرة لمن غفل، وموعظة لمن قسا قلبه، ودافعا لمن يريد أن يصلح حاله قبل أن يأتي يوم لا ينفع فيه مال ولا بنون إلا من أتى الله بقلب سليم. فالدال على الخير كفاعله.
عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "إن أول الناس يُقضى يوم القيامة عليه رجل استشهد، فأتي به فعرَّفه نعمه فعرفها، قال: فما عملت فيها؟ قال: قاتلت فيك حتى استشهدت، قال: كذبت، ولكنك قاتلت لأن يقال: جريء، فقد قيل، ثم أمر به فسحب على وجهه حتى ألقي في النار. ورجل تعلم العلم وعلمه وقرأ القرآن، فأتي به فعرَّفه نعمه فعرفها، قال: فما عملت فيها؟ قال: تعلمت العلم وعلمته وقرأت فيك القرآن، قال: كذبت، ولكنك تعلمت ليقال: عالم، وقرأت القرآن ليقال: هو قارئ، فقد قيل، ثم أمر به فسحب على وجهه حتى ألقي في النار. ورجل وسع الله عليه وأعطاه من أصناف المال كله، فأتي به فعرَّفه نعمه فعرفها، قال: فما عملت فيها؟ قال: ما تركت من سبيل تحب أن ينفق فيها إلا أنفقت فيها لك، قال: كذبت، ولكنك فعلت ليقال: جواد، فقد قيل، ثم أمر به فسحب على وجهه، ثم ألقي في النار" .
هذا حديث عظيم رواه الإمام مسلم في صحيحه، يخبرنا فيه النبي صلى الله عليه وسلم عن أشنع صفعة يتلقاها المراؤون يوم القيامة، أولئك الذين كانت أعمالهم ظاهرها الصلاح والعبادة والجهاد والبذل، لكنها كانت لأجل الدنيا ومدح الناس لا لوجه الله تعالى.
يبدأ المشهد يوم القيامة، حين يُعرض الخلائق للحساب، فيُؤتى بأولئك الثلاثة الذين كانوا في الدنيا مضرب المثل في التضحية والعلم والعطاء. يُؤتى بالرجل الأول الذي استشهد في سبيل الله، حاملاً جراحه التي كان يظن أنها ستكون نوراً له. فيذكره الله تعالى بنعمه التي أنعم بها عليه من الصحة والقوة والبأس، فيعترف بها. فيسأله الله: "فما عملت فيها؟" فيجيب بكل ثقة: "قاتلت فيك حتى استشهدت". فيفاجأ بالجواب الصاعق: "كذبت، ولكنك قاتلت لأن يقال: جريء، فقد قيل". لقد قيل في الدنيا: ما أشجعه! وما أجرأه! وهنا تنتهي الصفقة، ويؤمر به فيُسحب على وجهه ويلقى في النار .
ثم يُؤتى بالرجل الثاني، حامل القرآن والمعلم للناس، الذي كان يُشار إليه بالبنان في المجالس. فيُذكره الله بنعمه، فيعترف. فيسأله: "فما عملت فيها؟" فيقول بزهو: "تعلمت العلم وعلمته وقرأت فيك القرآن". فيأته الرد المدوي: "كذبت، ولكنك تعلمت ليقال: عالم، وقرأت القرآن ليقال: هو قارئ، فقد قيل". لقد نلت ما أردت من الشهرة والثناء في الدنيا، فأما الآخرة فليس لك فيها نصيب. ثم يُسحب على وجهه ويلقى في النار .
ثم يُؤتى بالرجل الثالث، صاحب المال والثراء، الذي كان لا يرد سائلاً ولا يبخل بعطاء. فيُذكره الله بنعمه، فيعترف. فيسأله: "فما عملت فيها؟" فيجيب بثقة: "ما تركت من سبيل تحب أن ينفق فيها إلا أنفقت فيها لك". فيأتي الجواب القاطع: "كذبت، ولكنك فعلت ليقال: جواد، فقد قيل". لقد حصلت على سمعتك ككريم جواد في الدنيا، وهذا هو جزاؤك. ثم يُسحب على وجهه ويلقى في النار .
هؤلاء الثلاثة هم أول من تسعر بهم نار جهنم يوم القيامة . إنه خبر عظيم يزلزل القلوب، ويذكرنا بأمر لا يقبل المساومة وهو الإخلاص. فالعمل مهما عظم، إن فقد شرط الإخلاص، كان وبالاً على صاحبه. إننا بحاجة دائمة إلى محاسبة أنفسنا، وتصحيح نياتنا، ونجعل أعمالنا كلها خالصة لوجه الله الكريم.
فلا تكن مثل هؤلاء، وتذكر أن الله لا ينظر إلى صور أعمالنا ولا إلى كميتها، وإنما ينظر إلى قلوبنا ونياتنا. أخلص نيتك لله في كل صغيرة وكبيرة، واحذر من خداع النفس بحب الظهور والمدح، فإنه هلاك.
انشر هذه القصة، لعلها تكون سبباً في تذكير نفسك وغيرك، ولعل الله أن يكتب لك الأجر بكل من قرأها وعمل بها. فالدال على الخير كفاعله.
