تواصل معنا

خرج عبد الله بن حذافة في جيش من جيوش المسلمين متجهًا إلى بلاد الروم في خلافة عمر بن الخطاب رضي الله عنه. كانت أيام فتوح، والحدود تشتعل بالمواجهات،...

سيناا

☄️شهاب الغابة ..محبوب الجماهير
مستشار الادارة
إنضم
27 أكتوبر 2021
المشاركات
59,841
مستوى التفاعل
12,969
مجموع اﻻوسمة
21
قصص وأحاديث وعبر
خرج عبد الله بن حذافة
في جيش من جيوش المسلمين
متجهًا إلى بلاد الروم في خلافة عمر بن الخطاب رضي الله عنه. كانت أيام فتوح، والحدود تشتعل بالمواجهات، والإسلام يتمدد في أرضٍ لم تكن تعرفه.
وفي إحدى المعارك، وقع أسيرًا في يد الروم.
لم يكن أسيرًا عاديًا… كان صحابيًا من أصحاب محمد ﷺ.
حُمل إلى ملك الروم، وقيل: إلى قيصر نفسه. أدخلوه عليه مكبّلًا، لكنه لم يدخل بقلبٍ مكسور، بل دخل ثابت النظرة، مرفوع الرأس.
نظر إليه الملك طويلًا، ثم قال له عبر الترجمان:
تنصّر… وأُشركك في مُلكي.
عرضٌ ضخم.
حرية… وملك… ونجاة من الأسر.
لكن عبد الله لم يتردد لحظة.
قال: والله لو أعطيتني جميع ما تملك، وجميع ما تملك العرب، على أن أرجع عن دين محمد ﷺ طرفة عين، ما فعلت.
تغيّر وجه الملك.
قال: إذًا أقتلك.
قال: أنت وذاك.
أُمر به فصلب، وقيل رُمي بالسهام قريبًا منه دون أن تُصيبه، تهديدًا وترويعًا، وهو ثابت لا يتزحزح.
ثم أُنزل.
أراد الملك أن يهز قلبه بطريقة أخرى.
فأمر بقدرٍ عظيم، صُبّ فيه الماء، وأُوقد تحته حتى غلا. ثم أُتي بأسير مسلم، فأُلقي في القدر أمام عيني عبد الله… حتى مات.
ثم قُرّب القدر إليه.
هنا… بكى عبد الله.
فرح الملك، وظن أنه انهار.
قال له: أتنصّر وأخلي سبيلك؟
قال: لا.
قال: فلم بكيت؟
قال: بكيت لأن لي نفسًا واحدة تُلقى الآن في هذا القدر، فأموت مرة واحدة… وكنت أحب أن يكون لي بعدد كل شعرة في جسدي نفسٌ، تموت كلها في سبيل الله.
سكت الملك.
لم يكن أمام رجلٍ خائف… بل أمام قلبٍ لا يُشترى.
ثم قال له: قبّل رأسي، وأُطلقك.
قال: وتُطلق معي أسرى المسلمين؟
قال: نعم.
فوافق عبد الله.
فقبّل رأسه.
لم يكن خضوعًا… بل إنقاذًا لأسرى.
وأطلق الملك سراحه وسراح من معه من المسلمين.
عاد عبد الله إلى المدينة، فلما بلغ خبره عمر بن الخطاب رضي الله عنه، قال قولته المشهورة:
"حقٌّ على كل مسلم أن يقبّل رأس عبد الله بن حذافة، وأنا أبدأ."
فقام عمر فقبّل رأسه.
لم يكن تكريمًا لرجل قبّل رأس ملك…
بل لرجلٍ أذلّ ملكًا بثباته.
عاش عبد الله بعد ذلك، وبقيت قصته مثالًا على أن العقيدة ليست كلمات تُقال، بل ثباتٌ عند الاختبار.
رجلٌ عُرض عليه المُلك فاختار القيود.
ورأى الموت بعينيه فابتسم.
ولم يخسر شيئًا… بل عاد مرفوع الرأس، مكرّمًا في الدنيا، مأجورًا عند الله.

1000193625.jpg
 
Comment

سيناا

☄️شهاب الغابة ..محبوب الجماهير
مستشار الادارة
إنضم
27 أكتوبر 2021
المشاركات
59,841
مستوى التفاعل
12,969
مجموع اﻻوسمة
21
قصص وأحاديث وعبر
البراء بن مالك

كان البراء أخًا للصحابي الجليل أنس بن مالك رضي الله عنه.
لكن بين الأخوين فرق ظاهر في الطباع:
أنس كان خادم النبي ﷺ، هادئًا، راويًا للحديث.
أما البراء… فكان رجل ميدان.
نحيف الجسد، أشعث الشعر، بسيط الهيئة…
لو أقسم على الله لأبرّه.
وقد صحّ في الحديث أن النبي ﷺ قال:
"رُبَّ أشعث أغبر، ذي طمرين، مدفوعٍ بالأبواب، لو أقسم على الله لأبرّه."
وكان أنس يقول: منهم البراء بن مالك.
(رواه مسلم في صحيحه بمعناه العام، وذكر العلماء أن البراء كان مثالًا لذلك).

شهد البراء المشاهد مع رسول الله ﷺ، وكان من أشجع الناس.
كان يتقدم الصفوف، لا يخشى الموت، بل يطلبه إن كان فيه نصرة لدين الله.
وكان يقول لإخوانه في القتال:
"احملوني عليهم!"
كأنه يرى المعركة طريقًا مختصرًا إلى الجنة.

بعد وفاة النبي ﷺ، خرج مسيلمة الكذاب في اليمامة، واشتدت الحرب في خلافة أبو بكر الصديق رضي الله عنه.
في معركة اليمامة، تحصّن أتباع مسيلمة في حديقة عظيمة محصّنة، وأغلقوا أبوابها.
سُمّيت بعد ذلك بـ "حديقة الموت" لشدة ما قُتل فيها.
عجز المسلمون عن اقتحامها.
وهنا ظهر البراء.
قال لقومه:
"احملوني على ترسٍ، ثم ارفعوني برماحكم، حتى تلقوني داخل الحديقة."
تخيل المشهد…
رجل يُرفع فوق الرماح…
ليُلقى وحده وسط آلاف من الأعداء.
ففعلوا.
أُلقِي البراء داخل الحديقة.
فقاتل وحده قتالًا شديدًا، وقيل إنه قاتل حتى فتح الباب للمسلمين.
وأُصيب يومها ببضع وثمانين جراحة ما بين طعنة وضربة.
وكان خالد بن الوليد رضي الله عنه يقول:
لا تولوا البراء قيادة جيش، فإنه يُهلك نفسه ومن معه من شدة إقدامه.
لكنه لم يكن متهورًا…
كان يرى ما لا يراه غيره.

في بعض المواطن اشتد القتال، فقال له الصحابة:
"يا براء، أقسم على ربك."
فقال:
"أقسمت عليك يا رب لما منحتنا أكتافهم."
فانهزم العدو.
وكانوا يعرفون صدقه مع الله، فيطلبون منه الدعاء في مواطن الشدة.
لم يمت البراء على فراش.
بل استُشهد في فتوح فارس، في معركة تُسْتَر سنة 20 هـ تقريبًا، في خلافة عمر بن الخطاب رضي الله عنه.
قاتل حتى لقي الله.
رجل عاش يطلب الشهادة…
فنال ما طلب.

1000193626.jpg
 
Comment

سيناا

☄️شهاب الغابة ..محبوب الجماهير
مستشار الادارة
إنضم
27 أكتوبر 2021
المشاركات
59,841
مستوى التفاعل
12,969
مجموع اﻻوسمة
21
قصص وأحاديث وعبر
لم يكن أكثرهم كلامًا،
ولا أعلى الصحابة صوتًا،
لكن إذا وُضِع السيف في يده تغيّر كل شيء.
كان يعرفه أهل المدينة بهدوئه،
ويعرفه العدو بشيء آخر… بالموت القادم.
في صباحٍ من أيام القتال، وقف النبي ﷺ بين أصحابه، ورفع سيفًا وقال:
من يأخذ هذا السيف بحقه؟
امتدت الأيدي، كلٌ يريد الشرف، لكن السؤال كان أثقل من مجرد حمل حديد.
بحقه… أي أن تمضي به حتى ينحني أو تنحني أنت.
تقدّم رجل، بخطوات واثقة، وعينين لا تعرفان التردد.
إنه أبو دجانة.
قال: وما حقه يا رسول الله؟
قال: أن تضرب به العدو حتى ينحني.
أخذه… ومن تلك اللحظة تغيّر وجه المعركة.
أخرج عصابة حمراء، شدّها على رأسه.
كانت علامة يعرفها المسلمون جيدًا.
إذا لبسها أبو دجانة، فاعلم أن الرجل خرج من الدنيا، ولم يعد ينتظر عودة.
بدأ يمشي بين الصفوف مشيةً فيها قوة، فيها تحدٍ، فيها يقين أن القادم أعظم من العمر نفسه.
حتى إن النبي ﷺ قال:
إنها مشية يبغضها الله إلا في مثل هذا الموطن.
وانطلق.
كل ضربة كانت طريقًا يُفتح، وكل مواجهة كانت تنتهي سريعًا.
تراجع أمامه الرجال، وسقطت هيبة قريش أمام ثبات رجل واحد.
وفي خضم القتال لمح امرأة تحرّض، ترفع الصوت وتشعل نار الحرب.
رفع سيفه… ثم أوقفه.
قال: سيف رسول الله أكرم من أن أضرب به امرأة.
هكذا كان… شجاعة يضبطها دين، لا غضب أعمى.
ومرت الأيام، وظل أبو دجانة حاضرًا في المواطن الصعبة، لا يتأخر إذا نادى المنادي، ولا يبحث عن موقع آمن.
يعرف أن العمر ليس بطوله، بل بما يُملأ به.
وفي اليمامة، يوم اشتد البلاء، وتكسّرت الصفوف، وارتفعت صيحات الموت، كان هناك أيضًا.
دخل الحديقة التي تحصّن فيها العدو، قتال رجل لا يرى لنفسه نجاة إلا بالثبات.
قاتل حتى أثخنته الجراح، وسقط جسده، لكن اسمه بقي واقفًا.
لم يكن مجرد مقاتل.
كان معنىً… أن تمضي إذا تراجع غيرك،
أن تثبت إذا اضطربت القلوب،
أن تحفظ حدود الله حتى وأنت في أشد لحظات الحرب.
ذلك كان
( أبو دجانة سماك بن خرشة)
صاحب العصابة الحمراء

1000193627.jpg
 
Comment

سيناا

☄️شهاب الغابة ..محبوب الجماهير
مستشار الادارة
إنضم
27 أكتوبر 2021
المشاركات
59,841
مستوى التفاعل
12,969
مجموع اﻻوسمة
21
قصص وأحاديث وعبر
عبد الله بن مسعود رضي الله عنه
واحد من أعلام الصحابة،
ومن أوعية العلم والقرآن، جمع بين السبق إلى الإسلام، وشرف الملازمة للنبي ﷺ، والفقه العميق، والزهد في الدنيا.
وُلد في مكة، ونشأ ضعيف الحال، يرعى الغنم لعقبة بن أبي معيط. وفي يوم من الأيام مرّ به رسول الله ﷺ ومعه أبو بكر الصديق، وكانا قد خرجا في حاجة، فطلبا منه لبنًا، فقال: إني مؤتمن ولست أملك. فأعجب النبي ﷺ بأمانته، ثم دعا له، وكانت تلك بداية تعلّق قلبه بالإسلام، فأسلم مبكرًا، حتى عُدَّ من السابقين الأولين.
ومنذ أن أسلم، لازم النبي ﷺ ملازمةً شديدة، حتى قال الصحابة: كان أقرب الناس هديًا ودلًا وسمتًا برسول الله ﷺ. وكان يدخل عليه بيته، ويحمل نعليه وسواكه، ويوقظه إذا نام، حتى ظن بعض من رآه أنه من أهل بيت النبي من شدة قربه.
كان رضي الله عنه نحيف الجسد، دقيق الساقين، لكن قلبه كان جبلًا من الإيمان. وقد ضحك بعض الصحابة يومًا من دقة ساقيه، فقال النبي ﷺ إنهما أثقل في الميزان عند الله من جبل أحد.
ومن أعظم مواقفه في مكة أنه كان أول من جهر بالقرآن عند الكعبة بعد رسول الله ﷺ. قام فقرأ صدر سورة الرحمن، فهاجت عليه قريش وضربوه حتى آذوه، فلما رجع إلى إخوانه قالوا: هذا الذي خشينا عليك. فقال: ما كان أعداء الله أهون عليّ منهم الآن، ولئن شئتم لأغادينّهم بمثلها غدًا.
هاجر إلى المدينة، وشهد بدرًا وسائر المشاهد مع النبي ﷺ، وكان من أهل الفضل العظيم. وفي بدر مرّ على أبو جهل بعد أن صُرع، فوجده في آخر رمق، فكان ممن أجهز عليه، وبشّر النبي ﷺ بموته.
أخذ القرآن مباشرة من فم رسول الله ﷺ، حتى صار من أعلم الناس به. وقال النبي ﷺ: «من أحب أن يقرأ القرآن غضًا كما أُنزل فليقرأه على قراءة ابن أم عبد». وكان الصحابة يرجعون إلى قراءته وفقهه، ويعدّونه من كبار المعلمين.
ولما اتسعت الفتوح في زمن عمر بن الخطاب، أرسله إلى الكوفة معلمًا ووزيرًا ومرشدًا، وقال لأهلها: لقد آثرتكم بعبد الله على نفسي. فصار مدرسةً في العلم، وتخرّج على يديه أئمة كبار.
عُرف عنه الزهد الشديد، وكان يقول: ما ندمت على شيء ندمي على يوم غربت شمسه نقص فيه أجلي ولم يزد فيه عملي. وكان كثير البكاء من خشية الله، بعيدًا عن مظاهر الدنيا.
وفي أواخر حياته رجع إلى المدينة، ومرض، فزاره عثمان بن عفان، وعرض عليه العطاء، فكان جوابه المليء بالعزة أنه لا حاجة له به، فقد علّم أبناءه الاعتماد على الله.
توفي رضي الله عنه سنة 32 هـ تقريبًا، بعد عمرٍ قضاه في خدمة القرآن وصحبة النبي ﷺ وتعليم الأمة. وبقي اسمه مقرونًا بالعلم، حتى صار يقال: فقه ابن مسعود، ومدرسة ابن مسعود، وقراءة ابن مسعود.
كانت حياته رسالة واضحة: أن العبرة ليست بقوة الجسد، بل بنور القلب، وأن من لازم القرآن رفعه الله، وجعل أثره باقيًا ما بقي الزمان.


1000193628.jpg
 
Comment

سيناا

☄️شهاب الغابة ..محبوب الجماهير
مستشار الادارة
إنضم
27 أكتوبر 2021
المشاركات
59,841
مستوى التفاعل
12,969
مجموع اﻻوسمة
21
قصص وأحاديث وعبر
المقداد بن عمرو… إعصار بدر الذي لا يُكسر

المقداد بن عمرو رضي الله عنه
صحابي جليل من السابقين إلى الإسلام، ومن أهل الشجاعة والوفاء والثبات. اسمه المقداد بن عمرو بن ثعلبة من قبيلة بهراء، لكنه اشتهر في الجاهلية والإسلام باسم المقداد بن الأسود، لأنه حالف الأسود بن عبد يغوث في مكة فتبناه على عادة العرب قبل أن يُنهى عن ذلك، فلما جاء الإسلام أُعيد إلى نسبه فقيل: المقداد بن عمرو، وبقي الاسم الأول مشهورًا بين الناس.
كان من أوائل من دخلوا في الإسلام، في زمنٍ كان المسلمون فيه قلة يُستضعفون ويُؤذَون. جهر بإيمانه، فلاقى ما لاقى غيره من الأذى، لكنه صبر وما وهن، وامتلأ قلبه يقينًا بأن هذا الدين هو الحق. ولما اشتد البلاء على المسلمين أذن لهم النبي ﷺ بالهجرة، فخرج المقداد مهاجرًا إلى الحبشة، ثم عاد فهاجر إلى المدينة، فكان ممن جمع الهجرتين.
عاش قريبًا من رسول الله ﷺ، ملازمًا له، يتعلم منه، ويقتدي به، وكان معروفًا بالقوة في القتال وبالصدق في المواقف. ولمع اسمه يوم بدر حين استشار النبي ﷺ أصحابه في لقاء قريش، فقام المقداد بكلمة عظيمة دلّت على رسوخ إيمانه فقال: يا رسول الله امض لما أراك الله، فوالله لا نقول لك كما قالت بنو إسرائيل لموسى اذهب أنت وربك فقاتلا إنا هاهنا قاعدون، ولكن نقاتل عن يمينك وعن شمالك ومن بين يديك ومن خلفك. فسرّ النبي ﷺ بقوله ودعا له.
شهد بعد ذلك المشاهد كلها تقريبًا، فحضر أحدًا والخندق وغيرها، وكان فارسًا مقدامًا، ويذكر أهل السير أنه كان من أوائل من قاتل على فرس في سبيل الله. ومع شجاعته كان متواضعًا، عابدًا، يميل إلى الزهد، بعيدًا عن طلب الدنيا.
وكان يحب أهل بيت النبي ﷺ ويعرف لهم قدرهم، وفي الوقت نفسه يعظم جميع الصحابة، ويسير على منهج الجماعة بلا إفراط ولا تفريط. وبعد وفاة رسول الله ﷺ بقي ثابتًا على العهد، مشاركًا في حياة المسلمين، ناصحًا، آمرًا بالخير، مبتعدًا عن الفتن ما استطاع.
توفي رضي الله عنه في خلافة عثمان بن عفان نحو سنة ثلاث وثلاثين للهجرة، وقد ترك وراءه سيرة فارس صادق سبق إلى الإيمان، وهاجر وجاهد، وثبت في اللحظات التي احتاجت إلى الرجال، فاستحق أن يبقى اسمه مضيئًا في تاريخ الإسلام.

1000193629.jpg
 
Comment

سيناا

☄️شهاب الغابة ..محبوب الجماهير
مستشار الادارة
إنضم
27 أكتوبر 2021
المشاركات
59,841
مستوى التفاعل
12,969
مجموع اﻻوسمة
21
قصص وأحاديث وعبر
قال رسول الله ﷺ:
«إِنَّ مِنْ أَفْضَلِ أَيَّامِكُمْ يَوْمَ الجُمُعَةِ؛ فَأَكْثِرُوا عَلَيَّ مِنَ الصَّلَاةِ فِيهِ، فَإِنَّ صَلَاتَكُمْ مَعْرُوضَةٌ عَلَيَّ».
📖 رواه أبو داود وصححه الألباني.

1000193630.jpg
 
Comment

سيناا

☄️شهاب الغابة ..محبوب الجماهير
مستشار الادارة
إنضم
27 أكتوبر 2021
المشاركات
59,841
مستوى التفاعل
12,969
مجموع اﻻوسمة
21
قصص وأحاديث وعبر
في المدينة،
بعد الهجرة بقليل، انتظر المسلمون بشرى طال شوقهم لها. كان اليهود يقولون إنهم سحروا المهاجرين فلن يولد لهم ولد.
وفجأة جاء الخبر… مولود.
حمله المسلمون إلى النبي ﷺ، فحنّكه بريقه، ودعا له، وسماه عبد الله.
ارتفعت التكبيرات، لا لميلاد طفل فقط، بل لسقوط وهمٍ كان يثقل القلوب.
نشأ عبد الله بن الزبير في بيتٍ إن ذُكر الإيمان ذُكر معه.
أبوه الزبير بن العوام، حواريّ رسول الله، وأمه أسماء بنت أبي بكر، المرأة التي حملت الطعام للنبي في الهجرة، وخالته عائشة أم المؤمنين.
طفل يتنفس الشجاعة مع الهواء.
كبر، فكبر معه الطموح.
دخل ميادين القتال شابًا، واشتهر بجرأته حتى كان يقتحم الصفوف اقتحامًا. في فتوح إفريقية، كان من أوائل من هجموا على العدو، حتى تعجب الناس من ثباته.
لكن في داخله كان عابد قبل أن يكون مقاتلًا.
كان إذا قام إلى الصلاة طال قيامه، حتى قيل إن الطير تقف على ظهره من سكونه.
وكان وجهه يحمل أثر السجود، وقلبه معلق بالكعبة.
ثم دارت الأيام، وجاءت الفتن.
وجد الناس فيه رجلًا يجتمعون حوله، فبايعوه، وصار خليفة في الحجاز وأماكن أخرى.
لكن الدولة الأموية لم تقبل بذلك، فأرسلت الحجاج بجيش كبير.
بدأ الحصار على مكة.
المدينة المقدسة تضيق، والرجال يتفرقون، والأنصار يقلّون.
كل يوم يمرّ، يحمل معه سؤالًا ثقيلًا: من يبقى؟
دخل عبد الله على أمه.
كانت أسماء قد جاوزت المئة، وذهب بصرها، لكنها كانت ترى بقلبها ما لا يراه كثير من المبصرين.
قال لها: يا أمّاه، إن الناس قد خذلوني، حتى أهل بيتي.
سألته: على ماذا أنت؟
قال: على الحق.
فقالت كلمتها التي صارت نبراسًا:
يا بني، إن كنت على الحق، فاصبر، فالموت في عزٍّ خير من حياة في ذل.
لم تطلب منه النجاة… طلبت منه الكرامة.
خرج عبد الله بعدها، لا يطلب دنيا، ولا يطمع في سلامة، بل يريد أن يلقى الله ثابتًا.
قاتل قتال الأبطال، حتى قُتل رضي الله عنه.
ولما صُلب، جاءت أمه، المرأة العجوز، فوقفت أمامه، وقالت كلمات الأم التي ربّت أسدًا:
أما آن لهذا الفارس أن يترجل؟
هكذا كانت حياته.
بدأت بتكبيرٍ يوم وُلد،
وانتهت بثباتٍ يوم مات.
عبد الله بن الزبير…
تربية بيت النبوة، وعبادة الحرم، وشجاعة الميدان، وخاتمة رجل لم يساوم.

1000193631.jpg
 
Comment

سيناا

☄️شهاب الغابة ..محبوب الجماهير
مستشار الادارة
إنضم
27 أكتوبر 2021
المشاركات
59,841
مستوى التفاعل
12,969
مجموع اﻻوسمة
21
قصص وأحاديث وعبر
في شمال الجزيرة،
على أطراف الأرض التي تلامس سلطان فارس، كان يعيش رجال يعرفون رائحة الحرب كما يعرف غيرهم رائحة المطر.
ومن بين هؤلاء، برز اسم المثنّى بن حارثة.
فارس من بني شيبان، خبير بالصحراء ومسالك العراق، يعرف مواقع الماء، وطبائع القبائل، وحدود الإمبراطورية التي طالما نظرت إلى العرب نظرة استعلاء.
ولما جاء الإسلام، لم يكن عنده مجرد دين جديد، بل كان مشروع أمة.
بعد وفاة النبي ﷺ، دخلت الجزيرة في اضطراب كبير، وظهرت الردة، فكان المثنّى في صف الخلافة، يقاتل حفاظًا على وحدة المسلمين. هناك ظهرت موهبته الحقيقية؛ قائد يتحرك بسرعة، يضرب ثم يختفي، ويعود في الوقت الذي لا يتوقعه العدو.
انتهت الردة، لكن المثنّى لم يرَ أن مهمته انتهت.
كان يعلم أن الخطر الحقيقي خلف الحدود، حيث فارس التي تراقب الوضع وتنتظر الفرصة.
بدأ يتحرك نحو العراق، يغير على الحاميات، ويختبر ردود الفعل، ويُشعر الفرس أن زمن الهيبة القديمة بدأ يتصدع.
نجحت غاراته، وبدأ اسمه يتردد في معسكراتهم.
وصل خبره إلى الخليفة أبي بكر الصديق رضي الله عنه، فأدرك أن هذا الرجل يعرف الأرض، فأمدّه بالرجال، وأصبحت الحملات أكثر تنظيمًا.
توالت الاشتباكات، والمثنّى ينتصر مرة، وينسحب مرة، لكنه في كل الأحوال يثبت أن الجيش الفارسي يمكن أن يُضرب.
ثم أقبلت أيام ثقيلة.
أرسلت فارس جيوشًا أكبر، ومعها الفيلة التي لم يألفها العرب. كان المشهد مرعبًا.
وقعت معارك عنيفة، وذاق المسلمون مرارة الشدة، لكن المثنّى كان دائمًا في المكان الأصعب، يثبت الصفوف، ويعيد الترتيب، ويمنع الانهيار.
وجاءت معركة الجسر.
تقدم المسلمون لعبور الفرات، ودار قتال رهيب، لكن الفيلة قلبت الموازين، واستشهد القائد أبو عبيد الثقفي، وبدأت الفوضى.
لحظة لو تُركت، لضاع الجيش.
لكن المثنّى أمسك بالخيط الأخير.
نظّم التراجع، وحمى الجنود، وأدار انسحابًا عسكريًا صعبًا، حتى عبر من بقي من المسلمين.
لم يكن انتصارًا، لكنه كان إنقاذًا أبقى الباب مفتوحًا للمستقبل.
خرج المثنّى من المعركة مثخنًا بالجراح، لكن عزيمته كانت أصلب من الحديد.
أرسل إلى عمر بن الخطاب، يخبره بحقيقة الميدان، ويطلب مددًا جديدًا، ويؤكد أن الفرس يمكن هزيمتهم.
استجاب عمر، وبدأت الجيوش تتجمع لمعركة فاصلة.
كان المثنّى يعرف أن أيامه تقترب من نهايتها، فجراح الجسر لم تكن سهلة. ومع ذلك ظل يعمل، يشرح الطرق، ويعطي الخبرة، ويوجه القادمين الجدد.
كان يزرع النصر وهو يعلم أنه قد لا يراه.
وقبل القادسية بقليل، اشتد عليه المرض.
نظر إلى الرجال من حوله، وقد تكاثروا بعد قلة، وعرف أن الراية صارت في أيدٍ قوية، فاطمأن قلبه.
رحل المثنّى…
لكن الطريق الذي فتحه لم يُغلق.
بعده بوقت قصير، سقطت جيوش فارس في القادسية، ثم فُتحت المدائن، وتهاوت الإمبراطورية التي أقلقت العرب قرونًا.
كل ذلك كان يسير فوق الأساس الذي وضعه المثنّى.
لم يكن الرجل الذي دخل القصور، لكنه كان الرجل الذي فتح الأبواب.
.