في أيام النبي محمد صلى الله عليه وسلم كان الأنصار يعيشون مع المهاجرين في المدينة بقلوب صافية مخلصة وكانوا مثالاً على الإخلاص والإيمان وكانوا يفرحون بنصر الله ويدعمون النبي في كل أمر من أمور الدين وكانوا يضحون بما لديهم لأجل الإسلام وعندما كان النبي يوزع الغنائم والفيء كان يعطي كل حق مستحقه من المهاجرين والأنصار وكان يراعي مشاعر الجميع ويعامل الناس بالعدل والرحمة ويظهر حب الله ورسوله في كل تصرفاته وكان يعطي الفقراء ويواسي الضعفاء ويشكر الأحسن منهم ويقرّ بالفضل للأنصار والمهاجرين معاً ويذكّرهم دائماً بأنهم كانوا أمة قبل الإسلام ولكن الله جمع قلوبهم بالإيمان ورسوله فأصبحوا إخوة في الدين وأن الله قد أكرمهم بالإسلام ووهبهم نعمة الصحبة الطيبة وأمرهم بأن يحبوا بعضهم البعض كما يحب الله وأن يقفوا مع الحق وينصروا دين الله وبهذا أصبح الأنصار مثالاً للوفاء والإخلاص والتعاون في كل شيء وكل من عرف قصتهم تعلم كيف يكون الإيمان الحقيقي كيف يكون الحب لله ولرسوله كيف يكون العطاء بلا مقابل وكيف تكون النفوس صافية والقلوب صادقة والنية خالصة لله وأن هذه الدروس صالحة لكل زمان ومكان وأن كل من قرأ هذه القصة عليه أن ينشرها ليعرف الناس فضل الأنصار وكرم النبي صلى الله عليه وسلم وعدل الإسلام وأن يجعلها صدقة جارية تعلم الناس الخير وتذكرهم بالله وبرسوله
يوم القيامة، يوم الفزع الأكبر، تتشقق الأرض عن الخلائق ليقوموا لرب العالمين. هل تعلم من هو أول من تنشق عنه الأرض ويخرج من قبره؟ إنه سيد الخلق وحبيب الحق، نبينا محمد ﷺ.
عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله ﷺ قال:
«أَنَا سَيِّدُ وَلَدِ آدَمَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَأَوَّلُ مَنْ يَنْشَقُّ عَنْهُ الْقَبْرُ، وَأَوَّلُ شَافِعٍ، وَأَوَّلُ مُشَفَّعٍ».
(رواه مسلم في صحيحه) .
تأمل هذا الحديث جيداً. إنه يخبرنا نحن البشر، نحن الضعفاء، بهذه البشرى العظيمة. فأول إنسان يخرج من قبره يوم البعث هو نبينا محمد ﷺ. هذه كرامة من الله لنبيه، وتشريف له على جميع الخلق.
وفي حديث آخر يشرح ﷺ هذه الفضل بشكل أوضح، فعن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه أن النبي ﷺ قال:
«أنا سيد ولد آدم يوم القيامة ولا فخر، وبيدي لواء الحمد ولا فخر، وما من نبي يومئذ آدم فمن سواه إلا تحت لوائي، وأنا أول من تنشق عنه الأرض ولا فخر».
(رواه الترمذي وقال: حديث حسن صحيح) .
قال الله تعالى في كتابه العزيز: {يَوْمَ تَشَقَّقُ الْأَرْضُ عَنْهُمْ سِرَاعًا ذَلِكَ حَشْرٌ عَلَيْنَا يَسِيرٌ} [سورة ق: 44]. ويوم القيامة، يكون نبينا ﷺ هو أول من يخرج من الأرض سراعاً .
ليس هذا فقط، بل ثبت أيضاً أنه يُكسى حلة من حلل الجنة حين خروجه. عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله ﷺ:
«أنا أول من تنشق عنه الأرض، فأُكسى حُلَّةً مِن حُلَلِ الجنة».
(رواه الترمذي) .
فهو أول من يبعث، وأول من يكسى، وأول من يشفع.
هذه القصة ليست من الخيال، إنها الحقيقة التي لا ريب فيها. ويوم القيامة حين يبعث الناس حفاة عراة غرلاً، يكون نبينا ﷺ أولهم خروجاً وأعظمهم جاهاً. وكلنا نرجو أن نكون تحت لوائه يوم لا ملجأ إلا الله.
الآن، وأنت تعرف هذه الفضيلة العظيمة لنبينا ﷺ، ماذا يبقى عليك؟ تذكر قول النبي ﷺ: «بَلِّغُوا عَنِّي وَلَوْ آيَةً» (رواه البخاري) .
هذه القصة الصحيحة بين يديك، فهل تنشرها؟ الدال على الخير كفاعله، ومن دعا إلى هدى كان له من الأجر مثل أجور من تبعه . انشر هذه القصة لتعرف أمة محمد ﷺ منزلة نبيها، عسى أن نكون جميعاً ممن يشفع فيهم يوم القيامة. شاركها الآن، فرب مبلغ أوعى من سامع.