1000193632.jpg
 
Comment

سيناا

☄️شهاب الغابة ..محبوب الجماهير
مستشار الادارة
إنضم
27 أكتوبر 2021
المشاركات
59,841
مستوى التفاعل
12,969
مجموع اﻻوسمة
21
قصص وأحاديث وعبر
لم يبدأ بطلاً…
كان فتىً في #مكة، هادئ الملامح، يمشي بين الناس دون أن يلتفت إليه أحد.
لكن الله إذا أراد أن يصنع تاريخًا، بدأه بقلب.
سمع #سعد بن أبي وقاص بمحمد ﷺ، فذهب، فاستمع، فاهتزت روحه، ولم ينتظر طويلًا… أسلم.
شاب لم يبلغ العشرين، لكنه اتخذ قرارًا سيغيّر مصير أمم.
عاد إلى بيته، فوجد العاصفة.
أمٌّ تبكي، تصرخ، تهدد:
اترك دين محمد أو أموت جوعًا وعطشًا، فيقال أنت قاتل أمك.
أي قلب يحتمل هذا؟
اقترب منها، وعيناه تمتلئان ألمًا، لكنه كان يرى أبعد من اللحظة.
قال:
والله يا أمي، لو كانت لك مئة نفس، فخرجت نفسًا نفسًا، ما تركت ديني.
هنا سقطت آخر قيود الأرض… وارتفع رجل.
ومنذ ذلك اليوم، لم يتأخر سعد عن موطنٍ يكون فيه الإسلام بحاجة إلى الرجال.
في #بدر… كان هناك.
في #أحد… كان هناك.
في #الخندق… كان هناك.
رامٍ لا يكاد يخطئ.
حتى وقف #النبي ﷺ خلفه يومًا، وقال كلمة لم تُحفظ لغيره:
ارمِ سعد، فداك أبي وأمي.
تخيل… رسول الله يفديه بأبيه وأمه.
أي مقامٍ هذا؟
مرت السنوات، ورحل النبي ﷺ، وتتابعت الأيام، حتى وقف المسلمون أمام أعظم قوة على وجه الأرض: فارس.
إمبراطورية تبتلع الجيوش.
وعمر بن الخطاب يبحث عن قائد.
الاختيار وقع على سعد.
وصل إلى #القادسية، وهناك لم يبدأ القتال… بدأ الابتلاء.
اشتد المرض على القائد. تورمت قدماه، وعجز عن ركوب الفرس.
قائد المعركة لا يستطيع أن يحمل سيفًا!
لكن الرجال لا يقاتلون بالأجساد فقط.
صعد سعد إلى قصر يطل على الميدان، وجعله عينًا ترى، وعقلًا يدير، وقلبًا يقود.
أمامه بحر من جنود الفرس.
أفيال، دروع، أعداد هائلة، ورستم في القلب، واثق أن العرب لن يصمدوا.
اليوم الأول – أرماث
تقدمت الفيلة، فاضطربت خيل المسلمين، واشتد القتال، وسالت الدماء.
صبروا… حتى جاء الليل بلا غالب.
اليوم الثاني – أغواث
وصل المدد، ووصل معه الأمل.
عاد الهجوم، وارتفعت التكبيرات، لكن المعركة ما زالت تريد ثمنًا.
اليوم الثالث – عماس
غبار حتى كأن العيون عميت.
صبر رهيب… وثبات من نوع لا يعرفه إلا من باع نفسه لله.
ليلة الهرير
السيوف لا تنام.
الأصوات تملأ الظلام.
الكل يعرف أن فجرًا مختلفًا سيطلع.
ومع أول ضوء… جاءت اللحظة.
اندفع المسلمون إلى القلب.
سقط رستم.
وفي ثانية واحدة… تحولت الإمبراطورية إلى جيشٍ هارب.
انهارت فارس.
وصل الخبر إلى سعد.
القائد المريض، الذي لم يضرب بسيف، ولم يركض بفرس، هو من كتب النصر.
رفع رأسه إلى السماء وقال:
الله أكبر… صدق وعده، ونصر عبده.
ثم كانت المدائن.
قصور كسرى، ذهب، حرير، كنوز لم ترها عين.
دخل سعد، لا كفاتحٍ مغرور، بل كعبدٍ شاكر.
لم يجلس على العرش… بل سجد لله.
هكذا يصنع الإيمان رجاله.
الفتى الذي كاد يخسر أمه من أجل العقيدة…
هو نفسه الذي أسقط عرش كسرى.
ليس لأنه أحب الحرب…
بل لأنه صدق الله.
هذا هو سعد بن أبي وقاص.
فإن ذُكر الثبات… فهو أحد أعمدته.
وإن ذُكر النصر… فله فيه صفحة لا تُطوى.

1000193633.jpg
 
Comment

سيناا

☄️شهاب الغابة ..محبوب الجماهير
مستشار الادارة
إنضم
27 أكتوبر 2021
المشاركات
59,841
مستوى التفاعل
12,969
مجموع اﻻوسمة
21
قصص وأحاديث وعبر
"القَعْقَاعُ بْنُ عَمْرُو… سَيْفُهُ يُعَادِلُ أَلْفَ فَارِسٍ"

في الأيام التي كانت فيها جيوش فارس تملأ الأرض رهبة، كان اسمٌ واحد إذا وصل إلى المعسكر تبدّل حال الرجال. لم يكن ملكًا، ولا قائد جيشٍ عظيم، لكنه كان يملك شيئًا أخطر من العدد… كان يملك الروح التي تشعل القلوب. ذلك هو القعقاع بن عمرو التميمي.
أسلم في زمن مبكر، وربّته ميادين الجهاد حتى صار من فرسانها المعدودين. لم يكن مجرد مقاتل يضرب بسيفه، بل كان يعرف أن الحرب نفس قبل أن تكون سلاحًا، وأن الجيش قد ينتصر بكلمة كما ينتصر بضربة.
في حروب الردة، كان حاضرًا في الصفوف، يعرفه القادة بجرأته وسرعته، فإذا اضطربت المواقف دفعوه إلى المواضع الصعبة، فيخرج منها بفتحٍ أو بثبات يرفع المعنويات.
ثم جاءت القادسية، المعركة التي ستقرر مصير العراق كله. جيش فارس أمامهم كالبحر، عَددٌ وعدّة وفيلة لم يرَ العرب مثلها من قبل. والقلوب تحتاج إلى من يوقظ فيها اليقين.
أرسل عمر بن الخطاب رضي الله عنه مددًا، وعلى رأسهم القعقاع. وقبل أن يصل، أرسل رسالة قال فيها إن صوت القعقاع في الجيش خير من ألف رجل. لم تكن مبالغة، بل معرفة بقيمة هذا الفارس.
وصل القعقاع، لكنه لم يدخل بجيشه دفعة واحدة. كان ذكيًا. جعل الرجال يدخلون جماعات صغيرة، كلما دخلت كبر الناس وظنوا أن المدد لا ينقطع، فارتفعت الروح المعنوية، ودبّ الخوف في قلوب الفرس.
ولم يكتفِ بذلك. طلب المبارزة، وخرج إليه كبار قادة الفرس، فكان يسقطهم واحدًا بعد آخر، والناس تنظر، وكل سقوطٍ كان يعني ارتفاع جبلٍ من الأمل في صدور المسلمين.
ثم ابتكر حيلة أخرى مع الإبل، فربط عليها ما يفزع خيول الفرس، فاضطربت صفوفهم، وبدأ ميزان المعركة يميل. كانت عبقرية مقاتل يفكر كما يضرب.
يومها، لم يكن القعقاع مجرد فارس… كان جيشًا كاملًا يتحرك في رجل.
وتتابعت بعد ذلك مشاهده في الفتوح، حاضرًا في المواطن الكبرى، حيث تحتاج الجيوش إلى قلبٍ لا يعرف التراجع. لم يكن يبحث عن إمارة، ولا يطلب ذكرًا، لكن الذكر كان يطارده، لأن البطولة لا تختبئ.
ومع مرور الزمن، بقي اسمه مرتبطًا بكل موقفٍ تحوّل فيه الخوف إلى قوة، والتردد إلى هجوم. كان يعرف أن لحظة واحدة من الثبات قد تغيّر تاريخ أمة، فكان حاضرًا دائمًا في تلك اللحظات.
رحل القعقاع، لكن صورته بقيت في ذاكرة المعارك: فارسٌ يقتحم حيث يتردد غيره، ويبتكر حين يعجز الآخرون، ويزرع في القلوب يقين النصر قبل أن يراه الناس بأعينهم.

1000193701.jpg
 
Comment

سيناا

☄️شهاب الغابة ..محبوب الجماهير
مستشار الادارة
إنضم
27 أكتوبر 2021
المشاركات
59,841
مستوى التفاعل
12,969
مجموع اﻻوسمة
21
قصص وأحاديث وعبر
في مكة،
كان اسم #خالد بن الوليد يعني القوة التي لا تُهزم.
فارسٌ تعرفه الخيل، وسيفٌ تخشاه القبائل،
وعقلٌ عسكري يقرأ أرض المعركة كما يقرأ الرجل كتابًا مفتوحًا.
لم يكن رجلًا عاديًا في قريش، بل وُلد ليكون قائدًا،
وكان النصر يعرف طريقه إليه. لكن بدايته لم تكن مع المسلمين، بل كانت في مواجهتهم.
في أحد الأيام التي لن تُنسى،
لمح خالد ثغرةً صغيرة في صفوف المسلمين،
فدار بخيله من خلف الجبل،
وانقلبت موازين القتال. عرف المسلمون يومها أنهم أمام قائد استثنائي،
يعرف كيف يصنع من اللحظة الفارقة تحولًا كبيرًا.
ومع مرور الوقت، أخذ خالد يراقب أمر هذا الدين؛
كلما حاول الناس أن يطفئوه ازداد انتشارًا،
وكلما ظنوا أنه انتهى عاد أقوى.
تسلل السؤال إلى قلبه، وبدأ الصراع يكبر في داخله حتى لم يعد يستطيع الهروب منه.
خرج من مكة متجهًا إلى المدينة،
وفي الطريق التقى برجالٍ جاءوا لنفس الغاية.
كانت خطواتهم نحو مستقبل جديد، نحو صفحة لم تُكتب بعد.
دخل خالد على رسول الله ﷺ،
لا بسيف المحارب، بل بقلب الباحث عن النجاة. أعلن إسلامه، فاستقبله النبي ﷺ بكلماتٍ ملأت روحه طمأنينة،
وكأن الماضي كله قد طُوي في لحظة.
لم تمضِ فترة طويلة حتى وجد خالد نفسه في اختبار عظيم.
في مؤتة، سقط القادة واحدًا تلو الآخر،
والجيش في مواجهة قوة هائلة.
امتدت يد خالد إلى الراية،
لا طلبًا للشهرة، بل لإنقاذ من بقي. أعاد ترتيب الصفوف، وفتح طريق العودة، وحفظ جيش المسلمين من الفناء.
وفي المدينة، سمّى #النبي ﷺ ما حدث، فأطلق عليه اللقب الذي سيلازمه إلى الأبد:
سيفٌ من سيوف الله.
منذ تلك اللحظة، صار خالد يتحرك في ساحات القتال وكأن قدره أن يبدّل خرائط الأرض.
انتصارات تتوالى، وجيوش تتهاوى، وخصوم يحسبون له ألف حساب.
كان سريع القرار، جريئ التنفيذ، لكن قلبه ازداد تواضعًا كلما كبرت مكانته.
ثم جاء يوم تغيّر فيه كل شيء. وصل أمر بعزله عن القيادة. لم يكن بسبب هزيمة، ولا خطأ،
ولكن حتى يبقى النصر متعلقًا بالله لا بالأشخاص.
تقبّل خالد القرار في هدوء، ونزل يقاتل جنديًا كما كان يقاتل قائدًا.
لم يتوقف عطاؤه، ولم يتبدل إخلاصه،
وكأن شيئًا لم يكن.
ومرت السنوات، وجسد خالد يحمل آثار المعارك كلها؛ طعنات، ضربات، جراح لا تكاد تُحصى.
كان يتمنى نهايةً في الميدان، لكن إرادة الله اختارت له غير ذلك.
حضرته الوفاة على فراشه، فنظر إلى جسده وقال في حسرة المشتاق:
ما من موضع شبر إلا وفيه ضربة أو طعنة، وها أنا أموت كما يموت البعير. ثم أطلق كلمته التي بقيت تتردد في الزمن.
رحل خالد، لكن السيف لم يسقط. بقي اسمه شاهدًا على أن الرجل قد يبدأ طريقه في جهة، ثم يهديه الله فيصير من أعظم جنود الحق
. وبقيت سيرته تروي للأجيال أن البطولة الحقيقية ليست في القتال فقط،
بل في أن يعرف القلب طريقه إلى الله ثم يثبت عليه حتى النهاية.
(سيف الله المسلول)

1000193702.jpg
 
Comment

سيناا

☄️شهاب الغابة ..محبوب الجماهير
مستشار الادارة
إنضم
27 أكتوبر 2021
المشاركات
59,841
مستوى التفاعل
12,969
مجموع اﻻوسمة
21
قصص وأحاديث وعبر
جليبيب رضي الله عنه هو أحد أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم وكان رجلا من فقراء الصحابة ولم يكن من أصحاب النسب المعروف بين الناس لكنه كان مؤمنا صادقا محبا لرسول الله صلى الله عليه وسلم

وفي يوم من الأيام قال له رسول الله صلى الله عليه وسلم ألا تتزوج فقال جليبيب يا رسول الله ومن يزوجني فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم اذهب إلى بيت رجل من الأنصار وقل له إن رسول الله صلى الله عليه وسلم يأمركم أن تزوجوني ابنتكم فذهب جليبيب إلى ذلك الرجل وأخبره بما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم فتعجب الرجل ثم ذهب إلى زوجته يستشيرها فقالت كيف نزوج ابنتنا جليبيبا وكانوا مترددين في الأمر

فلما سمعت الفتاة كلام والديها قالت أتردون أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم إن كان رسول الله صلى الله عليه وسلم قد رضي به لي فإني أرضى به فذهب والدها إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وأخبره أنهم قبلوا بذلك فزوجها رسول الله صلى الله عليه وسلم من جليبيب ودعا لهما

ثم خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم في غزوة وخرج جليبيب مع المسلمين يقاتل في سبيل الله فلما انتهت المعركة قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لأصحابه هل تفقدون من أحد فقالوا نفقد فلانا وفلانا ثم قال مرة أخرى هل تفقدون من أحد فقالوا لا يا رسول الله فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لكني أفقد جليبيبا

فذهبوا يبحثون عنه في أرض المعركة فوجدوه إلى جانب عدد من المشركين قد قتلهم ثم قتلوه فوقف رسول الله صلى الله عليه وسلم عنده وقال هذا مني وأنا منه ثم حمله رسول الله صلى الله عليه وسلم ودفنه بيديه

رضي الله عن جليبيب الصحابي الذي لم يكن له مال ولا جاه في الدنيا لكنه كان عند الله عظيما وكان صادقا في إيمانه ومحبا لرسول الله صلى الله عليه وسلم فرفع الله قدره وجعل له هذه المنزلة العظيمة

1000193740.jpg
 
Comment

سيناا

☄️شهاب الغابة ..محبوب الجماهير
مستشار الادارة
إنضم
27 أكتوبر 2021
المشاركات
59,841
مستوى التفاعل
12,969
مجموع اﻻوسمة
21
قصص وأحاديث وعبر
اعلم أخي القارئ الحبيب أن من رحمة الله بنا أن جعل لهذا الكون نهاية معلومة عنده وحده وجعل لاقتراب هذه النهاية علامات وأشراطاً نعرف بها قرب الساعة ومن هذه العلامات العلامات الصغرى التي تسبق الساعة بكثير وتتوالى تباعاً لتوقظ الغافل وتثبت المؤمن ومن أبرز هذه العلامات وأكثرها تكراراً في عصرنا هذا علامة ظهور الكذابين الدجالين الذين يدعون النبوة كذباً وزوراً .

لقد أخبرنا الصادق المصدوق سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم أن من اقتراب الساعة خروج أناس كذابين يدعون النبوة ويضلون الناس بباطلهم فعن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لا تقوم الساعة حتى يُبعث دجالون كذابون قريب من ثلاثين كلهم يزعم أنه رسول الله . وهؤلاء الدجالون ليسوا شخصاً واحداً بل هم كثر يظهرون على مر الزمان وصدق النبي صلى الله عليه وسلم فقد ظهر في تاريخ الإسلام عدد كبير من هؤلاء الكذابين بدءاً من مسيلمة الكذاب الذي عاصر النبي صلى الله عليه وسلم وأدعى النبوة بعده والأسود العنسي الذي ظهر في اليمن وسجاح التي ادعت النبوة في بني تميم وطليحة بن خويلد الأسدي . ولم يتوقف الأمر عند التاريخ بل استمر هؤلاء الكذابون في الظهور في العصر الحديث كما حدث مع ميرزا غلام أحمد القادياني في الهند الذي ادعى النبوة وأنه المسيح الموعود واتبعه خلق كثير وألف العلماء الكتب في بيان كذبه وتدليسه .

والمتأمل في عصرنا الحالي يرى بوضوح تكاثر هؤلاء الكذابين وظهورهم في كل مكان يدعون العلم ويختلقون الرؤى ويفترون على الله الكذب ويقولون إن الله أوحى إليهم وإنهم على اتصال بالسماء في وقت انقطعت فيه الرسالات وختمت النبوات بسيدنا محمد صلى الله عليه وسلم حيث قال الله تعالى (مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ) [الأحزاب 40] وقال صلى الله عليه وسلم وأنا خاتم النبيين لا نبي بعدي . وهؤلاء الكذابون وإن كثروا وادعوا الباطل فهم إلى زوال ولا يلبث أن ينكشف أمرهم ويعلم الناس كذبهم ولكن خطورتهم تكمن في الفترة التي يروج فيها باطلهم قبل انكشافه حيث يفتنون الناس عن دينهم ويلبسون عليهم الحق بالباطل ومما يزيد الأمر خطورة أن النبي صلى الله عليه وسلم أخبر أن من هؤلاء الكذابين من سيكون له أتباع وشوكة وقوة تغري الناس وتجذبهم فاحذر أخي الحبيب من هؤلاء الكذابين ولا تغتر بكثرة أتباعهم ولا بظاهر أقوالهم فالحق ما جاء به النبي صلى الله عليه وسلم في كتابه وسنته وما عداه فهو باطل وضلال .

ولا ننسى أن ظهور هؤلاء الدجالين الكذابين ليس مجرد حدث عابر بل هو علامة من علامات نبوة سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم حيث أخبر بها فكانت كما قال تماماً مما يزيد المؤمن إيماناً وتسليماً ويقيناً بأن ما أخبر به النبي صلى الله عليه وسلم من علامات الساعة الكبرى كخروج المهدي ونزول عيسى ابن مريم وخروج الدجال الأعور سيكون كما أخبر تماماً لا شك فيه ولا ريب . وقد أخبر النبي صلى الله عليه وسلم أن خروج هؤلاء الكذابين الثلاثين سيكون توطئة وتمهيداً لخروج الدجال الأكبر الأعور الذي يفتن الناس بأعظم فتنة في تاريخ البشرية حتى يقتله عيسى ابن مريم عليه السلام على باب لد في فلسطين .

فاللهم ثبتنا على دينك ويقينك حتى نلقاك واجعلنا ممن يتبعون الحق ويصدقون نبيك الكريم ولا تجعلنا من المفتونين بالدجالين الكذابين في آخر الزمان. هذه القصة التي بين يديك تحمل في طياتها عبرة عظيمة وتذكرة للمؤمنين بعلامات الساعة التي تتحقق أمام أعيننا فلا تبخل بنشرها لعل الله ينفع بها قارئاً ويوقظ بها غافلاً ويكون لك في نشرها أجر عظيم وذكر حسن يبقى لك في ميزان حسناتك إلى يوم الدين فإن الدال على الخير كفاعله والله لا يضيع أجر المحسنين .

1000193741.jpg
 
Comment

سيناا

☄️شهاب الغابة ..محبوب الجماهير
مستشار الادارة
إنضم
27 أكتوبر 2021
المشاركات
59,841
مستوى التفاعل
12,969
مجموع اﻻوسمة
21
قصص وأحاديث وعبر
كان في قديم الزمان قوم يعبدون أصناماً من الحجر والخشب، صنعوها بأيديهم ثم جعلوها آلهة من دون الله يسألونها الرزق والنصر والشفاء، وهي لا تسمع ولا تبصر ولا تملك لنفسها نفعاً ولا ضراً. وكان بين ظهرانيهم فتىً مؤمن بالله وحده، اسمه إبراهيم، عليه السلام، قد آتاه الله رشده وهداه، وكان يراهم يعكفون على تلك التماثيل يعظمونها ويذبحون لها، فكان يستنكر ذلك وينكره، ويحاورهم فيه تارة بعد أخرى، فيجدهم مصرين على ضلالهم.

وفي يوم من الأيام، جاءهم عيد من أعيادهم، فخرجوا جميعاً إلى المهرجانات والاحتفالات، وتركوا آلهتهم في معبدها الكبير. وكان إبراهيم قد خطط لهذا اليوم. فلم يخرج معهم، بل قال إنه يشعر بمرض، فبقي في القرية. ولما خلَت الساحة من الناس، أتى المعبد الذي فيه الأصنام صفوفاً، وقد وضعوا لها الطعام قرباناً، فرأى إبراهيم تلك التماثيل الوثنية لا تحرك ساكناً، ولا تأكل مما بين يديها. فاستهزأ بهم وبآلهتهم قائلاً: "ألا تأكلون؟ ما لكم لا تنطقون؟"

ثم أقبل عليها بفأس قوي، فلم يترك صنماً كبيراً أو صغيراً إلا حطمه وكسره وهدّه، إلا صنماً كبيراً كان منصوباً في وسطهم، تركه كما هو وعلق الفأس في عنقه أو على يده. فعل ذلك ليكون عبرة لهم، وليرجعوا إلى عقولهم فيسألوا: من الذي كسر آلهتنا؟ وإذا سألوا الكبير، فلن ينطق، فيعلموا أن العبادة لا تليق إلا لمن يسمع ويبصر ويقدر.

ولما رجع القوم من عيدهم، دخلوا معبدهم فصعقوا مما رأوا. قال تعالى: "فَجَعَلَهُمْ جُذَاذًا إِلَّا كَبِيرًا لَّهُمْ لَعَلَّهُمْ إِلَيْهِ يَرْجِعُونَ". أي قطعاً وأجزاء مكسرة. عمّ الفراغ والذهول، ثم ثاروا غضباً، وتساءلوا من فعل هذا بآلهتهم؟ قالوا: "مَن فَعَلَ هَٰذَا بِآلِهَتِنَا إِنَّهُ لَمِنَ الظَّالِمِينَ". فمن الذي تجرأ على هذا؟ وأخذوا يبحثون عمن كان حاضراً في القرية، فقال بعضهم: سمعنا فتىً يسمى إبراهيم، كان يذكر آلهتنا بسوء ويعيبها. قالوا: "فَأْتُوا بِهِ عَلَىٰ أَعْيُنِ النَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَشْهَدُونَ". فأرسلوا في طلبه، وأحضروه أمام الملأ.

ولما وقف إبراهيم أمام الجمع، سألوه: "أَأَنتَ فَعَلْتَ هَٰذَا بِآلِهَتِنَا يَا إِبْرَاهِيمُ". هنا بدأت المفاجأة، لم يجبهم بنعم أو لا مباشرة، بل ألقى عليهم حجة دامغة، وأراد أن يوقظ عقولهم التي نامت تحت أوهام التقديس للحجر. قال: "بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَٰذَا فَاسْأَلُوهُمْ إِن كَانُوا يَنطِقُونَ". أي إن كنتم تزعمون أن هذه الأصنام آلهة تعبد، وهذا الصنم الكبير هو رأسها، فاسألوه هو، فهو الذي بقى سالماً، ولعله هو الذي غار على نفسه فكسر رفاقه لأنه أكبر منهم، أو لعله هو الفاعل. فاسألوه ينبئكم.

هنا كان الردّ قاصماً. "فَرَجَعُوا إِلَىٰ أَنفُسِهِمْ فَقَالُوا إِنَّكُمْ أَنتُمُ الظَّالِمُونَ". أي رجعوا إلى بعضهم البعض، أو رجع كل منهم إلى عقله وفكره، فلام بعضهم بعضاً، وقالوا: أنتم الظالمون لأنفسكم بعبادة ما لا ينطق، لأنكم تعبدون من لا يقدر على شيء، وتسألون إبراهيم عن آلهتكم وهو بشر، وتتركون سؤالهم هم. ثم ماذا حدث؟ "ثُمَّ نُكِسُوا عَلَىٰ رُءُوسِهِمْ". أي رجعوا إلى جهلهم الأول، ورأيهم القديم، فانكسروا وخزوا. قالوا: "لَقَدْ عَلِمْتَ مَا هَٰؤُلَاءِ يَنطِقُونَ". أي يا إبراهيم، أنت تعلم أنهم لا ينطقون، فكيف تأمرنا بسؤالهم؟ وهنا تمت الحجة.

عندها قال إبراهيم عليه السلام موبخاً ومقرراً الحق: "أَفَتَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنفَعُكُمْ شَيْئًا وَلَا يَضُرُّكُمْ. أُفٍّ لَّكُمْ وَلِمَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ ۖ أَفَلَا تَعْقِلُونَ". أفلا تستخدمون عقولكم التي ميزكم الله بها؟ كيف تعبدون حجراً لا ينفع ولا يضر، وتتركون عبادة خالق السموات والأرض؟!

وهكذا أراهم الله على لسان إبراهيم بطلان الشرك، وأن التوحيد هو الفطرة التي خلق الله الناس عليها. ولكن أكثر القوم لم يهتدوا، بل عادوا إلى عنادهم، وقرروا عقاب إبراهيم، فألقوه في النار العظيمة، فجعلها الله عليه برداً وسلاماً.

1000193742.jpg
 
Comment

سيناا

☄️شهاب الغابة ..محبوب الجماهير
مستشار الادارة
إنضم
27 أكتوبر 2021
المشاركات
59,841
مستوى التفاعل
12,969
مجموع اﻻوسمة
21
قصص وأحاديث وعبر
غزوة بدر الكبرى: يوم الفرقان

في صبيحة يوم الجمعة، السابع عشر من شهر رمضان المبارك في السنة الثانية للهجرة (الموافق 13 مارس 624م)، التقى جيش الإسلام مع جيش قريش عند آبار بدر، في موقعة كانت فاصلة في تاريخ الدعوة الإسلامية، سماها الله تعالى في كتابه العزيز "يوم الفرقان"، لأنها فرقت بين الحق والباطل، وأعز الله فيها الإسلام وأهله رغم قلة عددهم وعتادهم .

لم تكن غزوة بدر بداية الصراع، بل كانت تتويجًا لسنوات من الأذى والظلم الذي لحق بالمسلمين في مكة، والذين هاجروا إلى المدينة تاركين ديارهم وأموالهم التي صادرتها قريش ظلمًا وعدوانًا . كان المسلمون يراقبون تحركات قريش التجارية، التي كانت شريان الحياة لاقتصادها. في أوائل سنة 2 هـ، وصلت الأنباء إلى رسول الله ﷺ بأن قافلة تجارية كبرى لقريش، محملة بالأموال والبضائع، قادمة من الشام إلى مكة بقيادة أبي سفيان بن حرب .

ندب النبي ﷺ أصحابه للخروج لعل الله أن ينفلهم هذه القافلة، قائلاً: "هذه عير قريش فيها أموالهم فاخرجوا إليها لعل الله ينفلكموها". لم يكن النبي ﷺ يعزم على أحد بالخروج إلزامًا، إذ لم يكن يتوقع لقاءً عسكريًا كبيرًا، لذلك خرج معه نحو 313 إلى 340 رجلاً فقط، هم من تيسر له الخروج من المهاجرين والأنصار . لم يكن معهم من الخيل سوى فرسين، وسبعون بعيرًا كانوا يتناوبون ركوبها، وكان النبي ﷺ يتقاسم الراحلة مع اثنين من أصحابه .

كان أبو سفيان يقود القافلة بحذر، يتلمس الأخبار حتى علم بمسير المسلمين، فبادر بتحويل مسار القافلة بعيدًا عن طريق بدر، وسلك طريق الساحل. وفي الوقت نفسه، أرسل إلى قريش يستنفرهم لإنقاذ أموالهم، وأرسل رسولاً هو ضمضم بن عمرو الغفاري ليصرخ في مكة وينذرهم بالخطر .

كانت قريش قد رأت قبل ذلك رؤيا لعاتكة بنت عبد المطلب تنذر بهزيمتها، فكان مجيء ضمضم مصداقًا لرؤياها. خرجت قريش في نفير عام، بطرًا ورياءً، في جيش عدته نحو 950 إلى 1000 مقاتل، معهم 100 فرس، وغادرت مكة وقد استصحبت القيان يضربن بالدفوف ويغنين بهجاء المسلمين. كان من بينهم زعماء قريش وكبراؤها: أبو جهل بن هشام (قائد الجيش)، عتبة بن ربيعة، أمية بن خلف، والعاص بن هشام وغيرهم، ولم يتخلف أحد إلا القليل .

وصل المسلمون إلى منطقة بدر، وهنا جاءهم نبأ نجاة القافلة ووصول جيش قريش. لم يكن أمام المسلمين سوى خيارين: المواجهة مع جيش قريش، أو الانسحاب. هنا تجلت عبقرية القيادة المحمدية، فعقد ﷺ مجلساً استشارياً مع أصحابه .

قام أبو بكر الصديق وعمر بن الخطاب والمقداد بن عمرو، وأبدوا رأيهم وأحسنوا. لكن النبي ﷺ أعاد الكرة قائلاً: "أشيروا علي أيها الناس"، وكان بذلك يريد الأنصار على وجه الخصوص، لأن عقد بيعتهم له في العقبة كان على نصرته في المدينة لا على القتال خارجها. فقام سعد بن معاذ، سيد الأوس، وقال كلمته التاريخية: "والله لكأنك تريدنا يا رسول الله؟ قال: أجل. قال: فإنا قد آمنا بك وصدقناك، وشهدنا أن ما جئت به هو الحق، وأعطيناك على ذلك عهودنا ومواثيقنا على السمع والطاعة، فامض يا رسول الله لما أردت فنحن معك، فوالذي بعثك بالحق لو استعرضت بنا هذا البحر فخضته لخضناه معك ما تخلف منا رجل واحد، وما نكره أن تلقى بنا عدونا غداً، إنا لصُبُرٌ في الحرب، صُدْقٌ عند اللقاء، لعل الله يريك منا ما تقر به عينك، فسر على بركة الله" .

فرح النبي ﷺ بهذا الموقف وطمأنهم: "سيروا وأبشروا، فإن الله تعالى قد وعدني إحدى الطائفتين، والله لكأني الآن أنظر إلى مصارع القوم" .

بمشورة من الصحابي الجليل الحباب بن المنذر، نزل المسلمون على أدنى ماء من بدر، وبنوا حوضًا للماء ثم غوّروا بقية الآبار، ليضمنوا السيطرة على المورد الأهم في الصحراء ويكبدوا قريش العطش . بنى سعد بن معاذ عريشًا للنبي ﷺ على تلة صغيرة ليكون مركزًا للقيادة ويرى سير المعركة .

قضى النبي ﷺ ليلته صائمًا قانتًا لله، رافعًا يديه بالدعاء والاستغاثة حتى سقط رداؤه عن منكبيه، قائلاً: "اللهم أنجز لي ما وعدتني، اللهم آت ما وعدتني، اللهم إن تهلك هذه العصابة اليوم لا تُعبد في الأرض". فأتاه أبو بكر وقال: "حسبك مناشدتك ربك، فإنه سينجز لك ما وعدك". وكان من رحمة الله أن أنزل عليهم المطر تلك الليلة، فطهرهم به وثبت الأرض تحت أقدامهم، وكان على المشركين وابلًا شديدًا عطل حركتهم .

وفي صبيحة يوم المعركة، رتب النبي ﷺ صفوف أصحابه كصفوف الصلاة، وأعطى اللواء الأبيض لمصعب بن عمير، وجعل على الميمنة الزبير بن العوام وعلى الميسرة المقداد بن عمرو. ثم أمر أصحابه ألا يبدؤوا القتال حتى يأذن لهم، قائلاً: "لا تقاتلوا حتى أوذنكم، وإن كثبوكم فارموهم بالنبل، ولا تسلوا السيوف حتى يغشوكم" .

بدأت الحرب بجرأة من المشركين، فخرج من صفوفهم الأسود بن عبد الأسد المخزومي ليشرب من حوض المسلمين، فخرج إليه حمزة بن عبد المطلب وقتله . ثم طلب عتبة بن ربيعة المبارزة، وخرج معه أخوه شيبة وابنه الوليد. تقدم لهم ثلاثة من شباب الأنصار، فرفضوهم طالبين بني عمهم من قريش .

فأمر النبي ﷺ ثلاثة من بني هاشم: عمه حمزة بن عبد المطلب، وابن عمه علي بن أبي طالب، وعبيدة بن الحارث بن عبد المطلب. فقتل حمزة عتبة، وقتل علي شيبة، واختلف عبيدة والوليد ضربتين، فأثخن كل منهما صاحبه، فكر حمزة وعلي على الوليد فقتلاه واحتملا عبيدة الذي كان قد أصيب بقطع رجله . كانت هذه المبارزة صاعقة لجيش قريش، أيقنت أن الأمر ليس هينًا.

بعد أن فشلت المبارزة، وبعد أن دخل النبي ﷺ العريش، وأخذ حفنة من الحصى ورمى بها نحو المشركين قائلاً: "شاهت الوجوه"، وأمر أصحابه بالهجوم. قال تعالى: {وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَـٰكِنَّ اللَّهَ رَمَىٰ} [الأنفال: 17] .

أيد الله المسلمين بجنود من عنده، ونزل قوله تعالى: {إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُم بِأَلْفٍ مِّنَ الْمَلَائِكَةِ مُرْدِفِينَ} [الأنفال: 9] . ودارت رحى المعركة بضراوة، فأظهر المسلمون بسالة وإيمانًا عظيمين، كان منهم عمير بن الحمام الذي كان يأكل تمرات فسمع النبي ﷺ يقول: "قوموا إلى جنة عرضها السموات والأرض"، فرمى التمرات من يده وقاتل حتى استشهد .

قتل من المشركين سبعون رجلاً، وأسر سبعون آخرون. كان من أبرز القتلى: أبو جهل عمرو بن هشام، الذي قتله معاذ بن عمرو بن الجموح ومعاذ بن عفراء، وأجهز عليه عبد الله بن مسعود. وقُتل أيضًا أمية بن خلف على يد بلال بن رباح، وعتبة بن ربيعة، والعاص بن هشام وغيرهم من صناديد قريش . أما المسلمون فاستشهد منهم أربعة عشر بطلاً، ستة من المهاجرين وثمانية من الأنصار .

أقام النبي ﷺ في بدر ثلاثة أيام، ثم أمر بدفن شهدائه، وبطرح قتلى المشركين في قليب (بئر) من قلب بدر. وعاد إلى المدينة مبشرًا بالنصر. وكانت لهذه الغزوة نتائج عظيمة على مستقبل الدعوة الإسلامية :

أولاً: أصبحت للمسلمين هيبة ومكانة في الجزيرة العربية، وارتفع نجم الإسلام في المدينة، وتراجعت قوى النفاق واليهود عن إظهار عداوتها .
ثانياً: فرضت الدولة الإسلامية وجودها كقوة جديدة لا يستهان بها، وبدأت القبائل تحسب لها حسابًا .
ثالثاً: تعززت ثقة المسلمين بالله وبما عندهم من عقيدة راسخة، وأدركوا أن النصر ليس بالكثرة ولكن بالصبر والتقوى .
رابعاً: كان في الغزوة عبرة ودروس في القيادة والتخطيط والمشورة والتوكل على الله، والتي لا تزال منارًا للأمة .
خامساً: عالجت الشريعة قضايا الغنائم والأسرى لأول مرة، وأنزل الله فيها آيات بينات .

ختاماً: كانت غزوة بدر بداية الطريق لبناء أمة، ونموذجًا فريدًا لكيفية صناعة النصر بالإعداد الصحيح والتضحية والفداء والثقة بنصر الله. هي يوم الفرقان الذي لا يزال المسلمون يستلهمون منه الدروس والعبر.

1000193743.jpg
 
Comment

سيناا

☄️شهاب الغابة ..محبوب الجماهير
مستشار الادارة
إنضم
27 أكتوبر 2021
المشاركات
59,841
مستوى التفاعل
12,969
مجموع اﻻوسمة
21
قصص وأحاديث وعبر
هل تعلم أن هناك رجلا مسجونا في جزيرة نائية منذ أكثر من ألف وأربعمئة سنة هذا الرجل ليس إنسانا عاديا بل هو أعظم فاتن عرفته البشرية إنه المسيح الدجال الذي حذر منه جميع الأنبياء

القصة بدأت عندما ركب تميم الداري في سفينة مع ثلاثين رجلا من قبيلة لخم وجذام هبت عليهم عاصفة هوجاء في البحر وتلاطمت بهم الأمواج لمدة شهر كامل حتى فقدوا الأمل في النجاة وفجأة وبعد شهر من الضياع ظهرت لهم جزيرة غامضة لم تكن على الخرائط ولا يعرفون عنها شيئا

نزل تميم وأصحابه إلى الجزيرة وإذا بهم يواجهون مخلوقا غريبا دابة كثيفة الشعر تغطي جسدها بالكامل حتى صاروا لا يفرقون بين وجهها وظهرها صرخوا فيها خوفا فقالت لهم بصوت مرعب لست ما تظنون أنا الجساسة اذهبوا إلى الرجل المسجون في الدير فإنه ينتظركم بشوق

ركض تميم وأصحابه مذعورين حتى وصلوا إلى الدير وهناك رأوا منظرا مرعبا رجلا ضخما هائلا لم يروا مثله في حياتهم كان مقيدا بالسلاسل الحديدية مجموعة يداه إلى عنقه وموثوق من ركبتيه إلى كعبيه بالحديد وعندما رآهم قال لهم ببرود هل وصلتم أخيرا أخبروني عن نخيل بيسان هل يثمر الآن

أجاب تميم نعم إنه يثمر فقال الدجال أوشك أن لا يثمر ثم سأل عن بحيرة طبرية هل فيها ماء قالوا نعم كثيرة الماء قال أوشك أن يذهب ماؤها ثم سأل عن عين زغر فقالوا تروي المزروعات فقال الدجال أوشك أن تجف ثم سأل عن سؤال عظيم عن النبي الأمي محمد صلى الله عليه وسلم ماذا فعل قال تميم خرج من مكة وسكن المدينة وهزم من حوله من العرب وأصبحوا يطيعونه فصرخ الدجال بصوت مدو أما إن ذلك خير لهم أن يطيعوه ثم قال بصوت مرعب أنا المسيح أنا الدجال أنا الذي سأخرج في آخر الزمان لأفتن البشرية كلها

هل تصدق أن هذا الرجل المسجون لا يزال حيا حتى هذه اللحظة هل تصدق أن الله أبقاه كل هذه القرون ليخرج في الوقت المحدد الذي يعلمه الله وحده إن هذه القصة ليست خيالا علميا بل هي حديث صحيح رواه الإمام مسلم عن فاطمة بنت قيس رضي الله عنها وصدقها النبي صلى الله عليه وسلم أمام الصحابة جميعا

أيها القارئ العزيز تخيل أن هذا الرجل مقيد الآن في جزيرة ناحية المشرق ينتظر الإذن بالخروج تخيل أنه سيبقى حيا حتى يأذن الله له فيظهر في الأرض فيدعي الألوهية ويأتي بفتن عظيمة منها أنه يأمر السماء فتمطر ويأمر الأرض فتنبت ويمر على الخربة فيقول لها أخرجي كنوزك فتتبعه كنوزها كيعاسيب النبل

هذه القصة يجب أن يعرفها كل مسلم وكل مسلمة إنها تزيد المؤمن إيمانا ويقينا وتجعلنا نستعد لهذه الفتنة العظيمة بالعلم والعبادة وحفظ القرآن الذي هو حصن من الدجال

1000193744.jpg
 
Comment

سيناا

☄️شهاب الغابة ..محبوب الجماهير
مستشار الادارة
إنضم
27 أكتوبر 2021
المشاركات
59,841
مستوى التفاعل
12,969
مجموع اﻻوسمة
21
قصص وأحاديث وعبر
تميم بن أوس بن خارجة بن سود بن خزيمة الداري، أبو رقية، ويُقال له راهب العرب، صحابي جليل من فضلاء الصحابة وكبارهم، كان نصرانياً من أهل فلسطين، يقرأ الكتب ويعلم أخبار الرهبان والقسيسين، وكان من أعلم الناس بقصص الأنبياء وأخبار الأمم السابقة، وكان من سادة قومه وأشرافهم، ورث عن أبيه أرضاً في فلسطين، وكان يعمل في التجارة بين الشام ومكة .

قدم تميم الداري المدينة المنورة في سنة تسع من الهجرة، في العام الذي يسمى عام الوفود، فدخل على رسول الله ﷺ وأسلم بين يديه، وكان من أحسن الناس إسلاماً وأصدقهم إيماناً، ففرح به النبي ﷺ وأدناه منه، وسمع منه حديثاً عظيماً لم يسمعه من أحد قبله، فصعد النبي المنبر يوماً واجتمع الناس حوله، فقال لهم: أتدرون لم جمعتكم؟ قالوا: الله ورسوله أعلم. قال: إني ما جمعتكم لرغبة ولا لرهبة، ولكن جمعتكم لأن تميماً الداري كان رجلاً نصرانياً، فجاء فبايع وأسلم، وحدثني حديثاً وافق الذي كنت أحدثكم عن مسيح الدجال .

أخذ تميم الداري مجلسه بين يدي رسول الله ﷺ، وأخذ يحدثه عن رحلة عجيبة قام بها قبل إسلامه، قال: يا رسول الله، ركبت في سفينة بحرية مع ثلاثين رجلاً من لخم وجذام، فلعب بنا الموج شهراً في البحر، ثم أرفأنا إلى جزيرة في البحر حتى مغرب الشمس، فجلسنا في أقرب السفينة، ثم دخلنا الجزيرة، فلقيتنا دابة أهلب كثيرة الشعر، لا يدرون ما قبله من دبره من كثرة الشعر، فقالوا لها: ويلك ما أنت؟ قالت: أنا الجساسة. قالوا: وما الجساسة؟ قالت: أيها القوم، انطلقوا إلى هذا الرجل في الدير، فإنه إلى خبركم بالأشواق .

فلما سمت لنا رجلاً فرقنا منها أن تكون شيطانة، فانطلقنا سراعاً حتى دخلنا الدير، فإذا فيه أعظم إنسان رأيناه قط خلقاً، وأشده وثاقاً، مجموعة يداه إلى عنقه، ما بين ركبتيه إلى كعبيه بالحديد. قلنا له: ويلك ما أنت؟ قال: قد قدرتم على خبري، فأخبروني ما أنتم؟ قالوا: نحن أناس من العرب، ركبنا في سفينة بحرية، فصادفنا البحر حين اغتلم، فلعب بنا الموج شهراً، ثم أرفأنا إلى جزيرتك هذه، فجلسنا في أقربها، فدخلنا الجزيرة، فلقيتنا دابة أهلب كثيرة الشعر، لا يدرى ما قبله من دبره من كثرة الشعر، فقلنا لها: ويلك ما أنت؟ قالت: أنا الجساسة. قلنا: وما الجساسة؟ قالت: اعمدوا إلى هذا الرجل في الدير، فإنه إلى خبركم بالأشواق، فأقبلنا إليك سراعاً، وفزعنا منها، ولم نأمن أن تكون شيطانة .

فقال لهم الرجل: أخبروني عن نخل بيسان. قالوا: عن أي شأنها تستخبر؟ قال: أسألكم عن نخلها هل يثمر؟ قالوا له: نعم. قال: أما إنه يوشك أن لا تثمر. قال: أخبروني عن بحيرة طبرية. قالوا: عن أي شأنها تستخبر؟ قال: هل فيها ماء؟ قالوا: هي كثيرة الماء. قال: أما إن ماءها يوشك أن يذهب. قال: أخبروني عن عين زغر. قالوا: عن أي شأنها تستخبر؟ قال: هل في العين ماء؟ وهل يزرع أهلها بماء العين؟ قلنا له: نعم، هي كثيرة الماء، وأهلها يزرعون من مائها. قال: أخبروني عن النبي الأمي ما فعل؟ قالوا: قد خرج من مكة ونزل يثرب. قال: أقاتله العرب؟ قلنا: نعم. قال: كيف صنع بهم؟ فأخبرناه أنه قد ظهر على من يليه من العرب وأطاعوه. قال لهم: أما إن ذلك خير لهم، ولو أني أخبركم أني أنا المسيح، لكني أنا المسيح، وإني أوشك أن يؤذن لي في الخروج، فإني خارج فاطأ الأرض كلها، فلا أدع قرية إلا وطئتها في أربعين ليلة، غير مكة وطيبة، فهما محرمتان علي كلتاهما، كلما أردت أن أدخل واحدة أو واحداً استقبلني ملك بيده السيف صلتاً يصدني عنها، وإن على كل نقب منها ملائكة يحرسونها .

فلما انتهى تميم من حديثه، قال رسول الله ﷺ: هذه طيبة، هذه طيبة، هذه طيبة، يعني المدينة، ألا هل كنت حدثتكم عن ذلك؟ فقال الناس: قد كنت حدثتنا يا رسول الله. قال: فإنه يعجبني حديث تميم، إنه وافق الذي كنت أحدثكم عنه وعن الدجال .

هذا الحديث العظيم الذي رواه تميم الداري عن رحلته، سجله الإمام مسلم في صحيحه، وأصبح من علامات النبوة الباهرة، ومن الأحاديث التي تبشر بظهور المسيح الدجال في آخر الزمان، وتخبر عن صفاته وأفعاله، وكان تميم الداري سبباً في تأكيد هذا الحديث وتوثيقه .

ولما استقر تميم الداري في المدينة، لازم رسول الله ﷺ وتعلم منه القرآن والسنة، وكان من أحفظ الصحابة للقصص والأخبار، وكان رسول الله يُجلسه ويقول: حدثنا يا تميم . وكان تميم كثير العبادة والتهجد، طويل القيام، كثير الصيام، حتى لقبوه براهب العرب، وكان يقرأ القرآن في ركعة واحدة، ويختمه في سبع ليال .

وبعد وفاة رسول الله ﷺ، انتقل تميم الداري إلى الشام، وسكن بيت المقدس، وكان من أعبد الناس وأزهدهم، لا ينام الليل إلا قليلاً، وكان يقرأ القرآن في المحراب، ويبكي حتى تبتل لحيته من كثرة الدموع. وفي إحدى الليالي، وهو قائم يصلي في المحراب، قرأ قوله تعالى: ﴿أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ أَن نَّجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَوَاءً مَّحْيَاهُمْ وَمَمَاتُهُمْ ۚ سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ﴾ [الجاثية: 21]، فبكى بكاءً شديداً، وكرر الآية مراراً، وجعل يقول: والله لو علمت أن حياتي كلها في طاعتك ومماتي على ذلك، لكان ذلك كل الهم، فكيف وأنا لا أدري ما يختم لي؟! ثم خر ساجداً وهو يبكي، فوجدوه ساجداً ميتاً رحمه الله .

وكان تميم الداري أول من أوقد السراج في المسجد، فقد قدم إلى المدينة ورأى ظلمة المسجد ليلاً، فاشترى زيتاً وأوقد قنديلاً في المسجد، فكان أول من سن هذه السنة الحسنة في الإسلام . وكان رضي الله عنه سخياً كريماً، تصدق بأرضه التي ورثها من أبيه في فلسطين على المسلمين، وجعلها وقفاً لله، وكانت أرضاً واسعة خصبة، فكانت أول وقف في الإسلام .

ومات تميم الداري رضي الله عنه في بيت المقدس سنة أربعين من الهجرة، وقيل سنة إحدى وأربعين، ودفن في مدينة القدس الشريف، وقبره معروف إلى اليوم في مقبرة مأمن الله. رضي الله عن تميم الداري، الراهب العابد، الذي آثر الله على قومه، وصدق رسول الله واتبع هداه، وكان سبباً في نقل حديث عظيم من أحاديث النبي عن الدجال وأشراط الساعة .

1000193745.jpg
 
Comment

سيناا

☄️شهاب الغابة ..محبوب الجماهير
مستشار الادارة
إنضم
27 أكتوبر 2021
المشاركات
59,841
مستوى التفاعل
12,969
مجموع اﻻوسمة
21
قصص وأحاديث وعبر
غزوة بدر الكبرى: يوم الفرقان

في صبيحة يوم الجمعة، السابع عشر من شهر رمضان المبارك في السنة الثانية للهجرة (الموافق 13 مارس 624م)، التقى جيش الإسلام مع جيش قريش عند آبار بدر، في موقعة كانت فاصلة في تاريخ الدعوة الإسلامية، سماها الله تعالى في كتابه العزيز "يوم الفرقان"، لأنها فرقت بين الحق والباطل، وأعز الله فيها الإسلام وأهله رغم قلة عددهم وعتادهم .

لم تكن غزوة بدر بداية الصراع، بل كانت تتويجًا لسنوات من الأذى والظلم الذي لحق بالمسلمين في مكة، والذين هاجروا إلى المدينة تاركين ديارهم وأموالهم التي صادرتها قريش ظلمًا وعدوانًا . كان المسلمون يراقبون تحركات قريش التجارية، التي كانت شريان الحياة لاقتصادها. في أوائل سنة 2 هـ، وصلت الأنباء إلى رسول الله ﷺ بأن قافلة تجارية كبرى لقريش، محملة بالأموال والبضائع، قادمة من الشام إلى مكة بقيادة أبي سفيان بن حرب .

ندب النبي ﷺ أصحابه للخروج لعل الله أن ينفلهم هذه القافلة، قائلاً: "هذه عير قريش فيها أموالهم فاخرجوا إليها لعل الله ينفلكموها". لم يكن النبي ﷺ يعزم على أحد بالخروج إلزامًا، إذ لم يكن يتوقع لقاءً عسكريًا كبيرًا، لذلك خرج معه نحو 313 إلى 340 رجلاً فقط، هم من تيسر له الخروج من المهاجرين والأنصار . لم يكن معهم من الخيل سوى فرسين، وسبعون بعيرًا كانوا يتناوبون ركوبها، وكان النبي ﷺ يتقاسم الراحلة مع اثنين من أصحابه .

كان أبو سفيان يقود القافلة بحذر، يتلمس الأخبار حتى علم بمسير المسلمين، فبادر بتحويل مسار القافلة بعيدًا عن طريق بدر، وسلك طريق الساحل. وفي الوقت نفسه، أرسل إلى قريش يستنفرهم لإنقاذ أموالهم، وأرسل رسولاً هو ضمضم بن عمرو الغفاري ليصرخ في مكة وينذرهم بالخطر .

كانت قريش قد رأت قبل ذلك رؤيا لعاتكة بنت عبد المطلب تنذر بهزيمتها، فكان مجيء ضمضم مصداقًا لرؤياها. خرجت قريش في نفير عام، بطرًا ورياءً، في جيش عدته نحو 950 إلى 1000 مقاتل، معهم 100 فرس، وغادرت مكة وقد استصحبت القيان يضربن بالدفوف ويغنين بهجاء المسلمين. كان من بينهم زعماء قريش وكبراؤها: أبو جهل بن هشام (قائد الجيش)، عتبة بن ربيعة، أمية بن خلف، والعاص بن هشام وغيرهم، ولم يتخلف أحد إلا القليل .

وصل المسلمون إلى منطقة بدر، وهنا جاءهم نبأ نجاة القافلة ووصول جيش قريش. لم يكن أمام المسلمين سوى خيارين: المواجهة مع جيش قريش، أو الانسحاب. هنا تجلت عبقرية القيادة المحمدية، فعقد ﷺ مجلساً استشارياً مع أصحابه .

قام أبو بكر الصديق وعمر بن الخطاب والمقداد بن عمرو، وأبدوا رأيهم وأحسنوا. لكن النبي ﷺ أعاد الكرة قائلاً: "أشيروا علي أيها الناس"، وكان بذلك يريد الأنصار على وجه الخصوص، لأن عقد بيعتهم له في العقبة كان على نصرته في المدينة لا على القتال خارجها. فقام سعد بن معاذ، سيد الأوس، وقال كلمته التاريخية: "والله لكأنك تريدنا يا رسول الله؟ قال: أجل. قال: فإنا قد آمنا بك وصدقناك، وشهدنا أن ما جئت به هو الحق، وأعطيناك على ذلك عهودنا ومواثيقنا على السمع والطاعة، فامض يا رسول الله لما أردت فنحن معك، فوالذي بعثك بالحق لو استعرضت بنا هذا البحر فخضته لخضناه معك ما تخلف منا رجل واحد، وما نكره أن تلقى بنا عدونا غداً، إنا لصُبُرٌ في الحرب، صُدْقٌ عند اللقاء، لعل الله يريك منا ما تقر به عينك، فسر على بركة الله" .

فرح النبي ﷺ بهذا الموقف وطمأنهم: "سيروا وأبشروا، فإن الله تعالى قد وعدني إحدى الطائفتين، والله لكأني الآن أنظر إلى مصارع القوم" .

بمشورة من الصحابي الجليل الحباب بن المنذر، نزل المسلمون على أدنى ماء من بدر، وبنوا حوضًا للماء ثم غوّروا بقية الآبار، ليضمنوا السيطرة على المورد الأهم في الصحراء ويكبدوا قريش العطش . بنى سعد بن معاذ عريشًا للنبي ﷺ على تلة صغيرة ليكون مركزًا للقيادة ويرى سير المعركة .

قضى النبي ﷺ ليلته صائمًا قانتًا لله، رافعًا يديه بالدعاء والاستغاثة حتى سقط رداؤه عن منكبيه، قائلاً: "اللهم أنجز لي ما وعدتني، اللهم آت ما وعدتني، اللهم إن تهلك هذه العصابة اليوم لا تُعبد في الأرض". فأتاه أبو بكر وقال: "حسبك مناشدتك ربك، فإنه سينجز لك ما وعدك". وكان من رحمة الله أن أنزل عليهم المطر تلك الليلة، فطهرهم به وثبت الأرض تحت أقدامهم، وكان على المشركين وابلًا شديدًا عطل حركتهم .

وفي صبيحة يوم المعركة، رتب النبي ﷺ صفوف أصحابه كصفوف الصلاة، وأعطى اللواء الأبيض لمصعب بن عمير، وجعل على الميمنة الزبير بن العوام وعلى الميسرة المقداد بن عمرو. ثم أمر أصحابه ألا يبدؤوا القتال حتى يأذن لهم، قائلاً: "لا تقاتلوا حتى أوذنكم، وإن كثبوكم فارموهم بالنبل، ولا تسلوا السيوف حتى يغشوكم" .

بدأت الحرب بجرأة من المشركين، فخرج من صفوفهم الأسود بن عبد الأسد المخزومي ليشرب من حوض المسلمين، فخرج إليه حمزة بن عبد المطلب وقتله . ثم طلب عتبة بن ربيعة المبارزة، وخرج معه أخوه شيبة وابنه الوليد. تقدم لهم ثلاثة من شباب الأنصار، فرفضوهم طالبين بني عمهم من قريش .

فأمر النبي ﷺ ثلاثة من بني هاشم: عمه حمزة بن عبد المطلب، وابن عمه علي بن أبي طالب، وعبيدة بن الحارث بن عبد المطلب. فقتل حمزة عتبة، وقتل علي شيبة، واختلف عبيدة والوليد ضربتين، فأثخن كل منهما صاحبه، فكر حمزة وعلي على الوليد فقتلاه واحتملا عبيدة الذي كان قد أصيب بقطع رجله . كانت هذه المبارزة صاعقة لجيش قريش، أيقنت أن الأمر ليس هينًا.

بعد أن فشلت المبارزة، وبعد أن دخل النبي ﷺ العريش، وأخذ حفنة من الحصى ورمى بها نحو المشركين قائلاً: "شاهت الوجوه"، وأمر أصحابه بالهجوم. قال تعالى: {وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَـٰكِنَّ اللَّهَ رَمَىٰ} [الأنفال: 17] .

أيد الله المسلمين بجنود من عنده، ونزل قوله تعالى: {إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُم بِأَلْفٍ مِّنَ الْمَلَائِكَةِ مُرْدِفِينَ} [الأنفال: 9] . ودارت رحى المعركة بضراوة، فأظهر المسلمون بسالة وإيمانًا عظيمين، كان منهم عمير بن الحمام الذي كان يأكل تمرات فسمع النبي ﷺ يقول: "قوموا إلى جنة عرضها السموات والأرض"، فرمى التمرات من يده وقاتل حتى استشهد .

قتل من المشركين سبعون رجلاً، وأسر سبعون آخرون. كان من أبرز القتلى: أبو جهل عمرو بن هشام، الذي قتله معاذ بن عمرو بن الجموح ومعاذ بن عفراء، وأجهز عليه عبد الله بن مسعود. وقُتل أيضًا أمية بن خلف على يد بلال بن رباح، وعتبة بن ربيعة، والعاص بن هشام وغيرهم من صناديد قريش . أما المسلمون فاستشهد منهم أربعة عشر بطلاً، ستة من المهاجرين وثمانية من الأنصار .

أقام النبي ﷺ في بدر ثلاثة أيام، ثم أمر بدفن شهدائه، وبطرح قتلى المشركين في قليب (بئر) من قلب بدر. وعاد إلى المدينة مبشرًا بالنصر. وكانت لهذه الغزوة نتائج عظيمة على مستقبل الدعوة الإسلامية :

أولاً: أصبحت للمسلمين هيبة ومكانة في الجزيرة العربية، وارتفع نجم الإسلام في المدينة، وتراجعت قوى النفاق واليهود عن إظهار عداوتها .
ثانياً: فرضت الدولة الإسلامية وجودها كقوة جديدة لا يستهان بها، وبدأت القبائل تحسب لها حسابًا .
ثالثاً: تعززت ثقة المسلمين بالله وبما عندهم من عقيدة راسخة، وأدركوا أن النصر ليس بالكثرة ولكن بالصبر والتقوى .
رابعاً: كان في الغزوة عبرة ودروس في القيادة والتخطيط والمشورة والتوكل على الله، والتي لا تزال منارًا للأمة .
خامساً: عالجت الشريعة قضايا الغنائم والأسرى لأول مرة، وأنزل الله فيها آيات بينات .

ختاماً: كانت غزوة بدر بداية الطريق لبناء أمة، ونموذجًا فريدًا لكيفية صناعة النصر بالإعداد الصحيح والتضحية والفداء والثقة بنصر الله. هي يوم الفرقان الذي لا يزال المسلمون يستلهمون منه الدروس والعبر.

1000193746.jpg
 
Comment

سيناا

☄️شهاب الغابة ..محبوب الجماهير
مستشار الادارة
إنضم
27 أكتوبر 2021
المشاركات
59,841
مستوى التفاعل
12,969
مجموع اﻻوسمة
21
قصص وأحاديث وعبر
تميم بن أوس بن خارجة بن سود بن خزيمة الداري، أبو رقية، ويُقال له راهب العرب، صحابي جليل من فضلاء الصحابة وكبارهم، كان نصرانياً من أهل فلسطين، يقرأ الكتب ويعلم أخبار الرهبان والقسيسين، وكان من أعلم الناس بقصص الأنبياء وأخبار الأمم السابقة، وكان من سادة قومه وأشرافهم، ورث عن أبيه أرضاً في فلسطين، وكان يعمل في التجارة بين الشام ومكة .

قدم تميم الداري المدينة المنورة في سنة تسع من الهجرة، في العام الذي يسمى عام الوفود، فدخل على رسول الله ﷺ وأسلم بين يديه، وكان من أحسن الناس إسلاماً وأصدقهم إيماناً، ففرح به النبي ﷺ وأدناه منه، وسمع منه حديثاً عظيماً لم يسمعه من أحد قبله، فصعد النبي المنبر يوماً واجتمع الناس حوله، فقال لهم: أتدرون لم جمعتكم؟ قالوا: الله ورسوله أعلم. قال: إني ما جمعتكم لرغبة ولا لرهبة، ولكن جمعتكم لأن تميماً الداري كان رجلاً نصرانياً، فجاء فبايع وأسلم، وحدثني حديثاً وافق الذي كنت أحدثكم عن مسيح الدجال .

أخذ تميم الداري مجلسه بين يدي رسول الله ﷺ، وأخذ يحدثه عن رحلة عجيبة قام بها قبل إسلامه، قال: يا رسول الله، ركبت في سفينة بحرية مع ثلاثين رجلاً من لخم وجذام، فلعب بنا الموج شهراً في البحر، ثم أرفأنا إلى جزيرة في البحر حتى مغرب الشمس، فجلسنا في أقرب السفينة، ثم دخلنا الجزيرة، فلقيتنا دابة أهلب كثيرة الشعر، لا يدرون ما قبله من دبره من كثرة الشعر، فقالوا لها: ويلك ما أنت؟ قالت: أنا الجساسة. قالوا: وما الجساسة؟ قالت: أيها القوم، انطلقوا إلى هذا الرجل في الدير، فإنه إلى خبركم بالأشواق .

فلما سمت لنا رجلاً فرقنا منها أن تكون شيطانة، فانطلقنا سراعاً حتى دخلنا الدير، فإذا فيه أعظم إنسان رأيناه قط خلقاً، وأشده وثاقاً، مجموعة يداه إلى عنقه، ما بين ركبتيه إلى كعبيه بالحديد. قلنا له: ويلك ما أنت؟ قال: قد قدرتم على خبري، فأخبروني ما أنتم؟ قالوا: نحن أناس من العرب، ركبنا في سفينة بحرية، فصادفنا البحر حين اغتلم، فلعب بنا الموج شهراً، ثم أرفأنا إلى جزيرتك هذه، فجلسنا في أقربها، فدخلنا الجزيرة، فلقيتنا دابة أهلب كثيرة الشعر، لا يدرى ما قبله من دبره من كثرة الشعر، فقلنا لها: ويلك ما أنت؟ قالت: أنا الجساسة. قلنا: وما الجساسة؟ قالت: اعمدوا إلى هذا الرجل في الدير، فإنه إلى خبركم بالأشواق، فأقبلنا إليك سراعاً، وفزعنا منها، ولم نأمن أن تكون شيطانة .

فقال لهم الرجل: أخبروني عن نخل بيسان. قالوا: عن أي شأنها تستخبر؟ قال: أسألكم عن نخلها هل يثمر؟ قالوا له: نعم. قال: أما إنه يوشك أن لا تثمر. قال: أخبروني عن بحيرة طبرية. قالوا: عن أي شأنها تستخبر؟ قال: هل فيها ماء؟ قالوا: هي كثيرة الماء. قال: أما إن ماءها يوشك أن يذهب. قال: أخبروني عن عين زغر. قالوا: عن أي شأنها تستخبر؟ قال: هل في العين ماء؟ وهل يزرع أهلها بماء العين؟ قلنا له: نعم، هي كثيرة الماء، وأهلها يزرعون من مائها. قال: أخبروني عن النبي الأمي ما فعل؟ قالوا: قد خرج من مكة ونزل يثرب. قال: أقاتله العرب؟ قلنا: نعم. قال: كيف صنع بهم؟ فأخبرناه أنه قد ظهر على من يليه من العرب وأطاعوه. قال لهم: أما إن ذلك خير لهم، ولو أني أخبركم أني أنا المسيح، لكني أنا المسيح، وإني أوشك أن يؤذن لي في الخروج، فإني خارج فاطأ الأرض كلها، فلا أدع قرية إلا وطئتها في أربعين ليلة، غير مكة وطيبة، فهما محرمتان علي كلتاهما، كلما أردت أن أدخل واحدة أو واحداً استقبلني ملك بيده السيف صلتاً يصدني عنها، وإن على كل نقب منها ملائكة يحرسونها .

فلما انتهى تميم من حديثه، قال رسول الله ﷺ: هذه طيبة، هذه طيبة، هذه طيبة، يعني المدينة، ألا هل كنت حدثتكم عن ذلك؟ فقال الناس: قد كنت حدثتنا يا رسول الله. قال: فإنه يعجبني حديث تميم، إنه وافق الذي كنت أحدثكم عنه وعن الدجال .

هذا الحديث العظيم الذي رواه تميم الداري عن رحلته، سجله الإمام مسلم في صحيحه، وأصبح من علامات النبوة الباهرة، ومن الأحاديث التي تبشر بظهور المسيح الدجال في آخر الزمان، وتخبر عن صفاته وأفعاله، وكان تميم الداري سبباً في تأكيد هذا الحديث وتوثيقه .

ولما استقر تميم الداري في المدينة، لازم رسول الله ﷺ وتعلم منه القرآن والسنة، وكان من أحفظ الصحابة للقصص والأخبار، وكان رسول الله يُجلسه ويقول: حدثنا يا تميم . وكان تميم كثير العبادة والتهجد، طويل القيام، كثير الصيام، حتى لقبوه براهب العرب، وكان يقرأ القرآن في ركعة واحدة، ويختمه في سبع ليال .

وبعد وفاة رسول الله ﷺ، انتقل تميم الداري إلى الشام، وسكن بيت المقدس، وكان من أعبد الناس وأزهدهم، لا ينام الليل إلا قليلاً، وكان يقرأ القرآن في المحراب، ويبكي حتى تبتل لحيته من كثرة الدموع. وفي إحدى الليالي، وهو قائم يصلي في المحراب، قرأ قوله تعالى: ﴿أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ أَن نَّجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَوَاءً مَّحْيَاهُمْ وَمَمَاتُهُمْ ۚ سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ﴾ [الجاثية: 21]، فبكى بكاءً شديداً، وكرر الآية مراراً، وجعل يقول: والله لو علمت أن حياتي كلها في طاعتك ومماتي على ذلك، لكان ذلك كل الهم، فكيف وأنا لا أدري ما يختم لي؟! ثم خر ساجداً وهو يبكي، فوجدوه ساجداً ميتاً رحمه الله .

وكان تميم الداري أول من أوقد السراج في المسجد، فقد قدم إلى المدينة ورأى ظلمة المسجد ليلاً، فاشترى زيتاً وأوقد قنديلاً في المسجد، فكان أول من سن هذه السنة الحسنة في الإسلام . وكان رضي الله عنه سخياً كريماً، تصدق بأرضه التي ورثها من أبيه في فلسطين على المسلمين، وجعلها وقفاً لله، وكانت أرضاً واسعة خصبة، فكانت أول وقف في الإسلام .

ومات تميم الداري رضي الله عنه في بيت المقدس سنة أربعين من الهجرة، وقيل سنة إحدى وأربعين، ودفن في مدينة القدس الشريف، وقبره معروف إلى اليوم في مقبرة مأمن الله. رضي الله عن تميم الداري، الراهب العابد، الذي آثر الله على قومه، وصدق رسول الله واتبع هداه، وكان سبباً في نقل حديث عظيم من أحاديث النبي عن الدجال وأشراط الساعة .

1000193747.jpg
 
Comment

سيناا

☄️شهاب الغابة ..محبوب الجماهير
مستشار الادارة
إنضم
27 أكتوبر 2021
المشاركات
59,841
مستوى التفاعل
12,969
مجموع اﻻوسمة
21
قصص وأحاديث وعبر
"ما ضرَّ عثمان ما عمل بعد اليوم"

كانت الأيام ثقيلة على المسلمين في المدينة، حرٌّ شديد يلفّ الصحراء، وجدبٌ يضرب الأرض، والثمار قد يبست، والناس تتعلق قلوبهم بظل النخيل بعد عامٍ من التعب

وفي تلك اللحظة العصيبة جاء الخبر: الروم يجمعون الجي*وش على أطراف الجزيرة

عندها نهض النبي صلي الله عليه وسلم يدعو المسلمين إلى الخروج لملاقاة الع*دو في ما عُرف لاحقًا بـ غزوة تبوك

لكن الظروف كانت قاسية إلى حدٍ لم يمر على المسلمين مثلها من قبل، حتى سُمِّي الجيش الذي سيخرج جيش العُسرة

لم تكن المشكلة في الشجاعة، فقلوب الصحابة كانت عامرة بالإيمان، لكن المشكلة كانت في قلة المال والدواب والس*لاح

كان الرجلان والثلاثة يتناوبون على بعير واحد، وبعضهم ذهب يبكي لأن النبي لم يجد لهم ما يحملهم عليه

وقف النبي صلي الله عليه وسلم يحث الناس على الصدقة والتجهيز، وكان صوته يوقظ القلوب

من يجهز جي*ش العسرة....؟

من ينفق في سبيل الله....؟

هنا بدأت المواقف العظيمة تتوالى، جاء الفقراء بما يملكون، حفنات قليلة من التمر، لكنها كانت عند الله عظيمة

وجاء بعض المنافقين يسخرون من القليل والكثير، لا يرون في الأمر إلا خسارة

لكن فجأة، تحرك رجل من بين الصفوف، كان هادئ الطبع، حيّي الوجه، لكنه في تلك اللحظة وقف موقفًا سيذكره التاريخ طويلًا

إنه خليفة النبي الثالث، ذو النورين، وصهر رسول الله، الرجل الحيى الذي تستحي منه ملائكة الرحمن "عثمان بن عفان" رضي الله عنه

لم يأتِ بكلمات، بل جاء بأفعال، تقدم إلى النبي وقال:
"يا رسول الله، عليَّ مائة بعير بأحلاسها وأقتابها في سبيل الله،

تهللت وجوه الصحابة، لكن عثمان لم يتوقف عاد مرة أخرى وقال "يا رسول الله، عليَّ مئتا بعير بأحلاسها وأقتابها"

والناس ينظرون بدهشة، لكن عثمان لم يتوقف فعاد ثالثة وقال "يا رسول الله، عليَّ ثلاثمائة بعير بأحلاسها وأقتابها في سبيل الله"

ولم يكن هذا كل شيء بل جاء بعد ذلك "بألف دينار" من الذهب، ووضعها في حجر النبي

عندها أخذ النبي يقلب الدنانير بيده الشريفة، وقد ظهر السرور على وجهه، ثم قال كلمته التي بقيت خالدة عبر القرون "ما ضرَّ عثمان ما عمل بعد اليوم" وكررها النبي مرتين

في تلك اللحظة تبدل المشهد كله، امتلأ جيش العسرة بالدواب والسلاح، واشتعلت عزائم المسلمين من جديد

خرج الجيش أخيرًا في طريقٍ طويل عبر الصحراء إلى تبوك، مسيرة شاقة تحت الشمس المحرقة، لكن القلوب كانت ممتلئة باليقين

ولم تقع معركة كبرى في النهاية، فقد دبّ الرعب في قلوب أعداء المسلمين حين علموا بخروج هذا الج*يش العظيم، فتفرقوا قبل المواجهة

وهكذا انتهت رحلة ج*يش العُسرة، رحلةٌ لم تكن مجرد خروجٍ إلى صحراء تبوك، بل كانت اختبارًا عظيمًا للإيمان، اختبارًا كشف من صدق مع الله، ومن كان قلبه متعلقًا بالدنيا

وفي وسط تلك اللحظات الصعبة، كتب التاريخ موقفًا سيبقى حيًّا ما بقيت، الأيام، لرجلٌ لم يرفع سيفًا في تلك الغزوة، لكنه رفع جيشًا كاملًا بعطائه، رجلٌ لم يتكلم كثيرًا، لكن أفعاله دوّت في صفحات التاريخ

حتى قال فيه النبي كلمةً خالدة، صارت وسام شرفٍ لا يناله إلا من صدق مع الله
"ما ضرَّ عثمان ما عمل بعد اليوم"

وهكذا بقي اسم عثمان بن عفان رضي الله عنه مرتبطًا بواحدةٍ من أعظم لحظات البذل في تاريخ الإسلام، ليعلم الناس عبر القرون أن المال حين يوضع في سبيل الله يصنع تاريخًا

1000193810.jpg
 
Comment
أعلى